ترامب وتشي في البيت الابيض
ترامب وتشي في البيت الابيض

ترامب وشي جين بينغ.. حفاوة البروتوكول وثقل المصالح وإيران في قلب المساومة!

ترامب وشي جين بينغ.. حفاوة البروتوكول وثقل المصالح وإيران في قلب المساومة!

علي ضاحي – خاص takarir.net

من قاعدة أندروز إلى البيت الأبيض، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يمنح نظيره الصيني شي جين بينغ استقبالاً يتجاوز في رمزيته المراسم التقليدية، في مشهد عكس منذ اللحظة الأولى الأهمية التي توليها واشنطن لهذه الزيارة، ليس فقط باعتبارها أول زيارة دولة لشي إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد، وإنما لأنها تأتي في مرحلة أصبحت فيها العلاقة بين القوتين محكومة بمعادلة دقيقة تجمع التنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع الحاجة إلى إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. وقد توجه ترامب شخصياً إلى قاعدة أندروز لاستقبال شي، في خطوة نادرة بروتوكولياً، قبل مراسم استقبال رسمية ضخمة في البيت الأبيض شارك فيها 479 عسكرياً من مختلف أفرع القوات الأميركية، وتخللها استعراض عسكري وتحليق لقاذفة B-2 وأربع مقاتلات F-22.

ولا تبدو هذه الحفاوة مجرد تفصيل شكلي، فالرسالة التي حملتها الصورة هي أن واشنطن تريد إدارة التنافس مع بكين من موقع الحوار المباشر، وأن ترامب يدرك أن الملفات التي يريد حسمها أو تخفيف تداعياتها لا يمكن فصلها عن الوزن الصيني في الاقتصاد العالمي وفي أزمات الشرق الأوسط. وفي المقابل، فإن منح شي هذه المكانة البروتوكولية الرفيعة لا يعني أن الخلافات بين الطرفين تراجعت، بل يعكس ربما إدراكاً مشتركاً بأن حجم المصالح المتشابكة يجعل الصدام المفتوح أكثر كلفة من التفاوض، حتى عندما تبقى نقاط الخلاف العميقة قائمة.

قمة الضرورة

وتنعقد القمة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتداخل على طاولتها ملفات التجارة والرسوم الجمركية والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي وتايوان، إضافة إلى الحرب مع إيران وتداعياتها على الطاقة والاقتصاد العالمي. وقبل وصول شي إلى واشنطن، كان الطرفان قد عملا على تمديد الهدنة التجارية، فيما شكلت المعادن الحيوية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في الاتصالات التحضيرية.

ومن هنا لا يمكن اختزال اللقاء في سؤال من سيقدم تنازلاً للآخر، لأن كل طرف يدخل القاعة وهو يحمل أوراقاً لا يستطيع الطرف المقابل تجاهلها. ترامب يمتلك أدوات الضغط التجارية والتكنولوجية والعقوبات، فيما تمتلك بكين وزناً هائلاً في سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والسوق العالمية، فضلاً عن شبكة علاقات واسعة مع دول تخوض واشنطن معها مواجهات مباشرة أو غير مباشرة.

إيران في القلب

وفي قلب هذه المساومة يحضر الملف الإيراني بوصفه واحداً من أكثر الملفات تعقيداً، فواشنطن تريد من بكين، بحكم علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع طهران، أن تلعب دوراً في الضغط على إيران، ولا سيما في ما يتعلق بالعقوبات وتدفق النفط والقدرة على الالتفاف على القيود الأميركية. وقد أشارت تقارير ما قبل القمة إلى أن الحرب مع إيران ستكون من بين الملفات التي ستناقش، إلى جانب تايوان والتجارة والذكاء الاصطناعي.

لكن هنا تحديداً تظهر حدود المطلب الأميركي؛ فالصين ليست طرفاً محايداً في الملف الإيراني، بل لديها مصالح اقتصادية واستراتيجية مباشرة، ولذلك فإن أي تعاون صيني مع واشنطن في الضغط على طهران سيكون جزءاً من مقايضة أوسع، لا تنازلاً مجانياً. فبكين تستطيع أن تتحدث عن الاستقرار وضرورة الحلول السياسية، وأن تستخدم قنواتها مع طهران، لكنها في الوقت نفسه تريد الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والنفطية وعدم تحويل الملف الإيراني إلى ساحة مواجهة صينية ـ أميركية جديدة.

وهذا ما يجعل إيران، عملياً، أكثر من بند على جدول أعمال القمة؛ إنها اختبار لمدى قدرة ترامب على توظيف العلاقة مع شي في إدارة أزمة إقليمية، واختبار في المقابل لمدى استعداد بكين لاستخدام نفوذها لدى طهران من دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً في علاقتها معها.

رسالة شي

وتكتسب تصريحات شي جين بينغ أهمية خاصة عندما يقول إن التعاون بين الصين والولايات المتحدة قد لا يحل جميع مشكلات العالم، لكن من الصعب حل كثير منها من دون تعاون البلدين، فيما يؤكد انفتاح أبواب الصين أمام الشركات الأميركية وضرورة معاملة الشركات الصينية بإنصاف داخل الولايات المتحدة.

