100 مليون برميل نفط لا تكفي لإخراج هرمز من “قبضة الحرب”!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
دخلت أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب مع إيران مرحلة أكثر تعقيدًا بعدما انتقلت مجموعة السبع من محاولة احتواء صدمة الأسواق إلى استخدام الاحتياطات الاستراتيجية كأداة مباشرة لتخفيف نقص الإمدادات، فيما واصلت الولايات المتحدة تشديد الخناق المالي على طهران، وبقي مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة، بعدما ربطت إيران إعادة فتحه بتنفيذ شروط تفاوضية مع واشنطن، بالتزامن مع استمرار الحوادث التي تستهدف حركة السفن في الممر المائي الحيوي.
ولم يعد السؤال في أسواق الطاقة يقتصر على كمية النفط التي يمكن ضخها من المخزونات، بل بات مرتبطًا بقدرة المجتمع الدولي على إعادة تدفق النفط والمنتجات المكررة بصورة مستقرة، في وقت أظهرت فيه التطورات الأخيرة أن الاحتياطات تستطيع امتصاص جزء من الصدمة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة فتح طريق بحري تتحول حركته تدريجيًا إلى ورقة تفاوضية في الصراع الأميركي ـ الإيراني.
احتياطات قياسية
وأعلنت مجموعة السبع الاتفاق على إطلاق نحو 100 مليون برميل من النفط والديزل والاحتياطات النفطية الأخرى بصورة منسقة عبر وكالة الطاقة الدولية، وعلى مدى أربعة أشهر، مع دفع كمية كبيرة من الديزل إلى الأسواق خلال الأيام العشرين الأولى، في محاولة لتخفيف الضغوط التي أصابت سوق الوقود، ولا سيما سوق المنتجات المكررة.
لكن حجم التدخل الدولي يصبح أكثر دلالة عند وضع القرار الجديد في سياقه الكامل؛ فقد كانت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية قد تعهدت في آذار بإتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطات الطارئة، في أكبر عملية سحب جماعية في تاريخ الوكالة، وأعلنت الوكالة في 2 تشرين الأول أن نحو 325 مليون برميل من هذه الكمية أُطلق بالفعل، أي أكثر من 80 في المئة من التعهد الأصلي.
وهذا يعني أن السوق العالمية دخلت مرحلة استثنائية يجري فيها استخدام مخزونات الطوارئ على نطاق غير مسبوق، فيما تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن مخزونات النفط العالمية تتراجع بوتيرة قياسية، وأن استمرار الأزمة من دون عودة كاملة ومستقرة للتدفقات عبر هرمز سيزيد الضغط على المخزونات المتاحة.
ديزل مضغوط
وتكمن حساسية القرار في أن أزمة الطاقة لم تعد مرتبطة بالنفط الخام وحده. فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن تدفقات النفط الخام من الشرق الأوسط تحسنت بصورة ملحوظة، لكن تدفقات المنتجات المكررة بقيت مقيدة بشدة، وهو ما جعل أسواق الديزل أكثر تعرضًا للضغط، خصوصًا مع الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير الروسية نتيجة الهجمات الأوكرانية.
ومن هنا جاء التركيز على ضخ الديزل في المرحلة الأولى من خطة مجموعة السبع، لأن نقص المنتجات المكررة ينعكس بصورة مباشرة على النقل والصناعة والزراعة وتكاليف المعيشة، فيما يمكن لأي ارتفاع طويل الأمد في أسعارها أن يتحول إلى عامل تضخمي يتجاوز قطاع الطاقة نفسه.
وقد قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إن أسعار النفط بدأت بالانخفاض بعد الإعلان عن خطة الإفراج عن الاحتياطات، مشيرًا إلى تراجع يقارب خمسة دولارات في أعقاب الإعلان، بما عكس استجابة فورية من الأسواق للخطوة الدولية.
سعر مرتفع
غير أن انخفاض الأسعار لم يتحول إلى استقرار مستدام. فقد بقي سعر خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وأغلق أحدث تداول عند نحو 102.25 دولارًا، ما يشير إلى أن الإفراج عن الاحتياطات نجح في تخفيف جزء من علاوة المخاطر، لكنه لم يبدد أصل المشكلة المرتبطة باستمرارية الإمدادات وحركة السفن.
