رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف
رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف

قاليباف يكشف قوة إيران من الداخل..التباين السياسي دليل العافية لا التفكك!

قاليباف يكشف قوة إيران من الداخل..التباين السياسي دليل العافية لا التفكك!

# علي ضاحي – خاص takarir.net

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تأتي تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف لتقدم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تحاول بعض القراءات رسمها عن الداخل الإيراني، باعتبار أن اختلاف الآراء داخل النخبة السياسية يعني انقساماً أو تصدعاً في بنية النظام.

قاليباف لم يتحدث من خارج مؤسسات القرار، ولم يوجّه انتقاداته إلى منظومة سياسية يناصبها العداء، بل تحدث من داخل البرلمان، وفي جلسة علنية، عن «خطأين استراتيجيين» في طريقة مقاربة الحرب والتفاوض. والأهم أنه لم يضع القتال والتفاوض في خانتين متناقضتين، بل قال بوضوح إن «ثنائية الحرب أو التفاوض ليست واقعية»، وإن المطلوب هو القتال والتفاوض معاً، والقتال «بعقلانية واقتدار» والتفاوض في الوقت المناسب وبالاقتدار والعقلانية.

وهنا تكمن أهمية الكلام: إيران لا تخفي وجود نقاش داخل مؤسساتها حول كيفية إدارة المواجهة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لهذا النقاش بأن يتحول إلى شرخ في الموقف الاستراتيجي للدولة.

فالمرشد والسلطة السياسية والحكومة والبرلمان والحرس والمؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية، رغم اختلاف مواقعها وأدوارها وتقديراتها، تتحرك ضمن إطار الدولة الإيرانية ومصالحها العليا. وقد يكون اختلاف الأدوات والتوقيتات جزءاً من إدارة الصراع، لا مؤشراً إلى سقوط المنظومة.

خلاف صحي

ليس المطلوب من أي نظام سياسي حي أن تكون كل مؤسساته وأفراده نسخة واحدة من بعضهم البعض. التعدد في الرأي، وتبادل وجهات النظر، وانتقاد بعض الخيارات، كلها مؤشرات على وجود نقاش سياسي حقيقي.

ومن هذه الزاوية، فإن حديث قاليباف عن أخطاء استراتيجية لا ينبغي قراءته باعتباره إعلاناً عن انهيار النخبة الإيرانية، بل باعتباره دليلاً على أن داخل النظام مساحة لمراجعة الأداء ومناقشة الخيارات.

الخطأ الأول الذي تحدث عنه يرتبط بالحرب التي لا أفق لها، وبالحديث عن القتال من دون تصور واضح لكيفية الوصول إلى الغاية السياسية منه. أما الخطأ الثاني فيتصل، بحسب ما ورد في خطابه، بالنظر إلى إيران باعتبارها ضعيفة والدفع نحو الاستسلام وقبول شروط أحادية الجانب.

وهنا يرسم قاليباف معادلة دقيقة: لا حرب مفتوحة بلا أفق، ولا تفاوض من موقع الضعف. بل قوة على الأرض، ودبلوماسية عندما تكون الدبلوماسية قادرة على تثبيت المكاسب.

شفافية سياسية

الأهم من مضمون كلام قاليباف هو الطريقة التي ظهر بها إلى العلن. ففي الوقت الذي تخوض فيه إيران مواجهة عسكرية وسياسية بالغة الحساسية، يستطيع رئيس البرلمان أن يتحدث أمام المؤسسة التشريعية عن أخطاء استراتيجية داخل النخبة، وأن يناقش علناً العلاقة بين الحرب والدبلوماسية، وأن يقدم مقاربة مختلفة لإدارة الصراع.

وهذا، في القراءة الإيرانية للمشهد، يمثل وجهاً من وجوه الشفافية السياسية داخل النظام. بل إن التباين في الآراء يمكن أن يُقرأ بوصفه جزءاً من قوة النظام، لأن القيادة التي تسمح لمؤسساتها وشخصياتها السياسية والعسكرية بأن تناقش الخيارات ليست قيادة تخشى النقاش الداخلي.

وهنا يمكن فهم موقف المرشد والقيادة العليا بصورة أوسع: وحدة القرار الاستراتيجي لا تعني بالضرورة وحدة الجملة السياسية، بل تعني أن تعدد الآراء لا يتحول إلى تعدد في الدولة أو إلى صراع على أصل وجودها.

نظام حي

إن قوة أي نظام لا تقاس فقط بمدى تطابق مواقف مسؤوليه، بل أيضاً بقدرته على استيعاب الاختلاف وإبقائه داخل المؤسسات. ومن هذه الزاوية، فإن إيران التي يظهر فيها قاليباف بهذا الوضوح، والتي يستطيع فيها رئيس البرلمان مناقشة أخطاء استراتيجية أمام الرأي العام، تبدو أمام اختبار سياسي داخلي مختلف عن الصورة التي يجري الترويج لها عن نظام مغلق لا يسمع إلا صوته.

فالمناقشة موجودة، والآراء المتعددة موجودة، والاختلاف حول الوسائل موجود، لكن الدولة باقية ومؤسساتها تعمل، والقرار الاستراتيجي العام لم يتحول إلى حالة فوضى.

