عندما يصرخ الأميركيون والأوروبيون من أسعار النفط.. يحضر “السلام”!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
حين يبدأ النفط بالصراخ في الأسواق، يتغير إيقاع السياسة في العواصم الكبرى، وحين تتحول برميلات الخام إلى أرقام ثقيلة على شاشات التداول، ثم إلى فاتورة وقود ونقل وتدفئة وإنتاج، لا تعود الحرب مجرد قرار عسكري تتخذه غرف العمليات، بل تتحول إلى كلفة يومية تصل إلى جيب المواطن وتضغط على الحكومة وتدفع صانع القرار إلى إعادة حساب ما يمكن أن يربحه من استمرار النار وما يمكن أن يخسره إذا بقيت مشتعلة.
من هنا تحديداً يمكن قراءة المشهد الأميركي ـ الإيراني الجديد، حيث تبدو الحرب التي اندفعت في بدايتها بمنطق القوة وقد اصطدمت سريعاً بمنطق آخر أكثر برودة وأشد تأثيراً في الحسابات الغربية: منطق كلفة الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي.
فالنفط لا يسأل عن الجغرافيا السياسية عندما يرتفع سعره، والناقلة لا تنتظر اكتمال البيانات الدبلوماسية قبل أن تُسعّر مخاطرها، والأسواق لا تمنح الحكومات مهلة طويلة كي تفكر في تداعيات إغلاق مضيق هرمز أو اضطراب باب المندب، ولذلك فإن كل صاروخ في المنطقة يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى رقم في سوق الطاقة، وكل تهديد للملاحة يمكن أن يتحول إلى علاوة تأمين وشحن، وكل يوم إضافي من الحرب يمكن أن يجد طريقه من الخليج إلى أوروبا وأميركا مروراً بسلاسل الإمداد العالمية.
كلفة الحرب
وحين تجاوز خام برنت عتبة المئة دولار مجدداً خلال موجة التصعيد الحالية، ثم عاد ليتراجع مع ظهور إشارات عن إمكان إعادة فتح مضيق هرمز، لم تكن الأسواق تقرأ فقط حركة العرض والطلب، بل كانت تسعّر احتمال استمرار الحرب أو انحسارها، وهو ما ظهر بوضوح في تراجع برنت إلى ما دون المئة دولار مع تداول الأنباء عن استعداد إيران لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت واشنطن ضغطها العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يمكن فصلها عن السياسة الأميركية: كلما ارتفعت كلفة الحرب، ارتفعت قيمة السلام، لا بوصفه شعاراً أخلاقياً مجرداً، وإنما باعتباره أداة لإعادة ضبط سوق الطاقة وتهدئة الملاحة وتخفيض مخاطر الشحن وإعادة فتح الطرق التي تحولت إلى رهائن في لعبة النار الإقليمية.
ولهذا فإن المواطن الأميركي الذي يذهب إلى محطة الوقود، والأوروبي الذي يراقب فاتورة الطاقة، والمصنع الذي يحسب كلفة التشغيل، وشركة النقل التي تدفع علاوة التأمين، جميعهم يدخلون بصورة غير مباشرة إلى غرفة التفاوض بين واشنطن وطهران، حتى لو لم يجلسوا إلى طاولتها.
هرمز يتكلم
ليس مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق بين الخليج وخليج عُمان، كما أن باب المندب ليس مجرد نقطة عبور بين البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ فالأول يمسك بعصب رئيسي من حركة الطاقة العالمية، والثاني يمسك بطريق تجاري حيوي يربط آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ولذلك فإن اضطراب أحدهما يرفع الكلفة، فيما يمكن أن يؤدي اضطرابهما معاً إلى إعادة رسم خريطة المخاطر التجارية والطاقة على مستوى العالم.
وقد كشفت الحرب أن السيطرة على الممرات لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق كامل كي تصبح ورقة ضغط، إذ يكفي أن ترتفع المخاطر إلى مستوى يجعل السفن تعيد حساب مساراتها، وتبحث الشركات عن طرق بديلة، وترتفع أجور الشحن والتأمين، وتدخل الحكومات في سباق لتأمين الإمدادات.
