قاليباف خلال لقائه وزير الخارجية القطري
قاليباف خلال لقائه وزير الخارجية القطري

الوساطة القطرية:..طهران توازن بين الدبلوماسية والزناد!

الوساطة القطرية:..طهران توازن بين الدبلوماسية والزناد!

علي ضاحي خاص takarir.net

في كل مرة يتحدث فيها محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني ورئيس الفريق المفاوض مع واشنطن، فإنه لا يخاطب الطرف الأميركي وحده، بل يخاطب معه شبكة معقدة من الوسطاء الإقليميين الذين باتوا جزءًا لا يتجزأ من معادلة ما بعد حرب الصيف الماضي. وتأكيد مكتبه لرئيس وزراء قطر أن واشنطن “تتخذ قرارات خاطئة بناءً على معلومات مضللة” ليس مجرد رسالة احتجاج عابرة، بل هو استمرار لخطاب إيراني ثابت منذ أشهر، يجمع بين لغة الاتهام العلني ولغة القنوات الخلفية الهادئة في آن واحد.

لماذا قطر تحديدًا؟

ليس من قبيل الصدفة أن تُوجَّه هذه الرسالة عبر الدوحة تحديدًا. فمنذ اندلاع المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، تحولت قطر إلى القناة الأكثر فاعلية بين الطرفين، وهو دور أكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نفسه حين وصف الوساطة القطرية-الباكستانية بأنها “فعالة”. فقاليباف زار الدوحة شخصيًا في أواخر أيار/مايو الماضي لبحث آلية الإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة لديها، والتقى رئيس الوزراء القطري مجددًا في سويسرا خلال جولة مفاوضات لاحقة. هذا التراكم من اللقاءات يجعل من طبيعيًا أن تُستخدم الدوحة كمنصة لإيصال رسائل التحذير الإيرانية إلى واشنطن، بلغة أكثر دبلوماسية من تلك التي تُستخدم في الخطاب العلني المباشر.

تهدئة معلنة وتصعيد محسوب

اللافت في المرحلة الأخيرة هو أن طهران تُدير خطابين متوازيين: الأول عبر القنوات الرسمية الهادئة مثل قطر، حيث يتم التأكيد على الاستعداد لطاولة دبلوماسية “قائمة على الاحترام المتبادل”؛ والثاني عبر تصريحات علنية أكثر حدة، بلغ فيها قاليباف حد وصف مسؤولين أميركيين بأوصاف ساخرة، وربط أي تقدم في ملف مضيق هرمز والأصول المجمدة بشروط مسبقة لا تقبل المساومة. هذه الازدواجية ليست تناقضًا، بل هي أسلوب تفاوضي مدروس: إبقاء الباب مفتوحًا أمام الوسيط القطري لتمرير رسائل التهدئة، مع عدم التنازل عن أوراق الضغط في الخطاب الداخلي والإعلامي الموجه للرأي العام الإيراني والإقليمي.

قطر قناة نقل رسائل؟

من المهم التمييز هنا بين نوعين من الأدوار: الوساطة بمعناها الكامل، التي تفترض اقتراح حلول والانخراط في صياغة تفاهمات، والدور الأضيق كقناة نقل وتهدئة. ما تقوم به الدوحة أقرب إلى النوع الثاني مع بعض ملامح النوع الأول: فهي لا تكتفي بنقل الرسائل، بل تسعى فعليًا لإيجاد آليات تنفيذية لملفات شائكة كالأصول المجمدة، وهو ما يفسر الزيارات المتكررة لقاليباف إلى الدوحة تحديدًا دون عواصم أخرى كانت قد لعبت أدوارًا مماثلة في اللحظات الأولى للتصعيد.

لكن حدود هذه الوساطة تبقى واضحة: قطر لا تملك أن تفرض تنازلات على أي من الطرفين، وتجربة الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية سابقًا، والتي أشار إليها مصدر إيراني مقرب من فريق التفاوض كسابقة يُحاذَر تكرارها، تكشف أن طهران تتعامل مع أي وساطة بحذر شديد، وتفضّل ضمانات تنفيذية واضحة على وعود عامة.

واخيراً تصريح قاليباف لرئيس وزراء قطر يندرج إذن ضمن استراتيجية إيرانية مزدوجة: استخدام الدوحة كقناة موثوقة لإيصال رسائل تحذير لواشنطن دون إغلاق باب التفاوض، مع الإبقاء على خطاب صدامي علني يخدم حسابات الداخل الإيراني ويحفظ أوراق الضغط في ملفات مضيق هرمز والأصول المجمدة والعقوبات. والوساطة القطرية بين إيران وأميركا حقيقة قائمة فعلًا منذ أشهر، لكنها وساطة محكومة بحذر الطرفين أكثر مما هي انفراجة استراتيجية حاسمة، في انتظار ما ستحمله الأسابيع المقبلة من مؤشرات على جدية التنفيذ من الجانبين.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

عراقجي خلال لقائه نظيره العماني البوسعيدي

تصعيد أميركي وإيراني كلامي…رفع سقوف قبل التسوية؟

تصعيد أميركي وإيراني كلامي…رفع سقوف قبل التسوية؟ # علي ضاحي- خاص takarir.net بينما تتحرك الوساطات …