يبرز دور لسعودية في دعم القوى المحلية المناوئة للحوثيين
يبرز دور لسعودية في دعم القوى المحلية المناوئة للحوثيين

اليمن..6 عقود من الحروب: من صراع الجمهورية إلى كسر النفوذ السعودي!

اليمن..6 عقود من الحروب: من صراع الجمهورية إلى كسر النفوذ السعودي!

علي ضاحي – خاص takarir.net

لم تبدأ المواجهة اليمنية ـ السعودية في آذار 2015، كما لم يولد الصراع بين “أنصار الله” والرياض من لحظة سقوط صنعاء في أيلول 2014، بل هو حصيلة مسار طويل من الحروب والانقلابات والانقسامات والتحالفات الداخلية والتدخلات الإقليمية، جعل اليمن منذ ستينيات القرن الماضي واحداً من أكثر ميادين الشرق الأوسط قابلية لإعادة إنتاج الحرب.
فمنذ إسقاط الحكم الإمامي وإعلان الجمهورية عام 1962، مروراً بصراع الشمال والجنوب وحرب الانفصال عام 1994، ثم حروب صعدة الست وصعود “أنصار الله”، وصولاً إلى سقوط صنعاء والتدخل السعودي المباشر، لم تتوقف عملية إعادة تشكيل موازين القوة في هذا البلد، فيما تبدو المواجهة الحالية مختلفة لكونها لا تدور فقط حول صنعاء أو الحدود السعودية، بل حول الساحل الغربي وباب المندب وممرات الطاقة والتجارة الدولية.

حرب الجمهورية

كانت ثورة 26 أيلول 1962 نقطة الانفجار الكبرى في اليمن الحديث، عندما أطاح الجمهوريون بحكم الإمام محمد البدر وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية، لتتحول المواجهة سريعاً إلى حرب بين الجمهوريين والملكيين استمرت حتى عام 1970. ولم تبقَ الحرب شأناً يمنياً داخلياً، إذ دخلت مصر عسكرياً إلى جانب الجمهوريين، بينما دعمت السعودية الملكيين، فتحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي تعكس التنافس بين القاهرة والرياض آنذاك، قبل أن تنتهي الحرب ببقاء النظام الجمهوري وتسوية أنهت الدعم الخارجي الواسع للطرفين. ويشير توثيق الأمم المتحدة إلى أن السعودية وافقت على وقف مساعدتها للملكيين مقابل انسحاب القوات المصرية التي دعمت الحكومة الجمهورية.

كانت تلك الحرب الأولى التي كشفت الموقع الجيوسياسي لليمن في الحسابات السعودية، فالجغرافيا اليمنية الممتدة على الحدود الجنوبية للمملكة والمطلة على البحر الأحمر وخليج عدن جعلت استقرار اليمن جزءاً من الأمن الإقليمي، بينما جعل موقعه البحري الدولة اليمنية نفسها طرفاً مؤثراً في خطوط الملاحة التي تصل البحر الأحمر بالمحيط الهندي.

صراع الوحدة

انتهت الحرب الجمهورية ـ الملكية، لكن اليمن لم يدخل مرحلة الاستقرار، إذ بقي منقسماً بين جمهورية في الشمال وجمهورية ديمقراطية شعبية في الجنوب، وارتبط الصراع بينهما بالتنافس الإقليمي والدولي خلال الحرب الباردة، قبل أن تؤدي التحولات الدولية والداخلية إلى إعلان الوحدة اليمنية في 1990. إلا أن الوحدة السياسية لم تضع حداً للتناقضات التاريخية بين المركز في صنعاء والجنوب، كما لم تعالج بصورة نهائية توزيع السلطة والثروة والمؤسسة العسكرية، فسرعان ما تحولت الشراكة إلى صراع على الدولة نفسها.

وفي عام 1994 اندلعت الحرب الأهلية عندما أعلنت قيادات جنوبية الانفصال، وانتهت المواجهة بانتصار قوات الرئيس علي عبدالله صالح وبقاء الوحدة اليمنية، لكن آثار الحرب ظلت حاضرة في الجنوب، حيث تراكمت لاحقاً مظالم سياسية واقتصادية وعسكرية ساهمت في ولادة الحراك الجنوبي، وأصبحت القضية الجنوبية إحدى العقد الرئيسية في كل تسوية يمنية لاحقة. وتشير دراسة أممية حول أثر الحرب إلى أن حرب 1994 حسمت عسكرياً لصالح الشمال، لكنها تركت آثاراً سياسية واجتماعية استمرت في تغذية النزعة الانفصالية الجنوبية.