إنها صيغة تلخص الموقف الصيني من العلاقة: التعاون حيث تتقاطع المصالح، والتفاوض حيث توجد الخلافات، ومنع المنافسة من التحول إلى قطيعة شاملة. ولذلك فإن شي لا يدخل واشنطن من موقع الباحث عن تسوية ثنائية فقط، بل من موقع رئيس دولة تريد أن تثبت أن بكين شريك لا يمكن تجاوزه في الاقتصاد العالمي، وفي الوقت نفسه قوة لا يمكن احتواؤها عبر العقوبات أو الضغوط وحدها.

أوراق متبادلة

ويحتاج ترامب إلى تحقيق نتائج قابلة للعرض السياسي والاقتصادي، سواء في تثبيت الهدنة التجارية أو معالجة قضايا المعادن الحيوية أو فتح مساحات تفاهم حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، إضافة إلى محاولة الحصول على تعاون صيني في الملفات الدولية، وفي مقدمتها إيران.

وقد سبقت القمة محادثات أميركية ـ صينية تناولت التجارة والمعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي، فيما طرحت واشنطن أيضاً فكرة إنشاء آلية ثنائية للحوار حول سلامة الذكاء الاصطناعي والحوادث المرتبطة به، بما يعكس اتساع جدول الأعمال من الرسوم الجمركية إلى التكنولوجيا التي باتت جزءاً من التنافس الاستراتيجي بين القوتين.

أما بكين فتملك بدورها أوراقاً لا تقل أهمية، من السوق الصينية إلى المعادن النادرة وسلاسل التصنيع، مروراً بعلاقاتها مع روسيا وإيران ودول أخرى، وصولاً إلى موقعها في الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن أي تفاهم سيخرج من القمة سيكون، على الأرجح، نتاج تبادل مصالح بين قوتين لا تريد أي منهما التخلي عن أدوات نفوذها.

نتائج معلقة

ومن المبكر التعامل مع القمة باعتبارها طريقاً إلى اتفاق شامل، لكن من الممكن قراءة النتائج التي ستحدد أهميتها في عدة مستويات: أولها تثبيت قدر من الاستقرار في العلاقة التجارية، وثانيها وضع قواعد أكثر وضوحاً لإدارة التنافس التكنولوجي، وثالثها اختبار إمكان بناء تفاهمات حول المعادن الحيوية والذكاء الاصطناعي، ورابعها، وربما الأكثر حساسية، تحديد الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين في الملف الإيراني.

فإذا خرجت واشنطن من القمة بتعاون صيني ملموس في الضغط على طهران، فسيكون لذلك أثر مباشر على حسابات الحرب والعقوبات والتفاوض. أما إذا اكتفت بكين بدعم المسار السياسي ورفضت تحويل علاقتها مع إيران إلى أداة ضغط أميركية، فستكون النتيجة مختلفة، إذ ستظهر بوضوح حدود قدرة واشنطن على بناء جبهة اقتصادية موحدة ضد طهران.

ما بعد الصورة

لكن أهمية القمة لا تقاس فقط بما سيصدر في بيانها الختامي، بل بما ستؤسسه من قواعد للعلاقة بين القوتين في المرحلة المقبلة. فواشنطن وبكين لا تبدوان متجهتين إلى إنهاء التنافس، وإنما إلى محاولة ضبطه ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة، فيما أصبحت أزمات مثل إيران وتايوان والطاقة والتكنولوجيا ساحات اختبار لهذا التوازن.

ومن هنا يصبح مشهد ترامب وهو يستقبل شي شخصياً في قاعدة أندروز، ثم اصطحابه إلى مراسم الدولة في البيت الأبيض، أكثر من صورة بروتوكولية؛ إنه إعلان سياسي بأن الصين باتت شريكاً لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات الكبرى، حتى عندما تكون واشنطن في مواجهة مباشرة مع أحد حلفائها أو شركائها، وأن أي محاولة لتشديد الضغط على إيران تحتاج إلى حساب موقف بكين ومصالحها.

وبين حفاوة الاستقبال وصلابة المصالح، تبدو القمة محاولة لصياغة معادلة جديدة: واشنطن تريد من بكين أن تساعدها في إدارة أزمات العالم، وبكين تريد من واشنطن أن تتعامل معها كقوة لا يمكن عزلها أو تطويقها. وبين الطرفين تقف إيران، بما تملكه من موقع في سوق الطاقة وشبكة علاقات إقليمية وقدرة على التأثير في معادلات الأمن والممرات البحرية، لتتحول القمة الأميركية ـ الصينية إلى أحد الاختبارات الكبرى لمسار الأزمة الإيرانية، وليس مجرد محطة في الصراع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

التعليم حق لكل طالب

من تحت الشجرة الى الجدران المغلقة..الأقساط العالية “تقتل” التعليم وترهق الاهالي!

من تحت الشجرة الى الجدران المغلقة..الأقساط العالية “تقتل” التعليم وترهق الاهالي! جبريل ط. نعمة خاص …