الامام السيد موسى الصدر
الامام السيد موسى الصدر

الإمام الصدر مغيّب وحي…وليبيا الحالية شريكة في استمرار الجريمة!

الإمام الصدر مغيّب وحي…وليبيا الحالية شريكة في استمرار الجريمة!

علي ضاحي خاص takarir.net

في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر، تعود القضية إلى الواجهة وسط محاولات متكررة لإعادة صياغة مصيره، والانتقال به من خانة التغييب إلى خانة الوفاة، عبر روايات وشهادات وحلقات تلفزيونية تقدم مقتل الإمام وكأنه حقيقة نهائية لا تحتاج إلى إثبات.

غير أن القضية لم تُحسم بهذه الطريقة، وما زال الإمام الصدر، وفق الحقيقة التي لم تستطع أي جهة حتى اليوم أن تنقضها بدليل حسي قاطع، مغيّباً وحيّاً، وما يُقال عن مقتله لا يتجاوز حدود الرواية ما لم يرفق بجثمان مثبت الهوية، وفحص جيني موثوق ومستقل، وأدلة مادية وقضائية تحسم واقعة الوفاة وتحدد ظروفها ومكانها وتاريخها.
ومهما طال الزمان او قصر فإن المقبور معمر القذافي يتحمل مسؤولية التغييب، وتتحمل المسؤولية اليوم السلطات الليبية الحالية المسؤولية نفسها كاملة طالما انها تعرقل ظهور الحقيقة وكشف مصير الامام ومكان وجوده مع رفيقيه الشيخ محم يعقوب والصحافي عباس بدر الدين.

لقد سقطت الرواية الليبية التي تحدثت عن مغادرة الإمام الصدر ليبيا إلى روما، بعدما لم تثبت التحقيقات الإيطالية وصوله إلى إيطاليا، لكن سقوط هذه الرواية يثبت فقط أن ما قيل عن مغادرة الإمام لم يكن صحيحاً.

وهنا تحديداً يقع الخلط في بعض التغطيات الإعلامية، إذ يجري الانتقال من روايات عن جثمان عُثر عليه في ليبيا، أو تحليلات للصور والملامح، أو شهادات منسوبة إلى شخصيات كانت قريبة من النظام السابق، إلى نتيجة قطعية تقول إن الإمام الصدر قُتل، من دون تقديم إثبات مادي يرقى إلى مستوى الحسم الجنائي.

إن صورة الجثمان ليست جثماناً مثبت الهوية، وتحليل الملامح ليس فحص DNA، والشهادة مهما كانت أهميتها لا تتحول وحدها إلى دليل مادي، والبرنامج التلفزيوني مهما بلغت قيمة التحقيق الذي يقدمه لا يملك صلاحية إصدار حكم نهائي في قضية بهذا الحجم.

لذلك فإن ما يفعله بعض الإعلاميين، ومن بينهم مقدم عراقي يتحدث عن مقتل الإمام الصدر كأنه يعلن حقيقة ثابتة، لا يغير شيئاً من واقع القضية، لأن الثقة التي يتحدث بها المقدم لا تعوض غياب الدليل، وقوة السرد التلفزيوني لا تمنح الرواية قيمة قضائية ليست موجودة فيها.

الأخطر من ذلك أن تثبيت رواية المقتل من دون إثبات قاطع قد يؤدي إلى نتيجة سياسية تخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عملية إغلاق الملف، إذ يصبح من السهل القول إن الجريمة وقعت في عهد القذافي وانتهت بانتهاء نظامه، بينما الحقيقة أن سقوط القذافي لم يسقط مسؤولية الدولة الليبية عن كشف مصير الإمام الصدر ورفيقيه.

المسؤولية على ليبيا الحالية

وهنا تقع المسؤولية على ليبيا الحالية.

فالنظام تغير، لكن الدولة بقيت، والمؤسسات التي ورثتها السلطة الجديدة لم تختف، والأرشيفات لم تختف، والوثائق المتعلقة بمرحلة القذافي لم تختف، وبالتالي فإن السلطة الليبية الحالية لا تستطيع التعامل مع قضية الإمام الصدر باعتبارها جريمة ارتكبها نظام سابق وانتهت مسؤوليته بسقوطه.

إن استمرار عدم كشف الحقيقة، وعدم وضع كل الوثائق والمعلومات المتصلة بالقضية أمام الجهات القضائية اللبنانية، وعدم الوصول إلى دليل مادي يحسم مصير الإمام ورفيقيه، يجعل الدولة الليبية الحالية شريكة في استمرار الجريمة، حتى لو لم تكن هي التي ارتكبت جريمة التغييب الأصلية.

فالشراكة هنا ليست بالضرورة شراكة في قرار الاختطاف أو القتل، وإنما في استمرار حجب الحقيقة، وفي إبقاء مصير ثلاثة لبنانيين مجهولاً بعد ثمانية وأربعين عاماً من التغييب.

وهذا تحديداً ما يجعل القضية أكبر من معمر القذافي وحده.

القذافي مسؤول عن المرحلة التي وقعت فيها الجريمة، لكن السلطة التي جاءت بعده لا تستطيع أن ترث الدولة وتترك الملفات الحساسة مدفونة في أدراجها، ثم تطلب من الضحايا وذويهم أن يتعاملوا مع الجريمة باعتبارها صفحة من الماضي.

الدولة التي تريد أن تقدم نفسها باعتبارها مختلفة عن النظام السابق عليها أن تثبت اختلافها في الملفات التي تركها ذلك النظام، وأولها ملف الإمام موسى الصدر.

لا تستر على الجريمة

أما تحويل الإمام الصدر إلى «ميت» عبر رواية إعلامية غير محسومة، فهو لا يخدم الحقيقة، بل يخدم إغلاق القضية من دون معرفة المصير الحقيقي للإمام، ومن دون تحديد المسؤوليات التي بدأت بالجريمة واستمرت بالتستر عليها.

لهذا فإن التمسك بأن الإمام الصدر مغيّب وحي ليس تبنياً لرواية غيبية أو عاطفية، بل هو رفض لإعلان واقعة لم تثبت بدليل حسي قاطع، ورفض لتحويل الاحتمال إلى يقين، والشك إلى حقيقة، والتحقيق إلى برنامج تلفزيوني.

وفي المقابل، فإن رفض رواية القتل غير المثبتة لا يعني إطلاقاً إعفاء القذافي ونظامه من المسؤولية، بل يعني العكس: إبقاء القضية مفتوحة حتى تظهر الحقيقة كاملة، وتحديد كل من شارك في التغييب أو علم به أو تستر عليه، سواء كان من رجال النظام السابق أو من أي جهة جاءت بعده.

فالجريمة لا تسقط بتغير السلطة، ولا تموت الوثائق بموت الحاكم، ولا تنتهي مسؤولية الدولة بمجرد تغيير اسم النظام.

بعد 48 عاماً، ما يحتاجه لبنان ليس رواية جديدة عن الإمام الصدر، بل كشفاً كاملاً لمصيره، وما تحتاجه ليبيا ليس الدفاع عن ماضيها أو التنصل منه، بل فتح كل أبوابها أمام الحقيقة.

فمن غيّب الإمام الصدر غيّب الحقيقة معه، ومن يستمر في حجب الحقيقة يشارك في استمرار الجريمة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

ماذا تريد الولايات المتحدة من هذه الحرب وكيف تريد إنهاءها؟

المعركة الحقيقية في واشنطن: إخضاع إيران لإنهاء الحرب!

المعركة الحقيقية في واشنطن: إخضاع إيران لإنهاء الحرب! # علي ضاحي خاص takarir.net لم تعد …