العفو العام «الطائفي» في لبنان…العدالة المنقوصة ليست عدالة!

العفو العام «الطائفي» في لبنان…العدالة المنقوصة ليست عدالة!

علي ضاحي خاص takarir.net

لم يكن ما جرى في مجلس النواب مجرد نقاش تشريعي حول قانون للعفو العام. فالانطباع الذي تركته طريقة إقرار القانون أن التفاهم السياسي على جوهر الصفقة حصل خارج المجلس، قبل أن يأتي البرلمان لتظهيره وإخراجه في صيغة قانونية.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: عندما تتفق القوى السياسية على توزيع الملفات والمستفيدين قبل أن تبدأ مناقشة المعايير القانونية، يصبح المجلس النيابي أقرب إلى منصة لإضفاء الصفة التشريعية على تسوية سياسية جاهزة.

عفو طائفي

الملفات التي حضرت في النقاش لا تنتمي إلى سياق واحد. هناك الموقوفون والمحكومون في القضايا الإسلامية، وملفات أحداث عبرا وأحمد الأسير، وهناك ملف الفارين أو الذين انتقلوا إلى إس.رائيل، إضافة إلى ملفات المخدرات والتعاطي وبعض أشكال الترويج.

هذه الملفات مختلفة في طبيعتها وخلفياتها وخطورتها، لكن جمعها تحت سقف عفو واحد يعطي الانطباع بأن كل طرف سياسي دخل إلى التفاوض حاملاً ملفه، وأن الصيغة النهائية جاءت نتيجة موازين القوى أكثر مما جاءت نتيجة معيار جزائي موحد.

عقدة الأسير

يبقى ملف أحمد الأسير والموقوفين المرتبطين بأحداث عبرا الأكثر حساسية. فهناك من يطالب بإعادة النظر في ملفاتهم باعتبار أن بعض الموقوفين طال توقيفهم أو تعرضوا للظلم، في مقابل عائلات شهداء الجيش التي ترى أن أي عفو عمن تثبت مسؤوليته عن قتل العسكريين يمسّ جوهر العدالة.

وهنا لا يجوز أن يكون الانتماء الطائفي أو السياسي معياراً. من ظلم فليُنصف، ومن ثبتت إدانته فليتحمل مسؤولية جريمته، والقضاء هو الذي يحدد الفرق بين الاثنين.

ملف إس.رائيل

وفي الجهة الأخرى، يدخل ملف اللبنانيين الذين فروا إلى إس.رائيل، او ما ما يعرف “بجماعة لحد”، وهو ملف يحمل أثقال الحرب والاحتلال. إدخاله في العفو العام يعيد فتح سؤال قديم: هل يمكن معالجة ملفات بهذه الحساسية ضمن صفقة عفو واحدة، أم أن لكل ملف طبيعته ومسؤوليته وحساباته الوطنية؟

معيار غائب

هنا تظهر الثغرة الأكبر في القانون: أين المعيار الواحد؟

الموقوف الذي لم يحاكم ليس بالضرورة مثل المحكوم الذي ثبتت إدانته، ومرتكب جنحة بسيطة لا يستوي مع من ارتبط اسمه بجريمة أمنية خطيرة.

إذا كانت المشكلة هي التوقيف الطويل، فالحل تسريع المحاكمات. وإذا كان هناك ظلم، فالحل مراجعة الأحكام. وإذا كان هناك اكتظاظ، فالحل إصلاح السجون والقوانين. أما جمع هذه الملفات كلها تحت عفو عام، فيعني معالجة أعراض الأزمة لا جذورها.

ردع متراجع

ويأتي ذلك في وقت أُلغيت فيه عقوبة الإعدام، وحُولت الأحكام السابقة إلى عقوبات سجنية وفق القانون الجديد، مع تخفيضات أخرى للعقوبات.

أنا ضد إلغاء عقوبة الإعدام، لكنني أيضاً ضد استخدامها عشوائياً أو سياسياً. وفي المقابل، فإن تخفيف العقوبات والعفو العام في توقيت واحد يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تتراجع الدولة عن أدوات الردع قبل أن تعزز أدوات العدالة؟

الضحية الغائبة

في كل هذه الصفقة، يبقى الطرف الأضعف هو الضحية.

عائلات فقدت أبناءها، وعائلات عسكريين تنتظر العدالة، وضحايا جرائم لا يملكون كتلاً سياسية للتفاوض باسمهم.

القانون لا يجب أن ينظر إلى السجين وحده. فالعدالة تبدأ أيضاً من حق الضحية في الحقيقة والإنصاف، ومن حق المجتمع في ألا تتحول الجرائم الخطيرة إلى أوراق على طاولة المساومات.

“محاصصة قانونية”

إذا كانت القوى السياسية قد تفاهمت خارج المجلس على الملفات، ثم دخل النواب إلى القاعة لتظهير هذا التفاهم في قانون، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن أمام عفو عام أم أمام محاصصة سياسية جرى تحويلها إلى نص قانوني؟

لبنان لا يحتاج عفواً سنياً أو شيعياً أو مسيحياً. يحتاج إلى قانون واحد، ومعايير واحدة، وقضاء واحد.

فإذا استفاد شخص من العفو، فليكن ذلك لأن شروط القانون تنطبق عليه، لا لأنه ينتمي إلى بيئة سياسية أو طائفية تملك القدرة على انتزاع موقع لها في الصفقة.

العدالة المنقوصة

العفو يمكن أن يكون عدالة عندما ينصف مظلوماً أو يعالج خللاً قضائياً. لكنه يصبح ظلماً عندما يُستخدم لإغلاق ملفات لأن أصحابها يمتلكون قوة سياسية.

العفو العام الذي يبدأ بتفاهمات خارج المجلس وينتهي بتظهيرها داخله، لا يكفي أن يكون قانونياً في شكله؛ المطلوب أن يكون عادلاً في جوهره.

لأن العدالة المنقوصة ليست عدالة، والقانون الذي يُفصّل وفق موازين القوى لا يبني دولة القانون، بل يعيد إنتاج الطائفية داخل النصوص.

العفو يجب أن يكون استثناءً تفرضه العدالة، لا صفقة تفرضها السياسة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

عراقجي ومنير لـ"دوزنة" الوساطة

معلومات عن وساطة باكستانية جديدة بين طهران وواشنطن

معلومات عن وساطة باكستانية جديدة بين طهران وواشنطن # علي ضاحي خاص takarir.net لقاء وزير …