قاعدة فيرفورد
قاعدة فيرفورد

من فيرفورد إلى «فلاي دبي» والحوثيين..محاولات لـ”شيطنة” إيران وتشويه صورتها عالمياً!

من فيرفورد إلى «فلاي دبي» والحوثيين.. محاولات لـ”شيطنة” إيران وتشويه صورتها عالمياً!

# علي ضاحي – خاص takarir.net

لا تبدو الحرب الدائرة مع إيران محصورة بالصواريخ والطائرات والبحر والممرات النفطية، إذ تتشكل بالتوازي مع العمليات العسكرية معركة أخرى لا تقل أهمية، عنوانها الصورة التي يراد تثبيتها عن إيران أمام الرأي العام الدولي، وفي هذا السياق برز خلال أيام قليلة اسم طهران في ثلاثة ملفات متباعدة جغرافياً وسياسياً: حادث أمني قرب قاعدة فيرفورد البريطانية التي تستخدمها الولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران، وحادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة إلى إسرائيل، ثم التصعيد مع الحوثيين في اليمن.

القاسم المشترك بين هذه الملفات ليس ثبوت المسؤولية الإيرانية، بل سرعة إدخال إيران إلى دائرة الاتهام، وفي بعض الحالات قبل اكتمال التحقيقات، بما يوحي بأن الحرب العسكرية تترافق مع حرب إعلامية وسياسية تهدف إلى تثبيت صورة إيران باعتبارها مصدراً دائماً للتهديد وعدم الاستقرار، بحيث يتحول اسمها تدريجياً إلى إجابة جاهزة عن كل حادث أمني يقع في المنطقة أو حتى خارجها.

فيرفورد أولاً

قصة فيرفورد تكشف هذه المعضلة بوضوح، فقد اعتقلت الشرطة البريطانية في أواخر أيلول خمسة رجال بعد الاشتباه بمركبات قرب قاعدة سلاح الجو الملكي في فيرفورد، قبل أن تطلق سراحهم بكفالة، فيما قالت السلطات إن كمية من البنزين عُثر عليها، لكنها لم تعثر على عبوات ناسفة.

وبعد أيام، اعتقلت الشرطة رجلاً بريطانياً إيرانياً يبلغ 25 عاماً، قبل أن تطلق سراحه أيضاً بكفالة، مع استمرار التحقيقات، فيما أكدت السلطات البريطانية أنها تبحث في جميع الاحتمالات، بما فيها احتمال وجود صلة بدولة أجنبية.

ورغم ذلك، دخلت إيران سريعاً إلى الخطاب السياسي، مع حديث بريطاني عن مؤشرات على دور إيراني، فيما نفت طهران الاتهامات ورفضتها بشدة، معتبرة أن ربطها بالحادث يفتقر إلى الدليل.

والنقطة الأهم هنا أن أياً من الموقوفين لم تتم إدانته، وأن السلطات البريطانية لم تعلن حتى الآن دليلاً علنياً يثبت أن الدولة الإيرانية أمرت أو وجهت العملية. وهذا يجعل المسؤولية الإيرانية احتمالاً قيد التحقيق، لا حقيقة مكتملة يمكن التعامل معها كحكم نهائي.

فلاي دبي

بعد فيرفورد، انتقل اسم إيران إلى حادثة «فلاي دبي» التي هزت الأجواء الإقليمية، عندما تعرض قائد الطائرة لاعتداء داخل قمرة القيادة من مساعد الطيار، واضطرت الطائرة إلى تغيير مسارها والهبوط في السعودية.

الحادثة بحد ذاتها خطيرة، لكن الأخطر سياسياً كان دخول إيران سريعاً إلى دائرة الاتهام، رغم أن التحقيق الإماراتي كان لا يزال مفتوحاً لتحديد الدافع والظروف وما إذا كان الأمر مرتبطاً بعمل إرهابي أو تخطيط مسبق أو توجيه خارجي.

واللافت أن بنيامين نتنياهو نفسه قال في البداية إن الوقت مبكر لتحديد ما إذا كانت إيران تقف وراء الحادث، بينما ذهب دونالد ترامب لاحقاً إلى الإيحاء بوجود صلة إيرانية «بحسب ما يسمع»، من دون تقديم تفاصيل علنية تثبت ذلك.

هنا تتكرر المعادلة نفسها: حادث لم تُحسم دوافعه بعد، لكن اسم إيران يصبح حاضراً في الرواية السياسية قبل اكتمال التحقيق.

الاتهام المبكر

في زمن الحرب، لا يحتاج الاتهام دائماً إلى حكم قضائي حتى يؤدي وظيفته، إذ يكفي أن تتكرر عبارة «إيران وراء الحادث» حتى تتحول من احتمال إلى انطباع، ومن انطباع إلى قناعة لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

وعندما تظهر نتيجة التحقيق لاحقاً، يكون الانطباع الأول قد ترسخ، فيما تصبح عملية تصحيحه أكثر صعوبة.

وهنا تتحول حرب المعلومات إلى سلاح حقيقي، لأن الهدف لا يكون دائماً إثبات أن إيران تقف خلف كل حادث، بل تثبيت رابط ذهني دائم بين اسمها وبين الإرهاب والتخريب والتهديد والهجمات، بحيث تصبح طهران المتهم الافتراضي قبل أن تظهر الأدلة.

