قانون الاعلام خنق للصحافة وحريتها
قانون الاعلام خنق للصحافة وحريتها

إسقاطه بعصيان مدني حضاري: قانون الإعلام الجديد “يُعدم” حريات الصحافيين والمواقع الإلكترونية!

إسقاطه بعصيان مدني حضاري: قانون الإعلام الجديد “يُعدم” حريات الصحافيين والمواقع الإلكترونية!

علي ضاحي -خاص takarir.net

كان لبنان يحتاج إلى قانون إعلام جديد يواكب عصر الصحافة الرقمية، لكن القانون الذي أقرّه مجلس النواب يبدو، بصيغته الحالية، سيفاً مسلطاً على رقاب الصحافيين والمواقع الإلكترونية.

المشكلة ليست في تنظيم القطاع أو وضع قواعد للعمل الإعلامي، بل في تحويل بعض المخالفات الصحافية إلى جرائم يمكن أن تصل عقوبتها إلى السجن، بما يفتح الباب أمام الضغط السياسي والقضائي على الإعلام.

المادة الخطرة

العقدة الأساسية تكمن في المادة 104، التي أبقت عقوبة الحبس في بعض الحالات المتعلقة بنشر الأخبار الكاذبة أو المضللة. وهنا السؤال الجوهري: من يحدد أين ينتهي الخطأ الصحافي ويبدأ التضليل؟

الصحافي يعمل في ظروف تتسم بالسرعة، وخصوصاً في الحروب والأزمات الأمنية والسياسية. قد يعتمد على مصدر يثق به ثم يتبين أن المعلومة غير دقيقة. هذا خطأ مهني يمكن تصحيحه ومحاسبة مرتكبه، لكنه لا يجب أن يتحول تلقائياً إلى تهمة جنائية.

المواقع الإلكترونية

الخطر الأكبر يطال المواقع الإلكترونية، التي أصبحت جزءاً أساسياً من الإعلام اللبناني، لكنها تعمل في ظروف أصعب من المؤسسات التقليدية.

الموقع الصغير لا يملك إمكانات المؤسسات الكبرى لمواجهة الدعاوى والغرامات والملاحقات. وبالتالي فإن القانون قد يدفع بعض أصحاب المواقع إلى ممارسة الرقابة الذاتية خوفاً من الملاحقة، وقد يدفع آخرين إلى إغلاق مواقعهم بدلاً من تحمل المخاطر المالية والقضائية.

وهكذا لا تعود القضية مجرد مادة قانونية، بل تصبح مسألة تتعلق ببقاء الإعلام المستقل نفسه.

موقف النقابات

نقابتا الصحافة والمحررين لم تقفا مكتوفتَي الأيدي. فقد طالبتا رئيس الجمهورية بردّ القانون إلى مجلس النواب لإعادة النظر في مواده المجحفة، كما بدأتا جولة على القوى السياسية والحزبية لشرح اعتراضاتهما ومحاولة تأمين موقف نيابي وسياسي ضد الصيغة الحالية.

وهذه خطوات ضرورية، لكنها غير كافية وحدها لإسقاط القانون أو تعديله.

فالقانون أُقر في مجلس النواب، والقوى السياسية التي شاركت في إقراره لا يمكن أن تتحول فجأة إلى الطرف الوحيد القادر على إنقاذ الصحافة منه.

تمردٌ إعلامي

المطلوب اليوم أن ينتقل الجسم الإعلامي من الاعتراض إلى الفعل.

نحن أمام قانون يمس جوهر العمل الصحافي، وبالتالي فإن مواجهته لا يمكن أن تقتصر على بيانات النقابات والزيارات السياسية والاتصالات مع النواب.

المطلوب تمرد إعلامي مهني وسلمي وحضاري، يبدأ من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها، ومن الصحافيين والمحررين وأصحاب المواقع، ويتحول إلى موقف موحد يرفض تحويل الصحافة إلى مهنة خائفة.

عصيانٌ حضاري

العصيان هنا ليس دعوة إلى الفوضى أو العنف أو مخالفة القانون بالقوة، بل إلى عصيان مدني وإعلامي سلمي تستخدم فيه كل الوسائل الديمقراطية والقانونية: الاعتصامات، المؤتمرات الصحافية، الحملات الإعلامية، الوقفات أمام المؤسسات المعنية، التحركات النقابية، واللجوء إلى القضاء والمجلس الدستوري، وصولاً إلى جعل تعديل القانون قضية رأي عام.

فالصحافيون ليسوا مجرد أصحاب مصلحة في هذا القانون؛ المواطن أيضاً معني به، لأن تقييد الصحافة يعني تقييد حق المجتمع في المعرفة والمساءلة.

شارعٌ ومؤسسات

ولذلك يجب ألا تبقى المواجهة محصورة في نقابتي الصحافة والمحررين. يجب أن تصل إلى الشارع والمؤسسات الإعلامية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية، وأن تتحول إلى معركة دفاع عن حرية التعبير في لبنان.

وإذا كانت هناك قوانين أخرى مجحفة بحق الناس أو الصحافيين أو الموظفين أو أصحاب المهن، فإن المطلوب أيضاً بناء ثقافة احتجاج ديمقراطية ترفض تمرير القوانين الجائرة كأنها أمر واقع.

السلطة والصحافة

الصحافة ليست فوق القانون، لكنها لا يجب أن تكون الحلقة الأضعف في مواجهة السلطة.

يمكن محاسبة الصحافي على الخطأ، وإجباره على التصحيح، ومنح المتضرر حق الرد، وفرض التعويض المدني عند ثبوت الضرر. لكن السجن يجب ألا يتحول إلى أداة لمعاقبة الكلمة.

فالسلطة تملك الدولة وأجهزتها وإمكاناتها، بينما الصحافي لا يملك سوى قلمه ومصدره ومنبره.

معركة حرية

لذلك، فإن طلب النقابات من رئيس الجمهورية رد القانون، والجولة على القوى السياسية والحزبية، يجب أن تكون بداية المعركة لا نهايتها.

إذا أُعيد القانون إلى المجلس، يجب أن تكون هناك معركة تشريعية حقيقية لتعديل مواده. وإذا لم يُرد، فهناك القضاء والمجلس الدستوري والرأي العام والشارع والتحرك النقابي والإعلامي السلمي.

المطلوب ألا يعتاد الصحافي على السيف فوق رأسه، وألا تتحول القوانين المجحفة إلى أمر طبيعي في الحياة العامة.

حرية الصحافة لا تُمنح منّةً من السلطة، بل تُحمى عندما يعرف أهلها كيف يدافعون عنها.

ومن هنا، فإن المواجهة ليست مع قانون الإعلام وحده، بل مع ثقافة تمرير القوانين المجحفة ثم مطالبة الناس بالتكيف معها.

قانون الإعلام يجب أن يحمي الصحافي من التعسف، لا أن يجعل الصحافي يخشى السلطة.

وإذا كان القانون قد وضع سيفاً على رقاب الصحافيين والمواقع الإلكترونية، فإن الرد يجب أن يكون سلمياً، حضارياً، ديمقراطياً: تمرداً إعلامياً وعصياناً مدنياً ومؤسساتياً ضد كل نص ينتقص من حرية الصحافة وحق اللبنانيين في المعرفة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

الغاء عقوبة الاعدام يشجع القتلة على التمادي!

إلغاء الإعدام : من يحمي حق الضحية؟

إلغاء الإعدام: من يحمي حق الضحية؟ علي ضاحي- خاص takarir.net لم يعد إلغاء عقوبة الإعدام …