السيد بدر الدين الحوثي وشقيقه الراحل السيد جسين الحوثي
السيد بدر الدين الحوثي وشقيقه الراحل السيد جسين الحوثي

من نَسبهم الى زيد بن علي ومن صَعدة إلى الإقليم: كيف نشأت حركة «أنصار الله»؟

من نَسبهم الى زيد بن علي ومن صَعدة إلى الإقليم: كيف نشأت حركة «أنصار الله»؟

علي ضاحي – خاص takarir.net

لفهم نشأة حركة «أنصار الله»، المعروفة على نطاق واسع باسم «الحوثيين»، لا بد من العودة إلى طبقات تاريخية أقدم بكثير من ظهور الحركة في اليمن الحديث، وإلى البيئة الدينية والاجتماعية التي تشكلت في شمال البلاد على مدى قرون، وفي قلبها المذهب الزيدي وعلاقته التاريخية بالبيت النبوي.

ينتسب النبي محمد إلى بني هاشم من قريش، ومن ابنته فاطمة الزهراء وزوجها الإمام علي بن أبي طالب جاء نسل الحسن والحسين، اللذان يحتلان مكانة مركزية في تاريخ التشيع عموماً. ومن ذرية الحسن والحسين ظهرت عبر التاريخ أسر علوية وهاشمية عديدة، كان لبعضها حضور ديني وسياسي في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ومنها اليمن.

لكن الانتماء إلى البيت العلوي لا يعني تلقائياً الانتماء إلى الزيدية، كما أن الزيدية نفسها ليست سلالة عائلية. إنها مدرسة دينية وسياسية شيعية ارتبط اسمها بالإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

زيد بن علي

ظهر زيد بن علي في الكوفة في القرن الثاني الهجري، وقاد سنة 122هـ/740م حركة ضد الحكم الأموي انتهت بمقتله. وأصبح لاحقاً الشخصية التي حملت المدرسة الزيدية اسمها، وإن كانت الزيدية كتيار فقهي وعقدي وسياسي قد تطورت تاريخياً عبر مراحل لاحقة.

وتختلف الزيدية عن الإمامية الاثني عشرية في مفهوم الإمامة. فالزيديون تاريخياً لا يحصرون الإمامة في عدد محدد من الأئمة، ولا يشترطون أن تنتقل بالوراثة من أب إلى ابن، بل يرون أن الإمام ينبغي أن يكون من ذرية الحسن أو الحسين، عالماً مؤهلاً وقادراً على المطالبة بالإمامة والخروج على الحكم الذي يرونه جائراً.

ولهذا ارتبط مفهوم الإمامة الزيدية تاريخياً بفكرة العلم والقدرة والخروج والعدل، وليس بمجرد الانتساب العائلي. ومن هذه الخلفية ستتطور لاحقاً التجربة الزيدية في اليمن.

إلى اليمن

وبعد وفاة زيد بن علي بأكثر من قرن ونصف، انتقلت الزيدية إلى مرحلة تأسيس سياسي في اليمن. ففي أواخر القرن التاسع الميلادي، وصل يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي، المعروف بـ«الهادي إلى الحق»، إلى شمال اليمن، وأسس سنة 897م إمامة زيدية في صعدة.

وكان الهادي من نسل الحسن بن علي، ولذلك فإن أئمة الزيدية في اليمن لم يكونوا بالضرورة من ذرية زيد بن علي مباشرة، بل كانوا من البيوت العلوية المنحدرة من الحسن أو الحسين.

وأصبحت صعدة منذ ذلك الوقت مركزاً رئيسياً للزيدية اليمنية، وتطورت فيها شبكة من العلماء والمدارس الدينية والأسر الهاشمية والعلوية، إلى جانب علاقات متشابكة مع القبائل والقوى المحلية.

وهكذا لم تكن الزيدية في اليمن مجرد مذهب ديني، بل أصبحت على مدى قرون جزءاً من بنية سياسية واجتماعية كاملة، ارتبطت بالإمامة وبإدارة مناطق واسعة من شمال البلاد.

