حادثة «فلاي دبي»..هل تتحول الطائرة إلى ذريعة اميركية لحرب جديدة على إيران بعد الإنتخابات؟
# علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد حادثة «فلاي دبي» مجرد واقعة أمنية وقعت داخل قمرة قيادة طائرة مدنية كانت في طريقها إلى تل أبيب، بعدما دخلت مباشرة في دائرة الصراع الأميركي ـ الإس.رائيلي مع إيران، وسط اتهامات بوجود صلة إيرانية بالحادث وتهديد أميركي برد عسكري إذا ثبت هذا الارتباط.
وبينما لا تزال التحقيقات تبحث في دوافع مساعد الطيار العُماني الذي هاجم قائد الطائرة، تحولت الحادثة إلى مادة سياسية وأمنية شديدة الحساسية. فالطائرة فقدت خلال الحادثة آلاف الأقدام من الارتفاع قبل أن يتمكن الطاقم والركاب من السيطرة على المهاجم والهبوط اضطرارياً في السعودية، ما فتح الباب أمام فرضية أن الأمر قد يكون أكثر من تصرف فردي. لكن الانتقال من هذه الفرضية إلى تحميل دولة مسؤولية العملية يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة.
ترامب يتهم
الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع مستوى القضية عندما تحدث عن احتمال وجود صلة بين مساعد الطيار وإيران، وقال إن ما يسمعه يشير إلى هذا الاتجاه، قبل أن يوجه تحذيراً شديد اللهجة إلى طهران مفاده أن الولايات المتحدة ستضربها «بشدة بالغة» إذا ثبت تورطها.
وهنا تتحول الحادثة من ملف تحقيق إلى عنصر محتمل في معادلة الردع الأميركية. فترامب لم يعلن أن إيران مسؤولة، لكنه ربط بوضوح بين إثبات المسؤولية وبين احتمال الرد العسكري.
وهذا الفارق مهم، لأن الاتهام السياسي لا يساوي حتى الآن إثباتاً استخبارياً معلناً، فيما لم تنشر واشنطن بصورة علنية الأدلة التي تستند إليها في الربط بين المهاجم وطهران.
إس.رائيل في الوسط
أما إسرائيل، فتتعامل مع الحادثة من زاوية مختلفة. فوجود الطائرة المتجهة إلى تل أبيب، وموقع الهجوم داخل قمرة القيادة، يجعلان فرضية العمل المتعمد موضع اهتمام أمني كبير.
لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يعلن بصورة قاطعة مسؤولية إيران، بل تحدث عن التحقيق في خلفية المهاجم ومن يقف وراءه، وعن احتمال وجود توجيه أو ارتباط خارجي.
وهذا الموقف الإس.رائيلي يترك مساحة بين الاشتباه بإيران وبين إثبات مسؤوليتها، في وقت تحاول فيه تل أبيب تحديد ما إذا كان الهجوم عملاً فردياً أم جزءاً من عملية أوسع.
طهران ترد
إيران، في المقابل، لم تتعامل مع الاتهامات باعتبارها مجرد مسألة تحقيق جنائي، بل دخلت سريعاً في معركة الرواية.
ففي مقابل الحديث الأميركي والإس.رائيلي عن احتمال الصلة الإيرانية، ظهرت في الإعلام الإيراني رواية مضادة تتحدث عن احتمال أن تكون الحادثة عملية «رواية كاذبة»، وأن يكون الهدف منها خلق ذريعة لتوجيه ضربة إلى إيران.
وتبقى هذه الرواية أيضاً في إطار الاتهام السياسي الذي لم تثبته التحقيقات المعلنة. لكن أهميتها تكمن في أنها تكشف مبكراً عن طبيعة المعركة التي بدأت حول الحادثة: كل طرف يحاول منع خصمه من امتلاك الرواية التي يمكن تحويلها لاحقاً إلى مبرر سياسي أو عسكري.
الطائرة كذريعة
هنا تحديداً تكمن خطورة حادثة «فلاي دبي». فلو ثبت وجود جهة خارجية خططت للعملية أو وجهتها، فإن طبيعة الملف ستتغير جذرياً، وستنتقل الواقعة من حادثة أمنية إلى عمل عدائي يمكن أن يدخل في حسابات الردع والانتقام.
