“زلزال” باب المندب..معركة المضيق تهزّ شرايين التجارة والطاقة العالمية!
علي ضاحي – خاص takarir.net
لم يعد ما يجري عند باب المندب مجرد تطور أمني في اليمن، ولا أزمة ملاحة يمكن احتواؤها بإجراءات مرافقة للسفن. خلال الأيام الأخيرة انتقلت الأزمة إلى مستوى استراتيجي مختلف، بعدما عززت “أنصار الله” حضورها على الساحل الغربي اليمني وسيطرت على مواقع وجزر ذات قيمة عسكرية وجغرافية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فيما تصاعدت المواجهة مع السعودية واتسع نطاق استهداف المنشآت والطاقة.
وفي 15 أيلول، حذرت الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن من أن الوضع حول باب المندب أصبح شديد التقلب، وأن تقدم “أنصار الله” باتجاه المضيق بات يهدد أمن الملاحة، بالتوازي مع استمرار الاضطراب في مضيق هرمز. ورغم أن حركة السفن التجارية لم تكن قد توقفت بالكامل، فإن المخاطر والتكاليف ارتفعت بصورة واضحة.
وهنا تكمن خطورة «زلزال باب المندب»: ليس المطلوب إغلاق المضيق فعلياً حتى تبدأ آثاره. يكفي ارتفاع مستوى المخاطر والتأمين، وتغيير بعض المسارات، وارتفاع أجور الناقلات، لكي تنتقل الصدمة من مياه البحر الأحمر إلى الموانئ والأسواق والمصانع والمستهلكين حول العالم.
شريان التجارة
باب المندب هو الحلقة الجنوبية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. ولذلك فإن أي اضطراب مستمر فيه يهدد واحداً من أكثر المسارات حساسية في التجارة والطاقة العالمية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عدد السفن التي تتعرض لهجوم، بل في قرار شركات الملاحة بشأن المرور من الأساس.
فعندما تصبح الرحلة عبر البحر الأحمر أكثر خطورة، تستطيع السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. لكن هذا البديل ليس مجانياً. فهو يضيف أياماً إلى الرحلة، ويرفع استهلاك الوقود والتأمين، ويؤخر وصول الشحنات، ويحتاج إلى مزيد من السفن للحفاظ على القدرة نفسها للنقل.
وهكذا تتحول الجغرافيا إلى فاتورة اقتصادية.
جزر استراتيجية
المتغير الأهم عسكرياً لا يتعلق بالسفن وحدها، بل بالجغرافيا التي تحيط بالمضيق. فإن السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي اليمني، وعلى جزر ذات قيمة استراتيجية في البحر الأحمر، تمنح الطرف المسيطر عمقاً إضافياً للمراقبة والاستطلاع والضغط على الحركة البحرية.
وهنا تتغير المعادلة من قدرة على تنفيذ هجمات متفرقة إلى إمكانية بناء منظومة ضغط جغرافية على واحد من أهم الاختناقات البحرية في العالم.
فالمضيق نفسه ضيق، لكن المعركة عليه ليست معركة بضعة كيلومترات من المياه. إنها معركة على منظومة كاملة من الساحل والجزر والموانئ والاستطلاع والصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد السفن.
ومن يملك القدرة على رفع كلفة المرور لا يحتاج بالضرورة إلى إغلاق الممر بالكامل.
“اقتصاد الخوف”
التأمين هو أول الأسواق التي تستجيب للخطر. كلما ارتفع احتمال تعرض السفن أو أطقمها أو شحناتها للخطر، ارتفعت علاوة المخاطر. وعندما تترافق المخاطر في باب المندب مع أزمة هرمز، يصبح التسعير أكثر تعقيداً، لأن شركات النقل لا تواجه نقطة خطر واحدة، بل سلسلة مترابطة من الاختناقات.
والصدمة لا تتوقف عند التأمين. فارتفاع كلفة الناقلات والوقود، وطول الرحلات، والحاجة إلى إعادة توزيع السفن، كلها عوامل تضغط على أسعار السلع النهائية.
لكن المشهد الحالي يحمل مفارقة مهمة. بعض شركات الشحن الكبرى بدأت استعادة خدمات عبر قناة السويس، في مؤشر إلى أن مستوى المخاطر يسمح بعودة تدريجية إلى المسار الأقصر. إلا أن استمرار هذه العودة يبقى مرتبطاً باستقرار الوضع الأمني.
أي أن باب المندب لم يعد أمام خيارين فقط: مفتوح أو مغلق. هناك منطقة رمادية جديدة اسمها الملاحة المشروطة بالمخاطر.
عقدة هرمز
ومضيق هرمز وباب المندب ليسا نقطتين منفصلتين على الخريطة. الأول يمثل البوابة الأساسية لخروج كميات ضخمة من نفط الخليج، والثاني يمثل بوابة البحر الأحمر نحو قناة السويس والأسواق الأوروبية.
عندما تتعرض المنطقتان للضغط في الوقت نفسه، تتراجع مرونة منظومة الطاقة والنقل العالمية.
واذا البدائل موجودة لكنها ليست بلا حدود. يمكن تغيير مسارات السفن، واستخدام طرق برية أو أنابيب أو موانئ بديلة في بعض الحالات، لكن كل بديل يحتاج إلى وقت وقدرة استيعابية وتكلفة إضافية.
وهنا تظهر قاعدة أساسية في الجغرافيا الاقتصادية: البديل لا يلغي الأزمة، بل يغيّر شكل كلفتها.