صعود الحوثيين

في شمال اليمن، كانت أزمة أخرى تتشكل بعيداً عن الجنوب. ففي محافظة صعدة نشأت حركة الشباب المؤمن في بيئة زيدية، ثم تحولت المواجهة مع السلطة المركزية إلى تمرد مسلح عام 2004 بقيادة حسين بدر الدين الحوثي، الذي قُتل في الجولة الأولى، لكن الحركة واصلت القتال بقيادة شقيقه عبدالملك الحوثي، لتدخل البلاد في ست جولات متتالية من الحرب حتى عام 2010.

لم تكن أسباب الصراع محصورة في البعد المذهبي، فقد ارتبطت أيضاً بشكاوى تتعلق بالتهميش السياسي والاقتصادي للمناطق الشمالية، وبالاعتراض على سياسات الرئيس علي عبدالله صالح وعلاقاته مع الولايات المتحدة، في حين اتهمت الحكومة الحوثيين بالسعي إلى تقويض النظام الجمهوري وإعادة نموذج الحكم الإمامي. وتؤكد دراسات الأمم المتحدة أن جذور الحرب ارتبطت بمجموعة من العوامل الداخلية، وأن وقف إطلاق النار عام 2010 لم يعالج المظالم الأساسية التي أنتجت الصراع.

وخلال الحرب السادسة اتسعت المواجهة إلى الحدود السعودية، فتدخلت الرياض عسكرياً ضد الحوثيين عام 2009، وبذلك انتقلت الحركة للمرة الأولى من كونها مشكلة داخلية للحكومة اليمنية إلى قوة تخوض مواجهة مباشرة مع السعودية، وهي سابقة ستصبح بعد سنوات أساساً للحرب الإقليمية الكبرى.

لحظة الانهيار

جاءت احتجاجات 2011 لتضرب بنية النظام السياسي الذي حكم اليمن لعقود، فغادر علي عبدالله صالح السلطة لمصلحة نائبه عبد ربه منصور هادي ضمن ترتيبات انتقالية خليجية، لكن المرحلة الانتقالية لم تتمكن من إعادة بناء مؤسسات الدولة أو معالجة التناقضات التي فجرت الحروب السابقة، فيما استفاد الحوثيون من حالة التفكك السياسي والعسكري ليخرجوا من نطاق صعدة ويتوسعوا باتجاه مناطق جديدة.

وفي 2014 أصبح التحول عسكرياً وسياسياً. تقدم الحوثيون نحو صنعاء مستفيدين من تحالف مرحلي مع وحدات عسكرية مرتبطة بالرئيس السابق صالح، وتمكنوا في أيلول من السيطرة على العاصمة ومؤسسات الدولة، ثم توسعوا في الأشهر التالية باتجاه مناطق أخرى. وتؤكد الأمم المتحدة أن الحوثيين ووحدات عسكرية متحالفة معهم استولوا على صنعاء وأجزاء أخرى من البلاد خلال أيلول 2014 وما تلاه، قبل أن ينهار المسار السياسي بصورة كاملة مطلع 2015.

عند هذه النقطة لم تعد القضية مجرد تمرد في شمال اليمن، بل أصبحت صراعاً على الدولة اليمنية نفسها، بعدما انتقل الحوثيون من قوة محلية تقاتل الحكومة إلى قوة تسيطر على العاصمة وتفرض نفسها لاعباً رئيسياً في معادلة السلطة.

الحرب السعودية

في 26 آذار 2015 بدأت السعودية قيادة تحالف عسكري في اليمن بناءً على طلب حكومة عبد ربه منصور هادي، بعد انتقال الرئيس إلى عدن ثم السعودية، بهدف دعم الحكومة ومنع الحوثيين من تثبيت سيطرتهم على البلاد. وهكذا دخل اليمن مرحلة جديدة تحولت فيها الحرب الداخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة، وتوزعت القوى بين الحوثيين وحلفائهم من جهة، والحكومة والقوى المناهضة لهم والمدعومة بدرجات مختلفة من السعودية والإمارات من جهة أخرى، بينما انخرطت الولايات المتحدة ودول غربية في تقديم أشكال مختلفة من الدعم للتحالف خلال مراحل الحرب.