دولة الأئمة

واستمرت التجربة الإمامية الزيدية في اليمن بأشكال مختلفة لقرون طويلة، وشهدت مراحل من القوة والانقسام والحروب والتحالفات مع القبائل والقوى المحلية.

وفي القرن العشرين، أصبحت المملكة المتوكلية اليمنية آخر أشكال الحكم الإمامي في شمال البلاد، إلى أن اندلعت ثورة 26 أيلول 1962، التي أطاحت بالنظام الإمامي وأعلنت الجمهورية العربية اليمنية.

وانتهت الحرب الأهلية التي تلت الثورة في سبعينيات القرن الماضي، لكن سقوط الإمامة لم يؤدِ إلى اختفاء الزيدية من المجتمع اليمني. بقيت صعدة ومناطق واسعة من شمال اليمن مرتبطة بالتقاليد الزيدية، واستمرت الأسر الدينية والعلماء والتعليم التقليدي في الحفاظ على جانب من هذا التراث.

ما بعد الإمامة

ودخلت الجمهورية اليمنية بعد ذلك مرحلة مختلفة، شهدت صعود تيارات دينية وسياسية متعددة، بينها التيارات السلفية التي توسع نفوذها في بعض المناطق الشمالية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

وفي هذا المناخ، برزت مخاوف لدى شخصيات زيدية من تراجع الحضور الثقافي والتعليمي للمذهب، ومن التغيرات التي طرأت على البيئة الدينية والاجتماعية في صعدة ومحيطها.

ومن هنا بدأت في تسعينيات القرن الماضي تجربة «منتدى الشباب المؤمن»، التي اتخذت في بدايتها طابعاً تعليمياً وثقافياً ودعوياً، قبل أن تتحول تدريجياً إلى إطار أكثر انخراطاً في السياسة والصراع على السلطة.

“الشباب المؤمن”

وكان «منتدى الشباب المؤمن» محاولة لإعادة تنشيط التعليم الزيدي وتعزيز حضور الثقافة الدينية لدى جيل جديد في صعدة.

ولم يكن المشروع عند نشأته حركة عسكرية، ولم يكن هدفه المعلن تأسيس قوة مسلحة، بل ركز على التعليم والمحاضرات والأنشطة الدينية والثقافية.

لكن البيئة السياسية اليمنية كانت تتغير، كما كانت المنطقة تشهد أحداثاً كبرى، ولا سيما حرب الخليج الأولى ثم الانتفاضة الفلسطينية والحرب الأميركية على العراق، وهي أحداث أثرت في الخطاب السياسي والديني داخل اليمن.

وفي هذه المرحلة برز حسين بدر الدين الحوثي بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي دفعت باتجاه تحويل النشاط الديني إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً.

حسين الحوثي

وينتمي حسين بدر الدين الحوثي إلى أسرة هاشمية ذات حضور ديني في شمال اليمن، وكان والده بدر الدين الحوثي من علماء الزيدية المعروفين.

ودخل حسين الحوثي الحياة السياسية في مرحلة مبكرة، وانتُخب عضواً في البرلمان اليمني في انتخابات 1993 عن حزب الحق، ثم أصبح أكثر ابتعاداً عن السلطة والرئيس علي عبد الله صالح، وعاد إلى صعدة حيث اتسع نشاطه الديني والسياسي.

وتدريجياً، أخذ خطابه يتجاوز القضايا المحلية إلى ملفات سياسية وإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والولايات المتحدة وإس.رائيل، إضافة إلى انتقاد الفساد وسياسات الحكومة اليمنية.

وأصبحت شعارات الحركة، وفي مقدمتها الشعار المعروف الذي يتضمن عبارات ضد الولايات المتحدة وإس.رائيل، جزءاً من خطاب سياسي جديد أكثر صداماً مع السلطة.

