الحرب الروسية الاوكرانية مستمرة بلا هوادة
الحرب الروسية الاوكرانية مستمرة بلا هوادة

حرب الاستنزاف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا: ضغط الطاقة ومساعي التهدئة الدولية

حرب الاستنزاف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا: ضغط الطاقة ومساعي التهدئة الدولية

علي ضاحي–خاص takarir.net

تدخل الحرب الروسية ـ الأوكرانية مرحلة جديدة من الاستنزاف المتبادل، بعدما تحولت البنى التحتية الحيوية، وشبكات النقل، ومصافي النفط، ومنشآت الغاز والكهرباء إلى أهداف مركزية في المعركة. فموسكو تضغط على مقومات الحياة والإمداد داخل أوكرانيا، بينما توسّع كييف ضرباتها بعيدة المدى ضد قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة بالقدرة العسكرية الروسية.

وفي 16 أيلول/سبتمبر، استهدفت ضربات روسية حافلة مدنية قرب نيكوبول، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة سبعة على الأقل، كما أصابت ضربة قطاراً في منطقة ميكولايف، وفق مسؤولين أوكرانيين نقلت عنهم رويترز. وتأتي هذه الهجمات ضمن ضغط متواصل على منظومات النقل والخدمات والبنى التحتية التي تعتمد عليها أوكرانيا في زمن الحرب.

ولا تقتصر تداعيات الضربات على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل حركة المدنيين والبضائع، وإرباك خطوط الإمداد، وزيادة أعباء إعادة الإعمار، خصوصاً مع اقتراب الشتاء وما يفرضه من احتياجات إضافية إلى الكهرباء والتدفئة والوقود.

ضربات العمق

في المقابل، كثّفت أوكرانيا هجماتها على منشآت الطاقة الروسية. وخلال الأيام الماضية، طالت الضربات مصافي في كراسنودار وتتارستان وساراتوف وسيزران، إضافة إلى منشآت صناعية وعسكرية في مناطق روسية بعيدة عن خطوط الجبهة.

وأفادت تقارير بأن مصفاتي سيزران وساراتوف توقفتا أو خفّضتا عملياتهما بعد أضرار لحقت بوحدات التكرير نتيجة هجمات مسيّرة. وذكرت رويترز أن وحدة التقطير الرئيسية في مصفاة سيزران تعرضت لأضرار كبيرة، وقد تحتاج أعمال إصلاحها إلى شهر على الأقل، بينما توقفت مصفاة ساراتوف عن معالجة النفط بعد أضرار وحرائق سابقة.

كما أعلنت أوكرانيا استهداف مصفاة سلافيانسك في إقليم كراسنودار ومصفاة تانيكو في تتارستان في 13 أيلول، فيما أشارت تقارير إلى أضرار في خزانات ومنشآت معالجة النفط. وتندرج هذه العمليات ضمن استراتيجية أوكرانية تهدف إلى تقليص قدرة روسيا على تكرير النفط وتأمين الوقود لاقتصادها وقواتها المسلحة.

وتكتسب الضربات على قطاع الطاقة الروسي أهمية مضاعفة، لأنها لا تستهدف منشأة منفردة فحسب، بل تضغط على سلسلة كاملة تشمل التكرير والتخزين والنقل والتوزيع، في وقت تواجه فيه روسيا أصلاً قيوداً على صادرات الوقود ونقصاً في بعض المشتقات النفطية.

جبهة الغاز

اتسعت دائرة الاستهداف الأوكراني لتصل إلى منطقة يامالو-نينيتس، إحدى أهم مناطق إنتاج الغاز في روسيا. وذكرت تقارير أن ضربات بعيدة المدى طالت منشآت مرتبطة بصناعة الغاز ومكثفات الغاز في عمق الأراضي الروسية، بما يعكس اتجاهاً نحو توسيع مدى العمليات خارج النطاق التقليدي للحرب.

