ترامب وتشي في لقاء سابق
ترامب وتشي في لقاء سابق

قبل لقاء ترامب بشِي..تفاقم حرب التجسّس وصراع نفوذ على التكنولوجيا والطاقة!

قبل لقاء ترامب بشِي..تفاقم حرب التجسّس وصراع نفوذ على التكنولوجيا والطاقة!

# علي ضاحي–خاص takarir.net

قبل لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن في 24 أيلول الجاري، تتسارع مؤشرات التوتر بين القوتين في أكثر من ساحة، من التجسّس والأقمار الصناعية إلى الرقائق والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن النادرة، بما يكشف أن المواجهة لم تعد محصورة في الرسوم التجارية أو التنافس على الأسواق، بل باتت تدور حول امتلاك مفاتيح القوة التكنولوجية والاقتصادية والأمنية التي سترسم ملامح النفوذ الدولي في المرحلة المقبلة.

وجاء تصريح ترامب بأن الصين تتجسّس على الولايات المتحدة وأن واشنطن تقوم بدورها بالتجسّس على الصين، بعد تقرير تحدث عن حصول إيران على صور أقمار صناعية لقاعدة أميركية في الأردن من كيانات صينية قبل هجوم إيراني في تموز أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين، إلا أن التقرير لم يحدد هوية تلك الكيانات ولم يثبت تورط الحكومة الصينية مباشرة، فيما رفضت بكين الاتهامات، ما يجعل الواقعة جزءًا من حرب معلومات واستخبارات تتداخل فيها الأقمار الصناعية وشبكات الاتصالات والقدرات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بدل أن تبقى محصورة في مفهوم التجسّس التقليدي.

قمة الحسابات

ويأتي لقاء ترامب وشي، وسط محاولة الطرفين إدارة التناقض بين التصعيد والحوار، إذ تفتح واشنطن وبكين قنوات تفاوض متزامنة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تتجه المحادثات التحضيرية إلى ملفات تتجاوز التجارة لتشمل الرقائق والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والعلاقات المالية الصينية مع إيران، وهو ما يمنح القمة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز أي تفاهم تجاري محدود.

ويستعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت للقاء نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ، فيما أبدت واشنطن استعدادها لبحث المخاطر المشتركة للذكاء الاصطناعي مع بكين، بما يعكس إدراكًا متبادلًا بأن السباق التكنولوجي بات يحمل تداعيات أمنية وعسكرية واقتصادية لا يمكن احتواؤها بالرسوم الجمركية وحدها.

حرب الرقائق

وتقف أشباه الموصلات في قلب هذه المواجهة، باعتبارها البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والاتصالات والتطبيقات العسكرية، ولذلك عملت واشنطن على تقييد وصول الصين إلى بعض التقنيات المتقدمة ومعدات تصنيع الرقائق، بينما ردت بكين بتسريع سياسات الاعتماد على الذات وتوسيع قدراتها المحلية في التصميم والتصنيع والحوسبة، لتتحول المعركة من صراع على شراء المعالجات إلى صراع على امتلاك السلسلة التكنولوجية بأكملها، من المواد والمعدات والبرمجيات إلى مراكز البيانات والنماذج المتقدمة.

وتكشف مشاركة الرئيس التنفيذي لشركة Nvidia جينسن هوانغ في العشاء الذي سيقيمه ترامب لشي في واشنطن الوزن الذي بات قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي يحمله في السياسة الأميركية تجاه الصين، بعدما أصبحت شركات التكنولوجيا ومصانع أشباه الموصلات جزءًا من الحسابات الأمنية والاستراتيجية للدول، وليس مجرد كيانات تجارية تعمل بمعزل عن القرار السياسي.

سباق الذكاء

ويأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمة ساحات الصراع الجديدة، بعدما اتهمت واشنطن شركات صينية باستخدام تقنيات لاستخلاص قدرات من نماذج أميركية متقدمة، في حين رفضت بكين هذه الاتهامات، لتكشف المواجهة أن التنافس انتقل من تقليد المنتجات إلى السيطرة على النماذج والخوارزميات والبيانات والقدرة الحاسوبية، وهي عناصر باتت مترابطة إلى درجة تجعل امتلاك إحداها مؤثرًا في بقية منظومة القوة التكنولوجية.

فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى رقائق متقدمة، والرقائق تحتاج إلى معدات تصنيع ومواد نادرة، والنماذج تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة تستهلك كميات هائلة من الطاقة، فيما تحتاج هذه المنظومة بأكملها إلى شبكات اتصالات وبيانات واسعة، ولذلك تتعامل واشنطن مع الذكاء الاصطناعي باعتباره جزءًا من الأمن القومي، بينما تدفع الصين باتجاه بناء منظومة محلية تقلل اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، حتى في الوقت الذي تبقي فيه القوتان قنوات التفاوض مفتوحة لمناقشة المخاطر التي قد تنتج عن هذه التكنولوجيا.

عين الفضاء

ويشكل الفضاء الامتداد الطبيعي لحرب التجسّس، بعدما أصبحت الأقمار الصناعية أدوات للرصد والاتصالات والملاحة والإنذار المبكر وتحديد الأهداف وتحليل التحركات العسكرية، وهو ما يمنح الصور الفضائية قيمة استخبارية مباشرة ويجعل السيطرة على البنية المدارية جزءًا من معادلة القوة الحديثة، خصوصًا مع دمج الصور الفضائية بالذكاء الاصطناعي القادر على معالجة كميات ضخمة من البيانات وتحويلها إلى معلومات قابلة للاستخدام الأمني والعسكري.

وفي موازاة ذلك، يتوسع التنافس الأميركي ـ الصيني على القدرات الفضائية، فيما تحذر بكين من أن تطوير أسلحة مدارية أميركية يمكن أن يدفع إلى سباق تسلح في الفضاء، بما يضيف طبقة جديدة إلى الصراع تتجاوز الأرض والأسواق والمصانع لتصل إلى البنية الاستراتيجية التي توفر الاتصالات والمراقبة والإنذار المبكر في أوقات السلم والحرب.

حرب الطاقة

غير أن التكنولوجيا لا يمكن فصلها عن الطاقة، لأن مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة والسيارات الكهربائية والبطاريات تحتاج جميعها إلى كميات متزايدة من الكهرباء والغاز والمواد الخام، ما يجعل أمن الطاقة جزءًا من أمن التكنولوجيا ويحوّل السيطرة على سلاسل الإمداد إلى عنصر أساسي في المنافسة الأميركية ـ الصينية.

وتملك الولايات المتحدة قدرات كبيرة في إنتاج النفط والغاز والغاز الطبيعي المسال، بينما تحتاج الصين إلى إمدادات ضخمة ومستقرة لتغذية اقتصادها الصناعي، لكن هذا التنافس لا يلغي المصالح التجارية، إذ أبرمت شركة صينية اتفاقًا طويل الأجل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال من شركة أميركية، في نموذج يعكس قدرة المصالح الاقتصادية على الاستمرار حتى في ظل احتدام التنافس السياسي والاستراتيجي.

غير أن اضطرابات الشرق الأوسط تعيد الطاقة إلى قلب الحسابات الأميركية والصينية، خصوصًا مع أهمية مضيق هرمز وإمدادات الخليج وأسواق الغاز الآسيوية، إذ إن أي اضطراب طويل في حركة الطاقة يضغط على الاقتصاد الصيني وسلاسل الإمداد العالمية ويمنح الطاقة موقعًا متقدمًا في حسابات الأمن القومي لكل من واشنطن وبكين.

ورقة هرمز

وتدخل إيران في هذه المعادلة من بوابة الطاقة والجغرافيا والعقوبات، فالصين تعتمد على تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط، فيما تعتبر واشنطن العلاقات الاقتصادية والمالية بين بكين وطهران إحدى نقاط الضغط في سياستها تجاه إيران، ولذلك أصبح مضيق هرمز والعقوبات والتجارة الصينية مع طهران ملفات تتقاطع مع الحوار الأميركي ـ الصيني قبل لقاء ترامب وشي.

