وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي خلال لقائه وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي في طهران
وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي خلال لقائه وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي في طهران

واشنطن تتشدد عسكرياً وطهران ترفع سقف الردع..وباكستان على خط النار!

واشنطن تتشدد عسكرياً وطهران ترفع سقف الردع..وباكستان على خط النار!

# علي ضاحي – خاص takarir.net

يدخل المسار الأميركي ـ الإيراني مرحلة أكثر حساسية، مع انتقال واشنطن من الحديث عن إمكانية استئناف المفاوضات إلى محاولة تحديد شروطها مسبقاً، بالتزامن مع تصعيد أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي على طهران. وفي المقابل، تواصل إيران رفع سقف خطاب الردع، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي، وإن وفق شروطها وحساباتها الخاصة.

وفي أحدث مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر اليوم، قال إن لديه اجتماعات مخصصة للملف الإيراني، واصفاً الوضع في إيران بأنه «سيئ للغاية»، ومؤكداً أن طهران «لن تمتلك سلاحاً نووياً». ويأتي هذا الموقف في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية تكريس معادلة جديدة للمفاوضات، تقوم على دخول إيران إلى الطاولة من موقع تتعرض فيه لضغط متزايد.

وشدد المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز على أن أي مسؤول إيراني يدخل في مفاوضات مع واشنطن يجب أن يمتلك صلاحيات كاملة، في إشارة واضحة إلى رغبة الإدارة الأميركية في التعامل مع طرف قادر على اتخاذ القرار وتنفيذ أي تفاهم يتم التوصل إليه.

ولا تنفصل هذه الرسالة السياسية عن التصعيد الاقتصادي. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه إجراءات تمنعها من مواصلة العمل دولياً اعتباراً من 23 أيلول، في خطوة توسع نطاق العقوبات والضغط على القطاعات المرتبطة بإيران.

شروط متبادلة

المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في وجود خلاف بين واشنطن وطهران، بل في أن كل طرف يريد تحديد نقطة البداية للمفاوضات وفقاً لشروطه.

واشنطن تركز على الملف النووي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتريد مفاوضاً إيرانياً يمتلك صلاحيات كاملة، فيما تستخدم أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية للضغط على طهران ودفعها إلى العودة إلى طاولة التفاوض.

أما إيران فتطرح معادلة مختلفة: لا عودة إلى مفاوضات في ظل استمرار الحرب والحصار والضغوط، وتطالب بإجراءات تمهد لإعادة إطلاق المسار السياسي، بينها وقف الحرب على الجبهات، ورفع الحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

وهكذا تصبح العقدة الأساسية: من يقدم التنازل الأول؟

واشنطن تريد أن تدخل إيران المفاوضات تحت ضغط العقوبات والحرب، بينما تريد طهران أن يكون وقف الحرب وتخفيف الضغوط مقدمة لإعادة فتح المسار التفاوضي.

ردع إيراني

وفي الجهة المقابلة، جاء موقف الحرس الثوري الإيراني شديد الوضوح. فبمناسبة «أسبوع الدفاع المقدس»، أكد الحرس جاهزية القوات المسلحة للرد بصورة «حاسمة ومدمرة» على أي هجوم، محذراً من أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى رد إيراني واسع.

ولا تبدو هذه الرسالة منفصلة عن النقاش الداخلي الإيراني حول العلاقة بين الحرب والدبلوماسية. فقد طرح رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، في موقف لافت، أن ثنائية «الحرب أو التفاوض» ليست واقعية، وأن إيران تستطيع أن «تقاتل وتتفاوض» في الوقت نفسه.

وهنا تظهر ملامح الاستراتيجية الإيرانية التي تحاول الجمع بين مسارين متوازيين: رفع كلفة أي هجوم عسكري، والإبقاء على نافذة سياسية يمكن من خلالها التفاوض عندما تتوافر الشروط المناسبة.

فالتفاوض، وفق هذه المقاربة، لا يعني التخلي عن القوة، كما أن القوة لا تعني بالضرورة إغلاق الباب أمام الدبلوماسية.

معركة هرمز

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع استمرار ارتباط المواجهة بمضيق هرمز، الذي يمثل إحدى أبرز أوراق القوة الإيرانية في أي صراع مفتوح مع الولايات المتحدة.

فالضغط على الاقتصاد الإيراني لا يجري في فراغ؛ إذ تدرك واشنطن أن طهران تمتلك في المقابل أدوات يمكن أن تؤثر في حركة الملاحة والطاقة والتجارة الإقليمية والدولية.

ولهذا تتحول المفاوضات إلى معركة شروط بقدر ما هي معركة سياسية. فكل طرف يحاول تحسين موقعه قبل الجلوس إلى الطاولة، وكل إجراء ميداني أو اقتصادي يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية لاحقاً.