حتى محاولات إبقاء النفط متدفقاً عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في محيط عُمان، والتي توسعت خلال أيلول، عكست حجم الكلفة التي بات يتحملها قطاع الطاقة لتجاوز اضطرابات الطرق التقليدية، فيما ارتفعت تكاليف نقل الناقلات العملاقة إلى مستويات مرتفعة للغاية.
وهكذا أصبح هرمز في قلب المعادلة، لا لأن إيران تستخدمه كورقة عسكرية فحسب، بل لأن مجرد احتمال فتحه أو إغلاقه أو إبقائه تحت التهديد بات يؤثر في السعر قبل أن يؤثر في الكمية.
ترامب والحساب
في هذه النقطة بالذات يصبح انتقال دونالد ترامب بين خطاب التهديد وخطاب التفاوض أكثر قابلية للفهم، فالرئيس الأميركي يستطيع أن يرفع سقف المواجهة في خطابه أمام الأمم المتحدة، وأن يلوّح بالعزلة الاقتصادية وبالقوة العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يعرف أن الحرب المفتوحة لا تتحرك في فراغ، وأن استمرارها يضغط على أسواق الطاقة والحلفاء والملاحة، ويجعل أي انتصار عسكري يحتاج إلى حساب ثمنه الاقتصادي والسياسي.
ولهذا لم يكن لافتاً فقط أن ترامب استخدم لهجة شديدة تجاه إيران في خطابه الأممي، بل أن المسار الدبلوماسي كان يتحرك في الظل بالتوازي مع هذا التصعيد العلني، وصولاً إلى اللقاء الأميركي ـ الإيراني في نيويورك بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وكوشنر والوفد الإيراني، وهو لقاء وصفه ترامب بأنه سار «بشكل جيد جداً»، فيما تحدث عن «زخم كبير» باتجاه التوصل إلى اتفاق.
المفارقة هنا ليست تناقضاً بالضرورة، بل قد تكون جزءاً من أسلوب التفاوض نفسه: رفع السقف في العلن، وترك باب الصفقة مفتوحاً في الغرف المغلقة.
وهذا تحديداً ما يجعل الساعات الثلاث في نيويورك أكثر أهمية من مجرد اجتماع بروتوكولي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ فالاجتماع يعني أن القنوات التي بدت في مراحل سابقة شبه مجمدة عادت للعمل، وأن الطرفين، رغم كل التهديدات المتبادلة، ما زالا يبحثان عن نقطة يمكن عندها تحويل القوة إلى تفاوض والتفاوض إلى ترتيب قابل للحياة.
طهران تفاوض
لكن إيران لا تدخل هذه المفاوضات من موقع الطرف الذي يريد شراء الوقت فقط، بل تحاول أن تدخلها ومعها أوراق تستطيع تحويلها إلى شروط، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
فبحسب مسؤول إيراني كبير نقلت عنه رويترز، تستطيع طهران إعادة فتح المضيق أمام الملاحة خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية، فيما قال المسؤول إن الوفد الإيراني الموجود في نيويورك يمتلك صلاحية إحياء المسار الدبلوماسي، وإن مقترحاً إيرانياً لإنهاء الأعمال العدائية نُقل إلى واشنطن عبر وسطاء في 16 أيلول.
وهنا تتحول المسألة من مجرد مضيق إلى معادلة تفاوضية كاملة: واشنطن تريد أن ترى أثراً عملياً للتهدئة، وطهران تريد أن ترى أثراً عملياً لخفض الضغط، وبين الطرفين يصبح هرمز ورقة قابلة للمساومة، لا مجرد جبهة عسكرية.
لكن من الضروري الانتباه إلى أن الرواية الإيرانية نفسها ليست محل إجماع؛ فقد نفت وكالة فارس لاحقاً صحة بعض التقارير التي تحدثت عن صفقة محددة بين رفع الحصار وإعادة فتح المضيق، وهو ما يؤكد أن ما يجري لا يزال في مرحلة الرسائل والاقتراحات والاختبارات، وليس اتفاقاً مكتمل العناصر.
حافة النار
وهنا تظهر خصوصية الدبلوماسية الإيرانية التي طالما بنت جزءاً من قوتها التفاوضية على الجمع بين الردع والتفاوض، بحيث لا تدخل طهران إلى الطاولة بعدما تتخلى عن أوراق القوة، ولا تستخدم القوة بطريقة تغلق الباب أمام التسوية.