وتحاول كييف من خلال هذه العمليات التأثير في الإيرادات الروسية، وإرباك قدرة موسكو على تمويل الحرب، ورفع كلفة حماية المنشآت الحيوية المنتشرة على مساحة جغرافية واسعة. لكن حجم الأضرار الفعلية واستمراريتها يحتاجان إلى تقييم مستقل، إذ تعتمد المعلومات المتوافرة غالباً على بيانات الأطراف المتحاربة وصور الأقمار الصناعية ومصادر مفتوحة.

حراك واشنطن

في موازاة التصعيد الميداني، تحركت الإدارة الأميركية لإحياء المسار الدبلوماسي. وزار المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو في 5 أيلول، حيث التقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ثم توجها إلى كييف للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وتركز الحراك على إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة والبحث عن صيغة لإنهاء الحرب أو خفض حدّة التصعيد.

لكن هذه الجهود لم تحقق اختراقاً حاسماً. فالفجوة بين موسكو وكييف لا تزال واسعة، خصوصاً في قضايا الأراضي والضمانات الأمنية وشروط وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب. كما أن استمرار الضربات خلال التحرك الدبلوماسي يوضح أن الميدان لا يزال أداة أساسية لتحسين شروط التفاوض.

وتحاول واشنطن الدفع باتجاه تفاهم محدود يبدأ من قطاع الطاقة، باعتباره مجالاً يمكن أن يحقق خفضاً نسبياً للتصعيد دون الحاجة إلى تسوية شاملة وفورية للقضايا السياسية والعسكرية الأكثر تعقيداً.

تفاهم هش

في 14 أيلول، أعلن ترمب أن روسيا وأوكرانيا وافقتا على وقف استهداف منشآت الطاقة لدى الطرف الآخر. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن الإعلان لم يتحول إلى اتفاق عملي واضح. فقد استمرت الهجمات على منشآت الطاقة، بما في ذلك ضربات روسية على مواقع في كييف وضربات أوكرانية على مصفاة روسية في 15 أيلول.

وفي 16 أيلول، أكد زيلينسكي استعداد بلاده لهدنة في مجال الطاقة، لكنه قال إن روسيا لم تقدم التزاماً مماثلاً واضحاً. وطالب بتحديد المنشآت التي ستشملها الهدنة، على أن يتوقف استهداف جميع أنواع البنى التحتية للطاقة، بما في ذلك المصافي والمنشآت النفطية الروسية وشبكات الكهرباء والغاز الأوكرانية.

ويكشف ذلك عن اختلاف جوهري في تعريف الهدنة. فبالنسبة إلى موسكو، يرتبط ملف الطاقة أيضاً بأمن الملاحة التجارية ورفع العقوبات الغربية. أما كييف فتريد وقفاً شاملاً للهجمات على منشآتها الكهربائية والغازية، لا اتفاقاً يقتصر على المصافي أو المنشآت النفطية.

ضغط الوقود

تأتي المبادرة الأميركية في وقت تتزايد فيه حساسية أسواق الطاقة العالمية تجاه اضطرابات الإمداد. وقد ساهمت الضربات على المصافي الروسية والأوكرانية، إلى جانب عوامل جيوسياسية أخرى، في زيادة المخاوف من نقص المشتقات النفطية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتوزيع.

وتؤدي الضربات المتبادلة إلى تقليص الطاقة الإنتاجية أو التكريرية مؤقتاً، وتفرض على الدول المتضررة البحث عن بدائل، وإعادة توجيه الإمدادات، وتخزين كميات أكبر من الوقود. كما يمكن أن تنتقل الكلفة إلى المستهلكين عبر ارتفاع أسعار الديزل والبنزين، ولا سيما في الأسواق التي تعتمد على الواردات أو تواجه نقصاً في المخزونات.

غير أن ربط كل الارتفاعات العالمية في أسعار الوقود بالحرب الروسية ـ الأوكرانية وحدها سيكون تبسيطاً مفرطاً؛ فالأسواق تتأثر أيضاً بأزمات الشرق الأوسط، واضطرابات الشحن، وقرارات الإنتاج، والعقوبات، ومستويات الطلب والمخزون.