وهنا تظهر حدود قدرة المخزونات الاستراتيجية على معالجة الأزمة؛ فالاحتياطات تستطيع توفير براميل إضافية عندما ينخفض المعروض، لكنها لا تستطيع أن تحل بصورة دائمة محل الإنتاج أو النقل البحري إذا بقيت طرق التصدير معرضة للخطر.
وتزداد هذه المشكلة وضوحًا مع تأكيد وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات العالمية انخفضت بنحو 507 ملايين برميل مقارنة بمستواها عند بداية الحرب، بينما استُخدم أكثر من 300 مليون برميل من الاحتياطات الطارئة ضمن عملية آذار وحدها.
هرمز تفاوضيًا
وفي تطور يرفع أهمية المضيق من عامل جغرافي إلى ورقة سياسية مباشرة، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في 4 تشرين الأول أن مضيق هرمز لن يُعاد فتحه قبل تنفيذ سبعة شروط إيرانية مرتبطة بتفاهم سابق مع الولايات المتحدة.
وبحسب ما نقلته رويترز، جاء الموقف بعد تلقي طهران ردًا أميركيًا عبر وسطاء قطريين، فيما بقي الخلاف الأساسي مرتبطًا بترتيب تنفيذ الخطوات، بينما تؤكد إيران أن ملف هرمز يرتبط بالشروط التي طرحتها وليس فقط بالمفاوضات النووية.
ويمنح هذا التطور الأزمة بعدًا جديدًا، إذ لم تعد حرية الملاحة في المضيق قضية أمنية منفصلة عن المسار الدبلوماسي، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمفاوضات واشنطن وطهران، ما يجعل أي تقدم أو تراجع في المفاوضات قابلًا للانعكاس على حركة الطاقة وأسعارها.
حوادث بحرية
وفي الميدان البحري، لم تتوقف المخاطر. فقد أبلغت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن تعرض ناقلة لمقذوف مجهول أثناء إبحارها خارج مضيق هرمز، ما تسبب بحريق محدود وانقطاع التيار الكهربائي على متنها، فيما لم تُحسم رسميًا مسؤولية الجهة التي أطلقت المقذوف.
وتكتسب الحادثة أهمية إضافية لأنها تأتي في سياق سلسلة من الحوادث البحرية خلال الأيام الأخيرة، بينما تحاول الدول الغربية إعادة حركة السفن إلى مستويات أكثر انتظامًا، وتبقى شركات النقل والتأمين أمام مخاطر أمنية يصعب تسعيرها بصورة مستقرة.
وفي المقابل، تشير بيانات سوقية إلى تحسن كبير في بعض تدفقات النفط عبر المنطقة مقارنة بالمرحلة الأكثر اضطرابًا، لكن وكالة الطاقة الدولية لا تزال تعتبر إعادة فتح هرمز بصورة كاملة ومستقرة أمرًا أساسيًا لاستعادة التوازن في سوق الطاقة العالمية.
أوبك+ ثابتة
وجاء قرار أوبك+ في 4 تشرين الأول بالإبقاء على أهداف إنتاج النفط لشهر تشرين الثاني دون تغيير ليضيف عاملًا جديدًا إلى المعادلة.
ففي الظروف العادية كان يمكن للسوق أن تراهن على زيادة كبيرة في الإنتاج من الدول المنتجة لتعويض النقص، لكن اضطرابات الحرب أبقت عددًا من المنتجين الخليجيين دون مستويات إنتاجهم المستهدفة، فيما بلغ إنتاج أوبك+ في آب نحو 25 مليون برميل يوميًا، أي أقل بنحو خمسة ملايين برميل يوميًا من مستويات ما قبل الحرب وفق بيانات نقلتها رويترز.
كما أُرجئ تقييم الطاقة الإنتاجية لدول أوبك+، وهو تقييم مهم لتحديد حصص عام 2027، بسبب تداعيات الحرب واضطراب عمليات الإنتاج والتوسع في المنطقة.