لكن التدخل العسكري لم ينتج الحسم الذي كان متوقعاً عند بدايته؛ فلم تتمكن القوات المدعومة من التحالف من استعادة صنعاء، وفي الوقت نفسه لم يتمكن الحوثيون من السيطرة على كامل اليمن، فتحولت الحرب تدريجياً إلى استنزاف طويل، فيما اكتسبت الحركة خبرة عسكرية متراكمة وطورت قدراتها في الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة.

ومع مرور السنوات، لم تعد السعودية تواجه قوات يمنية داخل الأراضي اليمنية فقط، بل أصبحت مدنها ومنشآتها الحيوية عرضة لهجمات صاروخية ومسيّرة، بينما ظلت الغارات الجوية والعمليات البرية جزءاً من الحرب داخل اليمن، الأمر الذي جعل الحدود السعودية ـ اليمنية إحدى أكثر جبهات الصراع حساسية.

انهيار التحالف

في 2017 وقع تحول آخر داخل معسكر صنعاء عندما انهار التحالف بين الحوثيين وعلي عبدالله صالح، بعد أن حاول الأخير فتح قنوات مع السعودية، فانتهى الصراع الداخلي بمقتله على يد الحوثيين. وبذلك خرج الحوثيون من واحدة من أكثر مراحل تاريخهم تعقيداً وقد أصبحوا القوة العسكرية والسياسية الأبرز في صنعاء والمناطق الواسعة الواقعة تحت سيطرتهم، فيما تراجع تأثير حليفهم السابق الذي كان يمتلك لعقود شبكة واسعة داخل الجيش والقبائل ومؤسسات الدولة.

ومنذ تلك اللحظة بات الصراع أكثر وضوحاً من حيث خطوط القوة، لكنه بقي شديد التعقيد من حيث تعدد القوى اليمنية، إذ ظل الجنوب يحمل مشروعاً سياسياً مختلفاً، وواصلت قوى محلية وقبلية وحزبية متعددة العمل في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين، بينما بقي تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لاعباً أمنياً في بعض المناطق.

هدنة بلا تسوية

في نيسان 2022 دخلت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة حيز التنفيذ، وأدت إلى انخفاض كبير في العمليات العسكرية وسمحت بتدفق الوقود عبر ميناء الحديدة واستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء، ثم انتهت رسمياً في تشرين الأول من العام نفسه من دون تمديد، لكن مستوى العنف بقي أقل بكثير مما كان عليه خلال سنوات الحرب السابقة. وتشير الأمم المتحدة إلى أن الوضع العسكري ظل نسبياً مستقراً بعد انتهاء الهدنة، مع استمرار المساعي السياسية للتوصل إلى خريطة طريق تشمل وقفاً شاملاً للنار وإجراءات اقتصادية وإنسانية.

وخلال تلك المرحلة فتحت السعودية والحوثيون قنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة، بمساعدة سلطنة عُمان، وبرزت للمرة الأولى منذ سنوات إمكانية الانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى تسوية سياسية، لكن الملفات الأساسية، من مستقبل الدولة اليمنية إلى الرواتب والطرق والموانئ والنفط والحدود، بقيت من دون اتفاق نهائي.

باب المندب

أعادت حرب غزة منذ تشرين الأول 2023 رسم المشهد اليمني، بعدما بدأ الحوثيون استهداف سفن في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنين ربط عملياتهم بالحرب في غزة، لتنتقل المواجهة من حدود اليمن البرية ومنشآت السعودية إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

هنا اكتسب الساحل الغربي اليمني وزناً يتجاوز الجغرافيا المحلية، لأن باب المندب يمثل حلقة الوصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد الممرات الحيوية للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا. ومع اتساع التوتر، لم تعد السيطرة على الساحل مجرد ورقة عسكرية داخل الحرب اليمنية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن الملاحة الدولية وكلفة الشحن والتأمين وإمدادات الطاقة.

