الغاء عقوبة الاعدام يشجع القتلة على التمادي!
الغاء عقوبة الاعدام يشجع القتلة على التمادي!

إلغاء الإعدام : من يحمي حق الضحية؟

إلغاء الإعدام: من يحمي حق الضحية؟

علي ضاحي- خاص takarir.net

لم يعد إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان مجرد اقتراح أو نقاش تشريعي. فبعد إقرار مجلس النواب القانون في 11 آب 2026، وتوقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون عليه ودخوله حيّز التنفيذ بعد نشره، أصبحت عقوبة الإعدام ملغاة من المنظومة التشريعية اللبنانية، واستُبدلت بالعقوبات البديلة التي نص عليها القانون. كما شمل الإلغاء الأحكام السابقة بالإعدام التي لم تكن قد نُفذت.

بالنسبة إليّ، ليست هذه الخطوة «تاريخية» تستحق الاحتفال لمجرد أنها ألغت أقصى العقوبات. فالمسألة أكثر تعقيداً من شعار حقوقي يقول إن الدولة الحديثة لا تقتل. هناك في المقابل حق المجتمع في الحماية، وحق الضحية في العدالة، وقدرة الدولة على ردع الجرائم الأكثر خطورة.

قد يكون النقاش حول عقوبة الإعدام مشروعاً ومفتوحاً، لكن إلغاءها نهائياً يطرح سؤالاً أساسياً: ماذا يبقى من أقصى درجات العقوبة عندما يرتكب شخص جريمة تهز المجتمع، ويكون الخطر الذي يمثله على الآخرين بالغاً؟

أنا ضد استخدام الإعدام بصورة عشوائية أو سياسية، وضد أن تتحول العقوبة إلى وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات. لكنني في المقابل لا أرى أن إلغاءها بصورة مطلقة هو بالضرورة انتصار للعدالة. هناك جرائم استثنائية ومرتكبون ارتكبوا أفعالاً بالغة الخطورة، وقد يرى المجتمع أن العقوبة يجب أن توازي حجم الجريمة.

والمفارقة أن إلغاء الإعدام يأتي في لحظة يُطرح فيها أيضاً قانون العفو العام، ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن أمام تشديد لمنظومة العدالة أم أمام تراجع متزامن في أدوات العقاب والردع؟

العفو العام يمكن أن يكون ضرورة في بعض الحالات، خصوصاً عندما تكون السجون مكتظة والمحاكمات بطيئة والملفات متراكمة. لكنه يصبح خطيراً عندما يتحول إلى قاعدة سياسية متكررة، أو عندما يشعر المواطن بأن الجريمة يمكن أن تنتهي بتسوية، وأن العقوبة ليست حكماً قانونياً نهائياً بل ورقة تفاوض بين القوى السياسية.

وهنا تحديداً يجب أن يكون السؤال: أين حق الضحية؟

فالقاتل ليس وحده طرفاً في المعادلة. هناك عائلة فقدت أباً أو أماً أو ابناً، وهناك ضحايا اعتداءات وجرائم تركت آثاراً لا تمحوها سنوات السجن ولا قوانين العفو.

الدولة التي ألغت الإعدام مطالبة، في المقابل، بتقديم ضمانات أقوى: قضاء سريع ومستقل، أحكام لا تتعطل، سجون قادرة على احتجاز أخطر المجرمين، وعقوبات حقيقية لا تسمح بتحويل السجن إلى محطة مؤقتة.

أما أن تُلغى أقصى العقوبات، ويُفتح في الوقت نفسه باب العفو العام، من دون إصلاح جذري للقضاء والسجون، فهذا قد يبعث برسالة خاطئة إلى المجتمع: أن الدولة تتراجع عن أدوات الردع قبل أن تبني أدوات العدالة.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من التسويات التي تنتجها اللحظة السياسية. يحتاج إلى قانون واحد يسري على الجميع، وإلى قضاء لا يخضع للطوائف والأحزاب، وإلى عدالة لا تتأثر باسم المجرم أو موقعه أو انتمائه.

أنا ضد إلغاء عقوبة الإعدام، لكنني في الوقت نفسه ضد استخدامها بلا ضوابط. وبين الموقفين مساحة يمكن أن تلتقي فيها العدالة والإنسانية: إذا كان القانون قد ألغى الإعدام، فعليه أن يضمن أن تكون العقوبة البديلة صارمة ومتناسبة مع الجرائم الأشد خطورة، وأن لا يتحول العفو العام إلى عفو عن الجريمة أو عن حق الضحية.

فالدولة القوية ليست التي تقتل أكثر، كما أنها ليست التي تعفو أكثر.

الدولة القوية هي التي تجعل الجريمة استثناءً، والعقوبة يقيناً، والعدالة حقاً للضحية قبل أن تكون امتيازاً للجاني.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

دونالد ترامب

ترامب يصعّد سياسياً ضد إيران: وقف التفاوض وتشديد الخنق الاقتصادي والبحري

ترامب يصعّد سياسياً ضد إيران: وقف التفاوض وتشديد الخنق الاقتصادي والبحري # علي ضاحي خاص …