نتيناهو خلال حملته الانتخابية
نتيناهو خلال حملته الانتخابية

الانتخابات الإس.رائيلية 2026: معركة السلطة وحدود التغيير وحسابات التمثيل العربي

الانتخابات الإس.رائيلية 2026: معركة السلطة وحدود التغيير وحسابات التمثيل العربي

علي ضاحي – خاص takarir.net

لا تبدو الانتخابات الإس.رائيلية المقررة اليوم مجرد استحقاق ديمقراطي لتجديد أعضاء الكنيست، بقدر ما تشكل اختباراً سياسياً وأمنياً لمستقبل القيادة الإس.رائيلية، وحدود قدرة المعارضة على إنهاء حقبة بنيامين نتنياهو، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة السياسية والعسكرية، في لحظة إقليمية تتداخل فيها المواجهة مع إيران، والجبهة اللبنانية، والملف الفلسطيني، والحسابات الأميركية.

فالسؤال المركزي لا يتعلق فقط بمن سيتصدر النتائج، بل بمن سيتمكن من تحويل المقاعد إلى أغلبية برلمانية مستقرة، ومن يمتلك القدرة على إدارة التناقضات داخل الائتلاف المقبل، في دولة تواجه تداعيات إخفاقات 7 تشرين الأول 2023، واستنزاف الحروب، والانقسامات المجتمعية، والخلافات بشأن الخدمة العسكرية والهوية السياسية للدولة.

نتنياهو ومعركة البقاء

ويدخل بنيامين نتنياهو هذا الاستحقاق وهو يواجه تراكماً من الضغوط السياسية والأمنية، لكن ذلك لا يعني أن خروجه من السلطة أصبح نتيجة محسومة. فقد أثبتت التجارب الانتخابية الإس.رائيلية أن تراجع شعبية رئيس الحكومة لا يكفي وحده لإسقاطه، ما لم يتمكن خصومه من بناء تحالف قادر على تجاوز خلافاتهم وتشكيل أغلبية قابلة للاستمرار.

ويستند نتنياهو إلى قاعدة انتخابية يمينية، وإلى علاقات تحالف مع أحزاب دينية وقومية، وإلى خطاب يربط القيادة السياسية بالقدرة على إدارة التهديدات الأمنية. وفي المقابل، تواجهه أسئلة تتعلق بالمسؤولية السياسية عن الإخفاقات الأمنية، وإدارة الحرب، ومستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، فضلاً عن الانقسامات الداخلية بشأن الإعفاءات من الخدمة العسكرية ومكانة القضاء والمؤسسات الرقابية.

لكن المعضلة التي تواجه معسكره لا تختزل في عدد المقاعد التي يحصل عليها الليكود، بل في قدرة حلفائه على الاحتفاظ بتماسكهم، ومدى استعدادهم لتقديم تنازلات في ملفات داخلية وخارجية من أجل ضمان استمرار الحكومة.

وفي المقابل، لا يكفي أن تتقدم المعارضة في استطلاعات الرأي لتعلن انتهاء مرحلة نتنياهو. فالمعارضة الإس.رائيلية ليست كتلة متجانسة، بل تضم قوى تختلف في أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية والدينية والأمنية، كما تتباين في رؤيتها للتعامل مع الأحزاب العربية. ومن هنا، فإن الانتقال من معارضة نتنياهو إلى تشكيل حكومة بديلة يظل اختباراً مستقلاً، قد يكون أكثر تعقيداً من المنافسة الانتخابية نفسها.

المؤسسة الأمنية وحدود التغيير

يحتل العامل الأمني موقعاً مركزياً في هذه الانتخابات، خصوصاً مع دخول شخصيات ذات خلفيات عسكرية إلى المنافسة على قيادة الحكومة. ويقدم بعض المرشحين أنفسهم باعتبارهم أصحاب خبرة في إدارة التهديدات، والقدرة على استعادة الثقة بالمؤسسات، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية.

غير أن الخلفية العسكرية لا تعني بالضرورة اختلافاً جذرياً في الأهداف الاستراتيجية. فقد تتغير القيادة السياسية، وتتبدل أساليب إدارة الأزمات، لكن القضايا المرتبطة بإيران، والتفوق العسكري الإس.رائيلي، والوجود العسكري في الأراضي الفلسطينية، وأمن الحدود الشمالية، ستبقى حاضرة في حسابات أي حكومة جديدة.

وهنا ينبغي التمييز بين تغيير القيادة وتغيير العقيدة السياسية والأمنية. فالأول يمكن أن يتحقق من خلال الانتخابات، أما الثاني فيحتاج إلى تحولات أعمق في تقدير التهديدات، وفي العلاقة بين المؤسسة الأمنية والقيادة السياسية، وفي تعريف المصالح الإس.رائيلية وحدود استخدام القوة.