معركة النفوذ

في أيلول 2026 دخلت الحرب مرحلة مختلفة مع هجوم حوثي واسع على الساحل الغربي وتقدم باتجاه مناطق استراتيجية قرب باب المندب، فيما أفادت رويترز بأن الحوثيين سيطروا على مواقع وجزر عند مدخل المضيق، الأمر الذي وضع السعودية أمام تحول ميداني جديد، خصوصاً أن الرياض كانت قد بنت خلال سنوات الحرب شبكة من القوى اليمنية المحلية لمواجهة الحوثيين.

وفي 16 أيلول، أفادت رويترز بأن الطائرات السعودية قصفت مواقع في اليمن، بالتزامن مع إعلان الحوثيين شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدن وأهداف داخل السعودية، في تصعيد يعيد المواجهة السعودية ـ الحوثية إلى الواجهة بعد سنوات من انخفاض العمليات المباشرة.

والأكثر دلالة أن التصعيد الحالي لا يتحرك في اتجاه عسكري واحد، إذ تزامن مع اتصالات أميركية غير معلنة مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، بحسب رويترز، بينما طلبت السعودية دعماً أميركياً في مواجهة التصعيد، ما يعكس تعقيد الحسابات الدولية حول اليمن والبحر الأحمر.

كسر المعادلة

من هنا يمكن قراءة ستة عقود من الحرب اليمنية باعتبارها سلسلة متصلة من إعادة توزيع القوة، فحرب 1962 أنهت الحكم الإمامي ورسخت الجمهورية، لكنها كشفت مبكراً حجم التدخل الإقليمي في اليمن؛ وحرب 1994 حافظت على الوحدة لكنها لم تحسم القضية الجنوبية؛ وحروب صعدة الست لم تنهِ الحوثيين، بل منحتهم خبرة قتالية وسياسية راكموا عليها لاحقاً؛ أما حرب 2015 فلم تتمكن من إعادة صنعاء إلى الحكومة المعترف بها دولياً، كما لم تمنح الحوثيين السيطرة على اليمن كله، بل أنتجت توازناً عسكرياً وسياسياً أكثر تعقيداً.

أما اليوم، فإن معنى المواجهة يتجاوز حدود الصراع السعودي ـ الحوثي نفسه، لأن تقدم الحوثيين نحو الساحل الغربي وباب المندب يمنحهم موقعاً جغرافياً يمكن أن يؤثر في حركة السفن والتجارة والطاقة، في وقت تتعرض فيه السعودية لضغوط على أمنها الحدودي ومنشآتها الحيوية وخطوط تصدير النفط. وقد ربطت تقارير حديثة بين التصعيد في اليمن والاضطرابات الأوسع في أسواق الطاقة والملاحة، فيما بقيت حركة السفن في باب المندب قائمة رغم ارتفاع مستوى المخاطر.

وبذلك يكون اليمن قد انتقل خلال ستة عقود من صراع على شكل النظام إلى صراع على شكل الدولة، ثم إلى مواجهة إقليمية على النفوذ، قبل أن تتحول جغرافيته البحرية إلى ورقة في معادلة الأمن الدولي. وما يجعل المرحلة الحالية أكثر حساسية أن الحوثيين لم يعودوا مجرد قوة تتمركز في جبال صعدة أو تفرض نفوذها على صنعاء، بل باتوا لاعباً يمتلك قدرات صاروخية ومسيّرة وخبرة طويلة في الحرب، ويقاتل على مساحة تمتد من العمق اليمني إلى الساحل والبحر.

وهنا تكمن خلاصة ستة عقود من الحروب: كل حرب يمنية انتهت بإعادة إنتاج الحرب التالية، إلى أن وصلت المعادلة اليوم إلى باب المندب؛ حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول من يحكم اليمن، بل حول من يمتلك القدرة على التأثير في أحد أهم الشرايين البحرية التي تربط الخليج والبحر الأحمر بالمحيط الهندي والأسواق العالمية.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

ترامب وتشي في لقاء سابق

قبل لقاء ترامب بشِي..تفاقم حرب التجسّس وصراع نفوذ على التكنولوجيا والطاقة!

قبل لقاء ترامب بشِي..تفاقم حرب التجسّس وصراع نفوذ على التكنولوجيا والطاقة! # علي ضاحي–خاص takarir.net …