الحرب الأولى

وتصاعد التوتر بين حسين الحوثي والحكومة اليمنية حتى اندلعت في عام 2004 أول مواجهة مسلحة في صعدة. وأطلقت السلطات حملة عسكرية لملاحقة الحوثي وأنصاره، وانتهت المواجهة بمقتل حسين بدر الدين الحوثي في ايلول 2004.

لكن مقتل مؤسس الحركة لم ينهِ التمرد، بل انتقلت القيادة إلى شقيقه عبد الملك الحوثي، الذي أصبح لاحقاً القائد الأبرز للحركة.

ومنذ ذلك الوقت اندلعت سلسلة من المواجهات بين الحوثيين والحكومة اليمنية، عُرفت باسم الحروب الست في صعدة، واستمرت حتى عام 2010 مع فترات من وقف إطلاق النار واستئناف القتال.

بناء القوة

خلال سنوات الحرب، تغيرت طبيعة الحركة بصورة كبيرة. فمن إطار ديني وثقافي وسياسي محلي، تحولت إلى تنظيم يمتلك بنية عسكرية وشبكات اجتماعية وقدرات قتالية، واكتسبت قيادتها خبرة واسعة في حرب الجبال والقتال غير التقليدي.

كما أدى استمرار الصراع إلى توسيع قاعدة الحركة في أجزاء من شمال اليمن، فيما أصبحت صعدة مركزاً عسكرياً وسياسياً لها.

وفي هذه المرحلة بدأت أيضاً علاقة الحوثيين بإيران تحظى باهتمام متزايد من الحكومة اليمنية والسعودية والولايات المتحدة، مع استمرار الخلاف حول حجم وطبيعة الدعم الإيراني للحركة.

فرصة 2011

جاءت احتجاجات 2011 لتغير قواعد اللعبة السياسية في اليمن. وأدت الاحتجاجات ضد الرئيس علي عبد الله صالح إلى أزمة سياسية عميقة، وانتهى الأمر بانتقال السلطة إلى عبد ربه منصور هادي ضمن ترتيبات سياسية خليجية ودولية.

لكن المرحلة الانتقالية لم تؤدِ إلى بناء دولة قوية قادرة على احتواء الصراعات الداخلية، بل دخل اليمن في مرحلة جديدة من التنافس السياسي والقبلي والعسكري.

واستفاد الحوثيون من حالة الضعف التي أصابت مؤسسات الدولة، وبدأوا بتوسيع نفوذهم خارج صعدة، مستفيدين أيضاً من التحولات في التحالفات المحلية.

إلى صنعاء

وكان عام 2014 نقطة التحول الأكبر. حيث اندلعت احتجاجات واسعة ضد رفع أسعار الوقود، واستثمر الحوثيون حالة الغضب الشعبي والصراع السياسي لتوسيع تحركاتهم.

وفي ايلول 2014 دخلت قوات الحوثيين وحلفاؤهم صنعاء، وسيطروا على مؤسسات رئيسية في العاصمة، قبل أن تتطور الأزمة إلى انهيار سياسي متسارع.

وفي كانون الثاني 2015 استقال الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، ثم غادر هادي صنعاء إلى عدن، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى السعودية.

وهنا خرجت الأزمة اليمنية من إطار الصراع السياسي الداخلي إلى مرحلة إقليمية جديدة.

التدخل الإقليمي

في آذار 2015 بدأ “التحالف” بقيادة السعودية تدخله العسكري في اليمن دعماً للحكومة المعترف بها دولياً، لتتحول البلاد إلى ساحة حرب إقليمية واسعة.

خلال السنوات التالية، تعمقت القدرات العسكرية للحوثيين، وبرز استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل اليمن وخارجه.

واتهمت السعودية والولايات المتحدة الحوثيين بتلقي دعم عسكري وتقني من طهران، بينما نفت إيران مراراً تقديم الدعم العسكري المباشر الذي تصفه خصومها، مؤكدة دعمها السياسي للحوثيين ولما تعتبره حق الشعب اليمني في تقرير مصيره.

