مظلوم عبدي
مظلوم عبدي

سقوط «قسد»: نهاية الدولة الكردية وبداية تسوية الأقليات في «سوريا الجديدة»

سقوط «قسد»: نهاية الدولة الكردية وبداية تسوية الأقليات في «سوريا الجديدة»

علي ضاحي خاص takarir.net

لا يمكن اختزال إعلان مظلوم عبدي حلّ «قسد» والإدارة الذاتية ودمج مؤسساتهما العسكرية والمدنية في الدولة السورية، ثم تعيينه مستشاراً للرئيس أحمد الشرع، في تسوية عسكرية عابرة. ما جرى يمثل تحولاً استراتيجياً في شكل الدولة السورية وتوازنات الإقليم، بعدما انتهت عملياً تجربة الإدارة الكردية كسلطة عسكرية وإدارية مستقلة، وانتقل قائدها من قيادة قوة مدعومة أميركياً إلى موقع رسمي داخل مؤسسة الرئاسة.

المعادلة الجديدة تقوم على مقايضة واضحة: الأكراد يتخلون عن الجيش والإدارة المستقلة، ودمشق تستعيد السيادة على الأرض والمؤسسات، مقابل تثبيت حقوق قومية وثقافية وسياسية للأكراد داخل الدولة السورية.

تركيا المستفيد الأبرز

تركيا هي المستفيد الإقليمي الأبرز من هذا التحول، بعدما اعتبرت «قسد» امتداداً للبنية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني وتهديداً لأمنها القومي. فإلغاء القوة العسكرية والإدارة الذاتية على حدودها الجنوبية يحقق هدفاً استراتيجياً طالما سعت إليه أنقرة: منع قيام كيان كردي مسلح ومستقل، ولكن هذه المرة من دون حرب تركية واسعة، بل عبر إعادة إدماج المنطقة في الدولة السورية.

أما واشنطن، التي جعلت من «قسد» شريكها الأساسي في الحرب على «داعش»، فتبدو أمام انتقال من حماية قوة كردية مستقلة إلى التأثير من خلال ترتيبات سياسية وأمنية داخل الدولة السورية. وتعيين عبدي في موقع رسمي يعكس هذا التحول، إذ لم تختفِ القيادة الكردية من المشهد، وإنما انتقلت من خارج الدولة إلى داخلها.

ولا يقل دور العراق أهمية. فبغداد رحبت بدمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، لأن إنهاء الإدارة والقوة العسكرية المستقلة ينسجم مع مصلحتها في ضبط الحدود ومنع تشكل فضاء كردي مسلح متصل بين العراق وسوريا. وبذلك تتقاطع مصالح دمشق وأنقرة وبغداد في إعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.

أما إس.رائيل، فتتعامل مع التحول من زاوية أوسع تتصل بمستقبل الأقليات وشكل الدولة السورية الجديدة. فمع تراجع النموذج الكردي، يصبح تعامل دمشق مع الدروز والمسيحيين وسائر المكونات اختباراً لقدرتها على بناء دولة موحدة لا تقوم وحدتها على الإقصاء.

نموذج جديد لمعالجة ملف الأقليات

وهنا تكمن الدلالة الأهم: سقوط «قسد» قد يكون بداية نموذج جديد لمعالجة ملف الأقليات في سوريا.

النموذج المطروح لا يقوم على التقسيم أو الجيوش المحلية أو الإدارات ذات السيادة، بل على صيغة مختلفة: دولة واحدة مقابل حقوق سياسية وثقافية وقومية واضحة للمكونات. وقد رافقت التسوية خطوات تتعلق بالهوية واللغة الكردية، بما يشير إلى محاولة نقل حماية الخصوصيات من الكيانات المستقلة إلى مؤسسات الدولة.

إذا نجحت هذه الصيغة، فقد تصبح قاعدة لمعالجة بقية الملفات السورية، بحيث تحصل المكونات على ضمانات حقيقية داخل الدولة بدلاً من تحويلها إلى كيانات منفصلة تحظى بحماية خارجية.

لهذا فإن حل «قسد» لا يعني نهاية الدور الكردي في سوريا، بل نهاية الدولة الكردية الموازية، وانتقال النفوذ الكردي من الجغرافيا المستقلة إلى مؤسسات الدولة.

في المقابل، تستعيد دمشق قرارها العسكري والأمني، وتحقق تركيا هدفاً استراتيجياً على حدودها، وتدعم بغداد عودة الدولة السورية إلى حدودها، فيما تعيد واشنطن تموضع نفوذها، وتراقب إسرائيل كيف ستتعامل السلطة الجديدة مع بقية المكونات.

ما يجري، إذاً، يتجاوز «حل قسد». إنه إعادة تركيب لسوريا الجديدة على قاعدة: دولة واحدة، جيش واحد، حدود واحدة، وتعدد قومي وديني وثقافي داخل الدولة، لا خارجها.

ومن هنا تصبح الخطوة الكردية اختباراً مبكراً لمشروع الشرع كله: إذا نجحت دمشق في استبدال الإدارة الذاتية بشراكة وطنية حقيقية، فقد تكون قد وضعت أول نموذج قابل للتعميم لمعالجة مشكلة الأقليات وإعادة بناء سوريا بعد الحرب.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

محسن رضائي الأمين العام الجديد لمجلس الأمن القومي في إيران

الحسم الإيراني يُعزّز الموقف اللبناني: الجنوب على طاولة واشنطن وطهران!

الحسم الإيراني يُعزّز الموقف اللبناني: الجنوب على طاولة واشنطن وطهران! # علي ضاحي- خاص takarir.net …