إنها لعبة حافة الهاوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ الاقتراب من نقطة الانفجار إلى الحد الذي يشعر فيه الخصم بأن استمرار المواجهة سيكلفه كثيراً، ثم ترك منفذ مفتوح يسمح بالعودة إلى التفاوض عندما تصبح كلفة التصعيد أعلى من العائد المتوقع منه.
ومن هذه الزاوية لا يبدو التفاوض الإيراني نقيضاً للردع، بل امتداداً له، ولا تبدو التهديدات العسكرية بديلاً عن الدبلوماسية، بل جزءاً من البيئة التي تحاول طهران من خلالها تحسين شروطها عندما تجلس إلى الطاولة.
وهذا هو جوهر «الرقص فوق النار»: أن ترفع مستوى المخاطر من دون أن تحرق بالكامل الطريق المؤدي إلى الخروج منها.
النفط يفاوض
في المقابل، لا تحتاج واشنطن إلى الاعتراف بأن أسعار النفط هي التي تدفعها نحو التفاوض حتى تكون الأسواق قد قالت كلمتها، فمجرد تحرك الأسعار صعوداً وهبوطاً مع أخبار التصعيد والتهدئة يكشف أن الاقتصاد أصبح جزءاً من المعركة الدبلوماسية.
ففي 22 أيلول، تراجعت أسعار النفط مع تزايد الآمال بإمكان إعادة فتح هرمز، قبل أن تتذبذب لاحقاً مع تضارب الإشارات حول فرص التفاوض، في انعكاس مباشر لحساسية السوق تجاه أي خبر يتعلق بالمضيق.
وهنا تصبح عبارة «السلام» ذات معنى اقتصادي مباشر؛ فالسلام الذي يعيد فتح طريق الملاحة، ويخفف مخاطر الناقلات، ويعيد الاستقرار إلى الإمدادات، ويضغط على أسعار النفط والغاز، ليس مجرد نهاية للمعارك، بل عملية إعادة تشغيل للاقتصاد العالمي الذي بدأ يدفع ثمن الصراع.
ولذلك يمكن القول إن الأسواق لا تصنع السياسة، لكنها تستطيع أن تضغط على هوامشها، وحين يصبح استمرار الحرب تهديداً متزايداً للطاقة والتجارة، يصبح البحث عن تسوية أقل كلفة من استمرار الاشتباك هدفاً واقعياً حتى بالنسبة إلى الأطراف التي لا تزال ترفع شعارات التصعيد.
باب المندب
وإذا كان هرمز يمسك بشريان الطاقة، فإن باب المندب يضيف إلى المعادلة شريان التجارة، ولذلك فإن الحرب التي تتسع من الخليج إلى البحر الأحمر لا يمكن قراءتها كسلسلة جبهات منفصلة.
فكل اضطراب في البحر الأحمر يضيف زمناً وكلفة إلى الرحلات البحرية، وكل ارتفاع في المخاطر يدفع شركات النقل إلى إعادة حساب مساراتها، وكل ابتعاد عن الطريق الأقصر يعني مزيداً من الوقود والوقت والتأمين.
وهكذا يصبح باب المندب الوجه الآخر لهرمز؛ الأول يضغط على التجارة العالمية، والثاني يضغط على الطاقة، وبينهما تتشكل شبكة من الكلفة التي لا تستطيع واشنطن ولا أوروبا تجاهلها طويلاً إذا استمر الصراع بالاتساع.
لبنان في الحساب
ومن هنا أيضاً يمكن فهم أهمية الحديث الإيراني عن ربط فتح هرمز بمسار الحرب الإقليمية، بما فيها الجبهة اللبنانية، وإن كان من الضروري الفصل بين ما تنقله وسائل الإعلام الإيرانية عن شروط تفاوضية وبين ما أصبح اتفاقاً ملزماً أو موقفاً أميركياً مقبولاً.
إدخال لبنان في هذه المعادلة، إذا ثبت أنه جزء من الطرح الإيراني، يعني أن طهران تنظر إلى الحرب باعتبارها شبكة مترابطة من الجبهات، وأن أي تسوية مع واشنطن لا يمكن بالضرورة أن تُختزل في الملف النووي أو في الحدود الإيرانية، بل قد تمتد إلى شكل التهدئة في ساحات أخرى وإلى مستقبل الممرات البحرية وآليات رفع الضغط الاقتصادي.