الحوثيون في المشهد

في اليمن تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لأن العلاقة بين إيران والحوثيين معروفة سياسياً وعسكرياً، لكن وجود الدعم أو التحالف لا يعني تلقائياً أن طهران أصدرت أمراً بكل عملية تنفذها الجماعة.

وخلال الأيام الماضية، اتهم التحالف الذي تقوده السعودية الحوثيين باستهداف محطة كهرباء في المدينة المنورة، فيما نفت الجماعة الاتهام، في وقت تستمر فيه الاتهامات المتبادلة بشأن عمليات أخرى في السعودية واليمن والمنطقة.

وفي المقابل، تؤكد إيران بصورة متكررة أن الحوثيين يتخذون قراراتهم بأنفسهم، بينما تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها تقديم الجماعة باعتبارها جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني.

المشكلة هنا ليست في إثبات وجود علاقة بين الطرفين، بل في الانتقال من وجود العلاقة إلى تحميل إيران تلقائياً مسؤولية كل عملية، من دون تقديم الدليل الخاص بكل حادثة.

“شيطنة” إيران

عندما توضع فيرفورد و«فلاي دبي» والحوثيون في سياق واحد، يظهر بوضوح أن الحرب على إيران تتجاوز ساحات القتال إلى معركة على صورتها أمام العالم.

قاعدة عسكرية في بريطانيا؟ يظهر اسم إيران. طائرة مدنية متجهة إلى إسرائيل؟ يظهر اسم إيران. هجوم حوثي في المنطقة؟ يعود اسم إيران إلى الواجهة.

وبذلك يمكن أن تتحول سلسلة من الحوادث المتفرقة إلى رواية واحدة متماسكة سياسياً، عنوانها أن إيران تقف خلف شبكة واسعة من التهديدات، حتى عندما تكون التحقيقات في بعض تلك الحوادث لم تنته بعد.

وهذه هي جوهر عملية الشيطنة: ليس بالضرورة اختلاق كل الوقائع، بل جمع الوقائع والاتهامات والشكوك في إطار واحد يجعل إيران تبدو وكأنها المصدر التلقائي لكل اضطراب.

بين النفوذ والسيطرة

لا يمكن إنكار النفوذ الإيراني الإقليمي، ولا علاقات طهران مع الحوثيين وقوى أخرى، كما لا يمكن تجاهل تاريخ إيران في بناء شبكات نفوذ خارج حدودها، لكن الاعتراف بذلك لا يسمح بتحويل النفوذ إلى دليل تلقائي على إصدار الأوامر.

فالصحافة الجادة تميز بين الدعم والتوجيه، وبين التحالف والسيطرة، وبين الاحتمال والدليل، وبين الاتهام والحكم.

ومن هنا، فإن تحميل إيران مسؤولية حادثة محددة يحتاج إلى أدلة تخص تلك الحادثة، وليس إلى الاستناد فقط إلى طبيعة علاقاتها الإقليمية.

معركة الصورة

ما يجري يبدو إذاً جزءاً من حرب أوسع على صورة إيران، خصوصاً في ظل الحرب العسكرية والعقوبات والضغوط الاقتصادية والصراع على مضيق هرمز ومصادر الطاقة.

الدولة التي يتم تقديمها أمام العالم باعتبارها مصدر التهديد الدائم تصبح أكثر قابلية للعزل والعقوبات، وأكثر صعوبة في الدفاع عن روايتها، وأكثر عرضة لتبرير الضربات والإجراءات التي تستهدفها.

ولهذا فإن المعركة على الصورة ليست هامشية، بل جزء من المعركة نفسها.

فمن ينجح في إقناع العالم بأن إيران هي مصدر كل خطر، يقطع عليها مساحة واسعة من التعاطف السياسي، ويجعل أي تحرك ضدها يبدو وكأنه رد طبيعي على سلوكها.

من هرمز إلى أوروبا

وبينما تشتد المعركة العسكرية حول إيران ومضيق هرمز، وتتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها سياسياً واقتصادياً لاحتواء تداعيات الحرب، تتوسع في الوقت نفسه مساحة المعركة الإعلامية.

من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن إسرائيل إلى بريطانيا، تتكرر محاولة ربط الأحداث بإيران، حتى يصبح المشهد الإقليمي بأكمله قابلاً للقراءة من زاوية واحدة.

لكن المشكلة في هذه المقاربة أنها قد تنقلب على أصحابها إذا ظهرت التحقيقات لاحقاً من دون الأدلة التي بنيت عليها الاتهامات الأولى، لأن المبالغة في الاتهام تضعف صدقية الرواية نفسها عندما تتكرر الحالات التي لا تستطيع إثباتها.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

عباس عراقجي

شدّ حبال بين أميركا وإيران..”رقص” دبلوماسي على “حافة الهاوية” العسكرية!

شدّ حبال بين أميركا وإيران..”رقص” دبلوماسي على “حافة الهاوية” العسكرية! # علي ضاحي – خاص …