أما الحوثيون، فيؤكدون استقلال قرارهم السياسي والعسكري ويرفضون وصفهم بأنهم مجرد “وكيل إيراني”.

الزيدية والحوثيون

وهنا تبرز نقطة أساسية في فهم الحركة: الحوثيون ليسوا مرادفاً للزيدية، والزيدية ليست مرادفاً للحوثيين. فالزيدية مدرسة دينية عمرها قرون، ولها علماء وتيارات واتجاهات متعددة، ولم يكن جميع الزيديين جزءاً من الحركة الحوثية، كما أن كثيراً من أبناء المجتمع اليمني الزيدي لم ينخرطوا في مشروعها السياسي أو العسكري.

وفي المقابل، استفادت الحركة الحوثية من البيئة الزيدية التي نشأت فيها، ومن تاريخ صعدة وعلاقتها بالإمامة والأسر العلمية، وأعادت صياغة عناصر من هذا التراث ضمن خطاب سياسي معاصر يقوم على مقاومة ما تعتبره ظلماً وهيمنة خارجية، إلى جانب تبني قضايا إقليمية مثل فلسطين ومواجهة الولايات المتحدة وإس.رائيل.

كما ظهرت خلال العقود الأخيرة تقاطعات فكرية وسياسية مع إيران ومع خطاب «المق.اومة» الإقليمي، لكن ذلك لا يلغي الجذور اليمنية للحركة ولا يفسر وحده صعودها.

علاقة إيران

تطورت علاقة الحوثيين بإيران تدريجياً، وأصبحت جزءاً أساسياً من الحسابات الإقليمية للحرب اليمنية. وتتهم الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى طهران بتقديم أسلحة وتكنولوجيا وخبرات للحوثيين، خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تؤكد إيران دعمها السياسي للحركة وتنفي الاتهامات المتعلقة بتسليحها بصورة مباشرة.

وتشير تقارير ودراسات دولية إلى وجود أوجه تشابه وتعاون تقني بين القدرات الصاروخية والمسيّرة للحوثيين وبعض التقنيات الإيرانية، إلا أن تطور قدرات الحركة لا يمكن تفسيره بعامل خارجي واحد، إذ راكمت خلال سنوات الحرب خبرة محلية في التصنيع والتطوير والتشغيل.

من اليمن إلى البحر

وأعادت الحرب اليمنية وضع الحوثيين في قلب معادلة أمنية تتجاوز حدود البلاد. فاليمن يطل على البحر الأحمر وخليج عدن، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتستخدمه حركة التجارة العالمية وناقلات الطاقة.

ومع اندلاع الحرب في غزة في تشرين الاول 2023، أعلن الحوثيون دخولهم المواجهة من خلال استهداف سفن قالوا إنها مرتبطة بإسرائيل، قبل أن تتوسع الهجمات لتشمل سفناً أخرى، ما أدى إلى اضطراب واسع في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.

وقالت الحركة إن عملياتها تأتي دعماً للفلسطينيين، بينما اعتبرت الولايات المتحدة ودول غربية الهجمات تهديداً لحرية الملاحة والتجارة الدولية.

باب المندب

وأصبح باب المندب منذ ذلك الوقت جزءاً من المعادلة العسكرية والسياسية الإقليمية. فالحوثيون يمتلكون موقعاً جغرافياً يمنحهم قدرة على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، كما أن امتلاكهم الصواريخ والمسيّرات يتيح لهم تهديد سفن وأهداف بعيدة نسبياً عن مناطق سيطرتهم.

وهكذا انتقلت الحركة من لاعب يمني يخوض حرباً على السلطة إلى قوة تستطيع التأثير في حركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر، الأمر الذي منحها وزناً إقليمياً يفوق بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

ترامب وتشي في البيت الابيض

ترامب وشي جين بينغ..حفاوة البروتوكول وثقل المصالح وإيران في قلب المساومة!

ترامب وشي جين بينغ..حفاوة البروتوكول وثقل المصالح وإيران في قلب المساومة! علي ضاحي – خاص …