اختبار الشتاء

يقترب الطرفان من اختبار شتوي جديد، حيث تتحول الطاقة إلى عنصر حاسم في الصمود المدني والعسكري. وتحتاج أوكرانيا إلى حماية شبكات الكهرباء والغاز وإصلاح الأضرار بسرعة، فيما تواجه روسيا تحدي المحافظة على استقرار سوق الوقود وحماية مصافيها ومنشآتها الصناعية الممتدة في مناطق واسعة.

ومن هنا، لا يمكن فصل العمليات الجوية عن الحسابات الاقتصادية. فاستهداف منشأة طاقة قد يحقق أثراً عسكرياً مباشراً، لكنه يفرض أيضاً كلفة على الصيانة والإصلاح والحماية، ويؤثر في الإنتاج والتوزيع والإيرادات. وفي المقابل، يؤدي تدمير البنى التحتية الأوكرانية إلى زيادة اعتماد كييف على الدعم الخارجي، ورفع فاتورة إعادة الإعمار، وتعميق الضغط على المدنيين.

مفاوضات مشروطة

تواجه مساعي التهدئة معضلة أساسية: كيف يمكن ضمان التزام متبادل في ظل غياب الثقة واستمرار الحرب على الأرض؟

تريد كييف ضمانات قابلة للتحقق تمنع روسيا من استخدام الهدنة لإعادة التموضع أو مواصلة ضرب البنى التحتية تحت ذرائع مختلفة. بينما تسعى موسكو إلى ربط أي تفاهم أوسع بملفات العقوبات والملاحة والأمن الاقتصادي. وبين الموقفين، تبدو الهدنة الجزئية في قطاع الطاقة أقرب إلى اختبار سياسي وميداني منها إلى تسوية مستقرة.

كما أن استمرار الضربات بعد إعلان ترمب يضع مصداقية الوساطة الأميركية أمام اختبار حقيقي. فالإعلان السياسي يحتاج إلى آلية تنفيذ، وقائمة أهداف واضحة، ونظام مراقبة، وآلية لتحديد المسؤولية عند وقوع الخروقات.

حرب طويلة

تؤكد التطورات الأخيرة أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية دخلت مرحلة تتداخل فيها الجبهة العسكرية مع الجبهة الاقتصادية. فالمسيّرات بعيدة المدى باتت تستهدف منشآت النفط والغاز والصناعات العسكرية، فيما تواصل روسيا ضرب شبكات النقل والطاقة والخدمات داخل أوكرانيا.

وتحاول كل من موسكو وكييف تحويل نقاط ضعف خصمها إلى أدوات ضغط تفاوضية. روسيا تراهن على إنهاك الجبهة الداخلية الأوكرانية قبل الشتاء، وأوكرانيا تسعى إلى تقليص الإيرادات الروسية ورفع كلفة الحرب في العمق. أما واشنطن فتسعى إلى تجميد جزء من التصعيد، بدءاً من قطاع الطاقة، من دون امتلاك ضمانة واضحة بأن التفاهم المعلن يمكن أن يصمد أمام الحسابات العسكرية.

وفي المحصلة، لا تزال الهدنة المعلنة في قطاع الطاقة غير نافذة بصورة مؤكدة، فيما يستمر الاستنزاف على الأرض. وبينما تتقدم الدبلوماسية بخطوات حذرة، تواصل الضربات المتبادلة إعادة تشكيل كلفة الحرب، من خطوط الجبهة إلى المصافي ومحطات الكهرباء وشبكات النقل والأسواق العالمية.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

هرمز باق على صفيح ساخن

مضيق هرمز على صفيح ساخن..شرط طهران يؤجل إجتماع عُمان ويشلّ الملاحة العالمية!

مضيق هرمز على صفيح ساخن..شرط طهران يؤجل إجتماع عُمان ويشلّ الملاحة العالمية! # علي ضاحي–خاص …