نقوي في طهران

وفي قلب هذه الصورة المعقدة، تأتي زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران، في توقيت شديد الدقة، لتضيف بعداً إقليمياً إلى المشهد.

نقوي التقى مسؤولين إيرانيين، بينهم وزير الداخلية إسكندر مؤمني والرئيس مسعود بزشكيان، وتركزت المحادثات المعلنة على العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والتنسيق بين البلدين.

وقد نفت طهران أن تكون الزيارة حاملة رسالة أميركية إلى القيادة الإيرانية أو أن تكون قناة لنقل رسالة إيرانية إلى واشنطن، مؤكدة أن جدولها يرتبط بالعلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.

لكن أهمية الزيارة لا تحتاج بالضرورة إلى رسالة سرية حتى تكون ذات دلالة.

فباكستان تتمتع بعلاقات مع الولايات المتحدة وإيران والسعودية، وتملك قنوات اتصال إقليمية متعددة، كما أن استقرار المنطقة مصلحة مباشرة لإسلام آباد، خصوصاً في ظل احتمال انتقال الحرب من نطاقها الحالي إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ومن هنا يمكن أن يكون الحضور الباكستاني جزءاً من شبكة الاتصالات التي تحافظ على قنوات الحوار مفتوحة، حتى عندما تكون الرسائل الرسمية بين واشنطن وطهران شديدة التصعيد.

وساطة مزدوجة

وتكتسب التحركات الباكستانية أهمية أكبر عند وضعها إلى جانب الوساطات الإقليمية الأخرى، ولا سيما الدور القطري، الذي شهد في مراحل سابقة نقل رسائل بين طهران وواشنطن.

لكن الوساطة في هذه المرحلة ليست مهمة سهلة. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً ويضع قيوداً واضحة على برنامجها النووي، بينما تحاول طهران منع تحويل التفاوض إلى آلية لفرض شروط أميركية أحادية عليها.

وبين الطرفين توجد حرب قائمة، وعقوبات اقتصادية، وأزمة في الملاحة، وملف نووي شديد التعقيد، وشبكة واسعة من المصالح الإقليمية.

لذلك فإن أي وسيط لا يتعامل فقط مع خلاف حول نص اتفاق، بل مع معادلة قوة كاملة.

اختبار الإرادات

المشهد الحالي يشير إلى أن واشنطن وطهران لم تغلقا باب التفاوض، لكنهما تحاولان الوصول إليه من موقع مختلف.

ترامب يرفع مستوى الضغط ويؤكد أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، والإدارة الأميركية تشدد على ضرورة أن يكون المفاوض الإيراني صاحب صلاحيات كاملة، بينما توسع واشنطن نطاق العقوبات والضغط الاقتصادي.

في المقابل، يرفع الحرس الثوري مستوى الردع، وتتمسك طهران بشروطها لاستئناف التفاوض، فيما تتحرك قنوات إقليمية مثل باكستان وقطر للحفاظ على إمكانية التواصل.

وهنا تبرز معادلة قاليباف مرة أخرى: ليس المطلوب الاختيار بين الحرب والتفاوض، بل استخدام القوة والتفاوض في وقت واحد، بحيث تتحول القوة إلى ورقة سياسية، وتتحول الدبلوماسية إلى وسيلة لحماية مكاسب القوة.

لحظة حاسمة

المشكلة أن المسافة بين شروط الطرفين لا تزال واسعة. واشنطن تريد أن تدخل طهران المفاوضات وهي تحت ضغط متزايد، وطهران تريد أن تدخلها بعد إجراءات تخفف كلفة الحرب والحصار وتمنحها ضمانات وشروطاً أفضل.

وبالتالي، فإن الساعات والأيام المقبلة لا تبدو مجرد مرحلة انتظار لموعد تفاوض جديد، بل اختباراً للإرادات قبل التفاوض نفسه.

فإذا تمكن الوسطاء من تضييق الفجوة بين الشروط الأميركية والإيرانية، فقد تتحول الضغوط الحالية إلى مدخل لمسار سياسي جديد.

أما إذا بقي كل طرف متمسكاً بأن يقدم الآخر التنازل الأول، فإن أدوات الضغط ستستمر في التصاعد، من العقوبات والاقتصاد والطيران إلى هرمز والردع العسكري.

وفي هذه المعادلة، تصبح زيارة نقوي إلى طهران أكثر من مجرد زيارة ثنائية؛ إنها تأتي في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى قنوات اتصال تحفظ إمكانية التفاوض، فيما يواصل الطرفان رفع سقف المواجهة في العلن.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف

قاليباف يكشف قوة إيران من الداخل..التباين السياسي دليل العافية لا التفكك!

قاليباف يكشف قوة إيران من الداخل..التباين السياسي دليل العافية لا التفكك! # علي ضاحي – …