أما إذا لم تظهر أدلة على وجود توجيه خارجي، فإن استخدام الحادثة كأساس لعمل عسكري ضد إيران سيبقى موضع جدل سياسي وقانوني.
ولهذا تبدو تصريحات ترامب أكثر أهمية من مجرد كونها تهديداً لفظياً. فهو وضع مسبقاً معياراً واضحاً للانتقال من الاتهام إلى الرد: إثبات تورط إيران.
توقيت حساس
يزداد وزن هذه التطورات بسبب توقيتها السياسي. فالحادثة تأتي في بيئة إقليمية شديدة التوتر، وفي ظل استمرار المواجهة بين إس.رائيل وإيران، بينما تقترب استحقاقات انتخابية يمكن أن تؤثر في الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن الربط بين حادثة «فلاي دبي» وحرب أميركية جديدة بعد الانتخابات يحتاج إلى التمييز بين احتمال سياسي وبين مسار مثبت. فالانتخابات لا تعني تلقائياً اتخاذ قرار بالحرب، كما أن أي تحرك عسكري أميركي يحتاج إلى حسابات أوسع تشمل المعلومات الاستخبارية، وموقف الحلفاء، وحماية القوات والمصالح الأميركية، والوضع الإقليمي، والخيارات الدبلوماسية.
ما الذي قد تفعله إيران؟
طهران ستكون أمام معادلة معقدة. فإذا نفت المسؤولية من دون الدخول في تصعيد مباشر، تستطيع التركيز على الطعن في الرواية الأميركية والإس.رائيلية والمطالبة بأدلة وتحقيق مستقل. وإذا ردت عسكرياً على التهديدات قبل ظهور أدلة حاسمة، فقد تتحول الخطوة نفسها إلى عنصر إضافي في التصعيد.
لذلك قد يكون المسار الإيراني الأول سياسياً وإعلامياً واستخبارياً، مع إبقاء الردع العسكري قائماً، بدلاً من الانتقال فوراً إلى مواجهة مفتوحة.
وستراقب طهران طبيعة المعلومات التي ستخرج من التحقيقات الإماراتية والسعودية والإسرائيلية والأميركية، لأن أي دليل موثق يمكن أن يغيّر الحسابات، سواء باتجاه التهدئة عبر إسقاط الاتهام أو باتجاه التصعيد إذا ثبت وجود توجيه خارجي.
الاختبار الحقيقي
المسألة الأساسية الآن ليست فقط معرفة من هاجم قائد الطائرة، بل معرفة هل كان المهاجم يتحرك منفرداً أم كان جزءاً من عملية موجهة؟
فإثبات الاعتداء لا يعني إثبات مسؤولية إيران، كما أن الاشتباه بوجود صلة إيرانية لا يكفي وحده لإثبات أن الدولة الإيرانية خططت للعملية أو أمرت بها.
ولهذا ستتجه الأنظار إلى الأدلة التي قد تظهر خلال التحقيقات: الاتصالات، التمويل، التحركات السابقة، العلاقات التنظيمية، وأي معلومات تثبت وجود توجيه أو تنسيق خارجي.
وبين اتهام أميركي وإس.رائيلي لإيران، ورواية إيرانية مضادة، وتهديد ترامب برد عسكري إذا ثبت التورط، تتحول «فلاي دبي» إلى أكثر من حادثة طيران.
فإذا ظهرت أدلة مباشرة، قد تصبح الطائرة حلقة جديدة في سلسلة التصعيد مع إيران. أما إذا بقيت المسؤولية في إطار الاتهامات والشكوك، فإن تحويل الحادثة إلى مبرر لحرب جديدة سيظل مرتبطاً بمعركة سياسية واستخبارية لم تُحسم بعد.
وفي الحالتين، فإن السؤال الذي ستجيب عنه التحقيقات ليس فقط من حاول السيطرة على الطائرة، بل من يمكن أن يستفيد من تحويل سقوطها المحتمل إلى شرارة لمواجهة أكبر؟
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