وبذلك تجد الأسواق نفسها أمام معادلة مزدوجة: مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية تضخان من الاحتياطات، لكن المنتجين الرئيسيين لا يفتحون في المقابل صنبورًا إضافيًا كبيرًا، فيما يبقى الطريق البحري الأهم معرضًا للمخاطر السياسية والأمنية.
خنق مالي
وبالتوازي مع معركة الطاقة، توسع واشنطن حربها الاقتصادية على طهران. ففي الأول من تشرين الأول أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات واسعة ضد شبكة A7 المصرفية المرتبطة بروسيا، واتهمتها بأنها شبكة مصرفية ظلّية استُخدمت من جانب إيران للالتفاف على العقوبات وتحويل الأموال. وقالت الخزانة إن تحقيقات شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية أظهرت أن وكلاء مرتبطة بالشبكة عالجوا أكثر من 17 مليار دولار من التحويلات بين كانون الثاني 2025 وحزيران 2026.
كما أعلنت الخزانة في اليوم نفسه استهداف شبكات مرتبطة بالقطاعات الإيرانية للسكك الحديدية والسيارات والتصنيع والصلب، في إطار عملية «الخروج الاقتصادي» التي تقول واشنطن إنها تستهدف قدرة الحكومة الإيرانية على تمويل الحرب والأنشطة التي تعتبرها تهديدًا لمصالحها وحلفائها.
وهكذا لم يعد الضغط الأميركي على إيران محصورًا في النفط، بل اتسع ليشمل القنوات المالية والشبكات التجارية والصناعية التي يمكن أن تساعد طهران على الحفاظ على مواردها في ظل العقوبات والحرب.
معادلة مفتوحة
وتكشف هذه التطورات أن معركة الطاقة لم تعد معركة أرقام فقط. فمجموعة السبع تستطيع ضخ 100 مليون برميل إضافية، ووكالة الطاقة الدولية تستطيع استخدام جزء من المخزونات الطارئة التي تراكمت لعقود، كما تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تشديد العقوبات على شبكات التمويل، لكن كل ذلك لا يلغي العامل الأكثر حساسية: حرية حركة النفط والمنتجات المكررة عبر هرمز.
فالقرار الإيراني بربط إعادة فتح المضيق بتنفيذ شروط تفاوضية يمنح الأزمة بعدًا سياسيًا مباشرًا، بينما يوضح بقاء برنت فوق 100 دولار أن السوق لم تقتنع بعد بأن الخطر الأساسي أصبح خلفها. وفي المقابل، فإن استمرار تدفق جزء كبير من الإمدادات، إلى جانب الإفراج عن الاحتياطات، يمنع حتى الآن تحول الأزمة إلى نقص عالمي كامل في النفط.
ولهذا تبدو خطة مجموعة السبع أقرب إلى شراء الوقت منها إلى إنهاء أزمة الطاقة؛ فهي توفر للأسواق وسادة مؤقتة، وتمنح الحكومات والمستهلكين هامشًا لامتصاص الصدمة، لكنها تستهلك في الوقت نفسه جزءًا من مخزون الطوارئ الذي يفترض أن يكون خط الدفاع الأخير أمام أزمات مستقبلية.
وفي المحصلة، لم تعد المسألة ما إذا كانت مجموعة السبع قادرة على ضخ 100 مليون برميل، بل ما إذا كانت تستطيع بالتوازي مع الضغوط المالية والدبلوماسية إعادة حركة الطاقة عبر هرمز إلى وضع يمكن للأسواق الوثوق باستمراره. فطالما بقي المضيق مرتبطًا بشروط سياسية إيرانية وبحوادث بحرية متكررة، سيبقى النفط يحمل علاوة مخاطر مرتفعة، وستظل كل براميل الاحتياطي التي تضخها الدول الكبرى تعمل على تخفيف أعراض الأزمة أكثر مما تعالج مصدرها.
وفي هذه المرحلة، تبدو معركة الطاقة مفتوحة على ثلاثة مسارات متزامنة: احتياطات دولية تُستنزف، وإنتاج عالمي لا يستطيع تعويض الصدمة سريعًا، ومضيق استراتيجي تحوّل إلى إحدى أوراق التفاوض الأساسية بين واشنطن وطهران.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