وهذا هو الفارق بين الاختلاف والتفكك. الاختلاف قد يكون مصدر قوة عندما يبقى داخل المؤسسات، بينما التفكك يبدأ عندما تتحول المؤسسات نفسها إلى ساحات صراع على وجود الدولة.

إيران وترامب

وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها. فبينما يتحدث قاليباف علناً عن تباين داخل النخبة الإيرانية وعن أخطاء استراتيجية في إدارة الحرب والتفاوض، تشهد الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب مواجهة متصاعدة مع وسائل إعلام كبرى.

وفي 18 أيلول، أعلن ترامب منع CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض، متهماً هذه المؤسسات بنشر «الأخبار الكاذبة». وفي 21 أيلول، لجأت المؤسسات الإعلامية الثلاث إلى القضاء للطعن في القرار، معتبرة أنه يمس حقوق حرية التعبير والصحافة التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأميركي.

وهنا تصبح المقارنة سياسية بامتياز: إيران تسمح لرئيس برلمانها بأن ينتقد طريقة إدارة الحرب والتفاوض من داخل المؤسسة السياسية وأمام الرأي العام، بينما تدخل إدارة ترامب في مواجهة مع وسائل إعلام تنتقد سياساتها وتمنع بعضها من الوصول إلى البيت الأبيض.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن النموذج الإيراني، في قراءة مؤيديه، يقدم نفسه باعتباره نظاماً شفافاً وديمقراطياً في إدارة الاختلاف السياسي داخل مؤسساته، بل وأكثر انفتاحاً في هذا الجانب من إدارة ترامب التي تتجه، بحسب الوقائع الأخيرة، إلى تضييق مساحة الإعلام الذي يواجه الرئيس وينتقد سياساته.

ولا يتعلق الأمر هنا بغياب الخلافات في إيران، بل بالعكس تماماً: الخلاف موجود، لكنه يُناقش داخل النظام، وتسمح القيادة بظهوره إلى العلن، ثم يعود الجميع إلى مساحة القرار الوطني الواحد.

وحدة الموقف

ومن الخطأ، بالتالي، تحويل كل اختلاف في المواقف الإيرانية إلى انقسام في القيادة. وقد يختلف قاليباف مع آخرين في تقدير توقيت التفاوض، وقد تختلف المؤسسة السياسية مع بعض الأصوات التي تريد الحرب وحدها أو التفاوض وحده، لكن ذلك لا يعني أن المرشد فقد السيطرة على القرار أو أن الحرس منفصل عن الدولة أو أن المؤسسات السياسية تتحرك في اتجاهات متناقضة.

العكس هو الذي تظهره الصورة العامة: هناك تعدد في الرؤى، لكن هناك وحدة في الدفاع عن المصالح الإيرانية، ووحدة في رفض الإملاءات الخارجية، ووحدة في التعامل مع الحرب باعتبارها جزءاً من معركة أوسع على موقع إيران الإقليمي والدولي.

وقاليباف نفسه اختصر هذه المعادلة: القتال والتفاوض معاً.

أي أن إيران لا تريد أن تستبدل القوة بالدبلوماسية، ولا الدبلوماسية بالقوة، بل تريد استخدامهما في الوقت نفسه وبأدوات مختلفة.

رسالة قاليباف

لذلك، فإن كلام قاليباف لا ينبغي أن يُقرأ كصرخة من داخل نظام ينهار، بل كرسالة من داخل نظام يناقش خياراته. إن الاعتراف بالأخطاء لا يعني الاعتراف بالضعف. والاختلاف لا يعني الانقسام. والنقاش العلني لا يعني سقوط القيادة.

بل يمكن أن يكون العكس تماماً: نظام قادر على سماع الأصوات المختلفة داخل مؤسساته، وقادر على مراجعة أدواته، ثم الحفاظ على وحدة قراره الاستراتيجي، هو نظام يمتلك قدرة أكبر على إدارة الأزمات الطويلة.

وفي لحظة تحاول فيها واشنطن الضغط على الإعلام الذي ينتقد الرئيس، تبدو المفارقة لافتة: قاليباف ينتقد من داخل النظام، بينما الإعلام الأميركي يذهب إلى القضاء دفاعاً عن حقه في الوصول إلى الرئيس وانتقاد سياساته.

وهكذا تتحول تصريحات رئيس البرلمان الإيراني من مجرد موقف حول الحرب والتفاوض إلى صورة أوسع عن طبيعة النظام الذي يتحدث باسمه: تماسك في القمة، تعدد في الرؤى، نقاش داخل المؤسسات، ووحدة في الموقف عندما يتعلق الأمر بالمصالح العليا للدولة.

وإذا كان البعض يرى في هذا التعدد علامة ضعف، فإن القراءة المقابلة ترى فيه علامة عافية سياسية؛ لأن الأنظمة القوية ليست تلك التي تمنع الاختلاف، بل تلك التي تستطيع استيعابه وتحويله إلى جزء من صناعة القرار.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

اسعار المحروقات تحرق جيوب اللبنانيين وتعقد حياتهم

الأسعار تكوي اللبنانيين: المحروقات تحلق وتُعيد رسم الخريطة الجغرافية!

الأسعار تكوي اللبنانيين: المحروقات تحلق وتُعيد رسم الخريطة الجغرافية! ​جبريل – ط – نعمة خاص …