وفي 16 أيلول، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى التفاوض، مشددًا على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الطاقة والإمدادات العالمية، خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بكين، بينما أعلن بيسنت أن ملف العلاقات المالية الصينية مع إيران سيكون حاضرًا في محادثاته مع الجانب الصيني قبل القمة.

وهكذا تتحول إيران من ملف إقليمي إلى عنصر في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للعلاقة بين واشنطن وبكين، لأن النفط والغاز وهرمز والعقوبات والتمويل كلها تتقاطع في نقطة واحدة هي القدرة على التحكم في تدفقات الطاقة والتجارة.

معركة المعادن

وتشكّل المعادن النادرة الوجه الآخر للحرب التكنولوجية، فالرقائق والبطاريات والسيارات الكهربائية والطائرات والأنظمة العسكرية تحتاج إلى مواد حرجة تدخل في صناعات استراتيجية، فيما تحتفظ الصين بموقع قوي في سلاسل إنتاج وتكرير عدد من هذه المواد، الأمر الذي يمنحها نفوذًا مختلفًا عن النفوذ الأميركي في التكنولوجيا المتقدمة.

وتعمل واشنطن على تقليص اعتمادها على الصين عبر توسيع الاستثمارات في التعدين والتكرير وبناء سلاسل توريد بديلة، لكن إعادة بناء هذه السلاسل تحتاج إلى سنوات واستثمارات ضخمة، وهو ما يجعل المعادن الحرجة جزءًا من معركة النفوذ إلى جانب الرقائق، بحيث تتحول نقاط الاختناق التكنولوجية والموارد الأساسية إلى أوراق ضغط متبادلة.

حرب البيانات

وتبقى البيانات الحلقة التي تربط مختلف هذه الجبهات، فالبيانات هي المادة الخام للذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي يمنحها قيمة استراتيجية عبر القدرة على تحليل السلوك واكتشاف الأنماط والتنبؤ بالاتجاهات، ما يجعل الوصول إلى البيانات وحمايتها والسيطرة على البنية التي تخزنها وتعالجها جزءًا من الأمن القومي.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات السيبرانية والمراقبة والاستخبارات، تتسع مساحة التجسّس لتشمل البنية الرقمية نفسها، من مراكز البيانات إلى الشبكات السحابية والبرمجيات والنماذج الذكية، فتتحول المنافسة من محاولة الحصول على معلومات عن الخصم إلى محاولة امتلاك البنية التي تنتج المعلومات وتخزنها وتحللها.

ميزان التكنولوجيا

وتمتلك الولايات المتحدة منظومة واسعة من شركات التكنولوجيا وتصميم الرقائق والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبحث العلمي ورأس المال والاستثمار، إضافة إلى شبكة تحالفات دولية توفر لها قدرات إضافية في التكنولوجيا والفضاء والأمن، بينما تمتلك الصين قاعدة تصنيع ضخمة وسوقًا داخلية هائلة وسلاسل توريد واسعة وقدرات متقدمة في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والاتصالات، فضلًا عن حضور قوي في عدد من المعادن الحرجة.

لذلك لا يجري الصراع بين منظومتين متطابقتين في أدوات القوة، بل بين منظومتين تتكامل نقاط قوتهما مع نقاط ضعف الطرف الآخر، فواشنطن تملك نفوذًا واسعًا في التكنولوجيا المتقدمة والرقائق والتمويل والأسواق، بينما تمتلك بكين ثقلًا كبيرًا في التصنيع وسلاسل التوريد والمواد الحيوية، ما يجعل الاعتماد المتبادل نفسه أحد أهم أسلحة هذه المواجهة.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

المحامي سميح بركات

فرض الضرائب على الذكاء الاصطناعي والروبوتات

فرض الضرائب على الذكاء الاصطناعي والروبوتات المحامي سميح بركات خاص takarir.net في عالم أصبح فيه …