السعودية تحت الضغط
ولا يمكن فصل أزمة باب المندب عن التحول العسكري داخل اليمن. فالتصعيد لم يبقَ محصوراً في الساحل. وشهدت الأيام الماضية ضربات متبادلة بين السعودية و”أنصار الله”، واستهدفت هجمات صاروخية ومسيّرات مناطق ومنشآت سعودية، بينما كثفت الرياض عملياتها العسكرية داخل اليمن.
وهذا يخلق معادلة استراتيجية شديدة الحساسية: السعودية تحتاج إلى حماية أراضيها ومنشآتها، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى إبقاء منافذ تصدير النفط مفتوحة.
لذلك يصبح باب المندب بالنسبة إلى الرياض جزءاً من أمن الطاقة الوطني، وليس مجرد ملف يمني.
واشنطن ومسقط
المفارقة السياسية أن التصعيد العسكري ترافق مع مسار اتصالات دبلوماسية. فالاتصالات الأميركية مع ممثلين لـ”أنصار الله” عبر سلطنة عُمان تكشف أن واشنطن لا تنظر إلى باب المندب باعتباره ملفاً عسكرياً فقط. إنه ملف مرتبط بالطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
وتبرز عُمان هنا كقناة اتصال قادرة على إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً حتى في ذروة التصعيد.
وهذا المسار، إذا نجح، لن يكون مجرد محاولة لحماية السفن، بل سعياً إلى فصل أمن الملاحة عن بقية ساحات الاشتباك، ومنع البحر الأحمر من التحول إلى جبهة مفتوحة طويلة الأمد.
مجلس الأمن
جلسة مجلس الأمن في 15 أيلول عكست حجم القلق الدولي. فالأمم المتحدة دعت إلى خفض التصعيد واستعادة حرية الملاحة، فيما شددت دول عدة على ضرورة حماية السفن التجارية والممر الدولي. وفي المقابل، ظهرت اختلافات في توصيف جذور الأزمة وآليات معالجتها.
والخلاف الدولي لا يتعلق فقط بمن يحمي السفن، بل بالسؤال الأعمق حول كيفية معالجة البيئة السياسية والعسكرية التي تنتج التهديد الأمني.
فتأمين السفن يستطيع خفض المخاطر، لكنه لا ينهي بالضرورة الصراع الذي ينتجها.
معادلة جديدة
التحول الأهم في باب المندب هو انتقاله من ممر ملاحي مهدد إلى ورقة نفوذ جيوسياسية. فالموقع يربط عدة ساحات في آن واحد: اليمن والسعودية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وقناة السويس والخليج وإيران والأسواق الأوروبية والآسيوية.
ومن هنا تتضاعف أهمية المضيق.
فالسيطرة العسكرية الكاملة ليست شرطاً لامتلاك النفوذ. يكفي امتلاك القدرة على تهديد الاستقرار الملاحي لكي ترتفع كلفة التأمين والشحن، وتتغير مسارات السفن، وتعيد شركات النفط توزيع شحناتها، وتبدأ الدول في البحث عن طرق بديلة. فهذه هي القوة الجيو-اقتصادية للمضائق.
شظايا الزلزال
الضرر الأكبر لا يظهر بالضرورة في يوم واحد. قد يبدأ بارتفاع تكلفة التأمين، ثم أجور الناقلات، ثم أسعار الوقود، ثم تكلفة الاستيراد، ثم أسعار المنتجات في الموانئ، قبل أن ينتقل إلى التضخم وسلاسل الإنتاج.
وفي الدول التي تعتمد بكثافة على الاستيراد، يمكن أن تكون الصدمة أشد من الدول القادرة على إنتاج الغذاء والطاقة محلياً.
ولهذا فإن استمرار التوتر في باب المندب لا يعني بالضرورة انهيار التجارة العالمية، لكنه يعني ارتفاع هامش عدم اليقين داخلها. وهذا وحده كافٍ لتغيير قرارات الشركات.
الرئة البحرية
كان الاعتقاد السائد أن الاقتصاد العالمي يستطيع دائماً الالتفاف حول أي نقطة اختناق. لكن أزمات السنوات الأخيرة أثبتت أن هذا الالتفاف له حدود.
قناة السويس ورأس الرجاء الصالح وباب المندب وهرمز ليست مجرد خطوط على الخريطة. إنها عقد مترابطة في منظومة واحدة للنقل والطاقة والغذاء.
وحين يتزامن الضغط على أكثر من عقدة، تنتقل الأزمة من مستوى محلي إلى مستوى عالمي.
لذلك فإن «زلزال باب المندب» لا يقاس فقط بعدد السفن التي تمر أو لا تمر اليوم، بل بمدى استمرار قدرة النظام العالمي على امتصاص الصدمات المتزامنة.
الممر لم يُغلق بالكامل، والتجارة لم تتوقف، وبعض شركات الشحن بدأت بالفعل استعادة خدمات عبر قناة السويس. لكن التصعيد العسكري حول المضيق، وتراجع الثقة الأمنية، وارتفاع كلفة الطاقة والتأمين، واستمرار اضطراب هرمز، كلها تجعل البحر الأحمر أمام مرحلة شديدة الحساسية.
وفي النهاية، فإن المعركة الحقيقية حول باب المندب تتجاوز السيطرة على شريط ساحلي أو جزيرة.
إنها معركة على من يملك القدرة على التأثير في شريان يصل آسيا بأوروبا، وعلى كلفة الطاقة التي تدفعها الأسواق، وعلى هامش الحركة الذي يبقى أمام القوى الدولية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
ولهذا، فإن استمرار التصعيد لن يبقى شأناً يمنياً طويلاً. كلما طال أمده، تحولت كلفة الحرب من الجغرافيا اليمنية إلى فاتورة دولية تتوزع على السفن والموانئ والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
موقع تقارير موقع تقارير