وهنا تحديداً تكمن صعوبة التفاوض؛ لأن الطرفين لا يتفاوضان على بند واحد، بل على حزمة مصالح متشابكة، من البرنامج النووي إلى العقوبات، ومن الموانئ إلى الملاحة، ومن هرمز إلى الجبهات الإقليمية.
“منطق الصفقة”
لهذا تبدو عبارة «منطق الصفقة» أكثر دقة من الحديث عن انتصار طرف أو تراجع طرف، فالولايات المتحدة لا تزال متمسكة بأهدافها الأساسية تجاه إيران، وترامب لا يزال يستخدم لغة الضغط والعزلة الاقتصادية، فيما طهران لا تزال تتمسك بأوراقها العسكرية والإقليمية وتربط أي تهدئة بخطوات أميركية ملموسة.
لكن تحت هذا السقف الصلب تجري عملية أخرى أكثر براغماتية، إذ يحاول كل طرف أن يختبر إلى أي حد يستطيع دفع الآخر نحو تقديم تنازل من دون أن يبدو أنه هو الذي طلب التسوية أولاً.
وهنا يصبح النفط لاعباً صامتاً على الطاولة، والمضيق ورقة تفاوض، والسوق مؤشراً على مستوى التوتر، والوسيط قناة خلفية، فيما تبقى الصواريخ في الخلفية لتذكير الجميع بأن فشل التفاوض لا يعني نهاية الخيارات العسكرية.
حين يحضر” السلام”!
لهذا، عندما يصرخ الأميركيون والأوروبيون من أسعار النفط، لا يحضر السلام فجأة من باب المثالية، بل يحضر من الباب الذي تعرفه السياسة جيداً: باب الكلفة.
فعندما يصبح استمرار الحرب مكلفاً للطاقة، وعندما تصبح الملاحة أكثر خطراً، وعندما تتضخم فاتورة التأمين والشحن، وعندما يصبح كل تهديد عسكري قابلاً للترجمة إلى ارتفاع في أسعار النفط والغاز، يبدأ السلام في اكتساب قيمة عملية تتجاوز الخطابات.
وفي المقابل، عندما تدرك طهران أن امتلاك ورقة هرمز لا يعني بالضرورة استخدامها إلى النهاية، بل يكفي أحياناً أن تلوّح بإمكان فتحها أو إبقائها مغلقة وفق مسار الضغط والتفاوض، فإن المضيق يتحول من جغرافيا إلى سياسة، ومن ماء إلى ورقة على الطاولة.
رقصة نيويورك
وهكذا تبدو نيويورك اليوم أشبه بمسرح مزدوج؛ في الواجهة خطاب أميركي شديد اللهجة، وفي الخلفية اتصالات مباشرة وغير مباشرة، وبينهما سوق نفط يراقب كل كلمة وكل تسريب وكل إشارة إلى إمكانية فتح هرمز أو استئناف التفاوض.
قد لا تكون الساعات الثلاث في نيويورك قد صنعت السلام، لكنها كشفت أن الحرب نفسها لم تعد قادرة على إلغاء الدبلوماسية، كما أن الدبلوماسية لم تستطع بعد إلغاء الحرب.
وهذه هي اللحظة الأخطر والأكثر حساسية في المشهد: الطرفان يتفاوضان لأنهما لا يريدان دفع الكلفة الكاملة للحرب، ويتحاربان لأن أياً منهما لم يصل بعد إلى صيغة يعتقد أنها تضمن مصالحه في السلام.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط من يملك القوة الأكبر، بل من يستطيع تحويل قوته إلى شروط تفاوضية ومن يستطيع جعل استمرار الحرب أكثر كلفة من التسوية.
وفي هذه المعادلة، لا يعود النفط مجرد سلعة، ولا هرمز مجرد مضيق، ولا باب المندب مجرد ممر بحري؛ كلها تتحول إلى أصوات داخل غرفة مغلقة، وكلما ارتفع صوتها، اقتربت الطاولة أكثر من لغة التفاوض.
عندما يصرخ الأميركيون والأوروبيون من أسعار النفط.. يحضر السلام، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن كلفتها بدأت تتحدث بصوت أعلى من مدافعها.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
