ازمة محروقات مفتعلة في الجنوب
ازمة محروقات مفتعلة في الجنوب

عندما يتحول النقص إلى حصار: محروقات الجنوب…أزمة بواخر أم عقابٌ مقصود؟

عندما يتحول النقص إلى حصار: محروقات الجنوب…أزمة بواخر أم عقابٌ مقصود؟

علي ضاحي خاص takarir.net

أزمة المحروقات في الجنوب ومنذ اكثر من شهر لم تعد مجرد طوابير أمام المحطات أو شحًّا عابرًا في البنزين والمازوت. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام أزمة إمداد حقيقية، أم أمام أزمة يجري تضخيمها وافتعالها، بحيث يدفع الجنوب ثمنًا إضافيًا في مرحلة شديدة الحساسية؟

للوهلة الأولى، تبدو الرواية الأكثر مباشرة هي رواية نقص الإمدادات. وفي اتصال خاص أجريته أمس مع ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا، أوضح أن المشكلة ترتبط بتأخر البواخر، وأن شحنات جديدة يفترض أن تصل خلال أيام. وهذه الرواية تفسر جزءًا من الأزمة، خصوصًا إذا كانت الكميات الواصلة إلى السوق أقل من معدلات الاستهلاك المعتادة.

لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: لماذا يبدو أثر الأزمة أكثر قسوة في الجنوب؟

فتأخر البواخر، إذا كان هو السبب الوحيد، يفترض أن يؤدي إلى شحّ متقارب في مختلف المناطق اللبنانية، لا إلى تفاوت كبير في توافر المادة بين منطقة وأخرى. وهنا تبدأ علامات الاستفهام.

هناك رواية ثانية تتحدث عن ارتفاع الطلب والتهافت على المحطات. وهذه فرضية منطقية؛ فعندما تنتشر أخبار عن نقص البنزين، يسارع المواطنون إلى تعبئة سياراتهم، فتتراجع المخزونات بسرعة أكبر وتتحول أزمة محدودة إلى أزمة أوسع.

وهناك أيضًا احتمال الاحتكار والتخزين. ففي حالات الشح، يصبح التحكم بالكميات أداة لتحقيق أرباح أكبر أو فرض شروط معينة، خصوصًا عندما تكون السوق غير قادرة على معرفة الحجم الحقيقي للمخزون لدى الشركات والمحطات.

لكن بالنسبة إلى الجنوب، ثمة عامل إضافي لا يمكن تجاهله: الظرف الأمني والسياسي.

فالجنوب ليس منطقة عادية في هذه المرحلة. وهو يعيش تحت عدوان اسرائيلي مستمر وضغط أمني واقتصادي واجتماعي متواصل، وأي نقص في المحروقات ينعكس مباشرة على حركة الناس، والمولدات، والنقل، والمزارعين، والمؤسسات، وعلى قدرة الأهالي على الوصول إلى أعمالهم وخدماتهم.

من هنا، تصبح فرضية أن ما يجري مجرد أزمة تقنية أقل إقناعًا إذا استمر النقص بصورة مركزة في الجنوب حتى بعد وصول البواخر.

وهنا أصل إلى تقديري الشخصي: المؤشرات تثير شبهة أزمة مفتعلة أو على الأقل استغلالًا متعمدًا لنقص الإمدادات، بما يحوّل مشكلة البواخر إلى أداة ضغط على الجنوب.

لا يعني ذلك أن تأخر البواخر غير حقيقي. على العكس، قد يكون التأخير هو الشرارة الأولى للأزمة. لكن السؤال هو ماذا يحدث بعد ذلك؟ من يحتفظ بالكميات؟ كيف توزع؟ وهل تحصل محطات الجنوب على حصتها الطبيعية أم يجري تقليصها بصورة غير معلنة؟

إذا عادت المحروقات إلى الجنوب بصورة طبيعية، تكون أزمة البواخر تفسيرًا قويًا. أما إذا وصلت الشحنات وبقي النقص مستمرًا ومركزًا في الجنوب، فسيصبح من الصعب تفسير المشهد كله بعامل لوجستي.

عندها ستتقدم فرضية الاحتكار والتوزيع الانتقائي، وربما فرضية العقاب الاقتصادي غير المعلن.

ولهذا فإن المطلوب من وزارة الطاقة والاقتصاد ليس فقط القول إن البواخر قادمة، بل نشر الأرقام: حجم الشحنات، مواعيد وصولها، الشركات المستوردة، الكميات التي استلمتها كل شركة، وحصة الجنوب منها.

فالشفافية وحدها تستطيع إسقاط الشائعات أو تأكيد الشبهات.

وفي الانتظار، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:

إذا كانت المشكلة في البواخر، فلماذا يدفع الجنوب ثمن التأخير بصورة تبدو أكبر من غيره؟

قد تكون الإجابة مجرد خلل في سلسلة الإمداد. وقد تكون احتكارًا واستغلالًا للأزمة.

لكن إذا ثبت أن الكميات وصلت إلى لبنان وبقيت محطات الجنوب تعاني الشح، فلن يعود الحديث عن «أزمة بواخر» كافيًا.

عندها سنكون أمام سؤال أخطر: هل يتحول نقص المحروقات في الجنوب من أزمة اقتصادية إلى وسيلة ضغط وعقاب؟

وهذا سؤال لا ينبغي للسلطات أن تجيب عنه بالبيانات العامة، بل بالأرقام التي تتبع كل ليتر من لحظة وصول الباخرة إلى لبنان حتى وصوله إلى خزان محطة الجنوب.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

تفجيرات ضخمة ومستمرة لجيش الاحتلال في الجنوب

نيترات نتيناهو من المرفأ الى الجنوب..إعادة “هندسة الجغرافيا”بالقوة!

نيترات نتيناهو من المرفأ الى الجنوب..إعادة “هندسة الجغرافيا”بالقوة! علي ضاحي- خاص takarir.net ما يجري في …