لذلك، لا يمكن افتراض أن وصول حكومة جديدة سيقود تلقائياً إلى التهدئة، كما لا يمكن الجزم بأن بقاء نتنياهو يعني بالضرورة الانتقال إلى حرب واسعة. فهذه الخيارات ستظل مرتبطة بالتطورات الميدانية، والحسابات الأميركية، وتقديرات المؤسسة العسكرية، وطبيعة التفاهمات الإقليمية.

إيران ولبنان

وتجري الانتخابات الإس.رائيلية في ظل مواجهة إقليمية تجعل أي تحول سياسي داخلي موضع متابعة في طهران وبيروت والعواصم المعنية بالملف. فإيران تمثل أحد أبرز محاور الخلاف الاستراتيجي داخل إس.رائيل، لكن الخلاف لا يدور بالضرورة حول اعتبارها خصماً، بل حول كيفية التعامل معها، وتوقيت استخدام القوة، وحدود العمليات العسكرية، وكلفة المواجهة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

وقد يحاول نتنياهو توظيف الملف الأمني لإظهار نفسه بوصفه القادر على مواجهة التهديدات، فيما قد يسعى خصومه إلى تحميله مسؤولية نتائج السياسات السابقة، أو تقديم مقاربة مختلفة لإدارة المخاطر. لكن تحويل الخطاب الانتخابي إلى قرار عسكري يبقى مسألة أخرى، لا يمكن استنتاجها من التصريحات وحدها.

أما لبنان، فيبقى معرضاً لتأثير أي تصعيد إقليمي، ولا سيما إذا ارتبطت المواجهة مع إيران بتوسيع العمليات على الجبهة الشمالية. ومع ذلك، لا يجوز التعامل مع الانتخابات باعتبارها مؤشراً حتمياً إلى حرب أو تسوية، إذ يمكن للقيادة الإس.رائيلية أن تستخدم القوة لأهداف محدودة، أو أن تتجنب مواجهة أوسع بسبب كلفتها، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة.

والأهم أن أي حكومة إسرائيلية مقبلة ستواجه معادلة يصعب تجاوزها: الحفاظ على الردع من جهة، وتجنب استنزاف طويل ومكلف من جهة أخرى. وتزداد هذه المعادلة تعقيداً عندما تتداخل الجبهات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والقيود الأميركية، واحتمالات توسع المواجهة إلى ساحات متعددة.

من هنا، فإن قراءة نتائج الانتخابات من المنظور اللبناني تتطلب مراقبة ثلاثة مؤشرات متلازمة: تركيبة الائتلاف الحكومي، وموقع المؤسسة العسكرية في صنع القرار، وحدود التنسيق مع واشنطن بشأن إيران ولبنان. أما الاكتفاء باسم الفائز، فلا يوفر وحده أساساً كافياً لتقدير مسار المرحلة المقبلة.

التمثيل العربي

ويشكل التمثيل العربي أحد أكثر أوجه الانتخابات الإس.رائيلية تعقيداً. فالأحزاب العربية تخوض المنافسة في ظل تحديات تتعلق بالمشاركة الانتخابية، ونسبة الحسم، والخلافات بين التيارات القومية والإسلامية والشيوعية والمدنية، فضلاً عن الجدل حول جدوى المشاركة في المؤسسات الإسرائيلية وحدود القدرة على التأثير في السياسات الحكومية.

وقد أظهرت تجربة القائمة المشتركة، التي حققت 15 مقعداً في انتخابات عام 2020، أن توحيد الأحزاب العربية يمكن أن يرفع وزنها البرلماني. لكنها أظهرت أيضاً أن زيادة المقاعد لا تحل تلقائياً الخلافات حول الاستراتيجية السياسية، ولا تضمن قبول الأحزاب الصهيونية الرئيسية بشراكة حكومية مع القوى العربية.

وفي تجربة عام 2021، فتحت مشاركة القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس في الائتلاف الحكومي نقاشاً جديداً حول العلاقة بين المطالب المدنية والاجتماعية وبين المواقف القومية والوطنية. فقد رأت رعام في المشاركة فرصة للتفاوض على ميزانيات وخدمات وملفات تمس المجتمع العربي، بينما اعتبرت قوى أخرى أن الانخراط في الائتلاف قد يفرض أثماناً سياسية، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالاحتلال والحقوق الفلسطينية.

وتكشف هذه التجارب أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الأحزاب العربية على حصد المقاعد، بل أيضاً بقدرتها على تحويلها إلى نفوذ ملموس، وبمدى استعداد القوى الإسرائيلية الأخرى للتعامل معها باعتبارها شريكاً سياسياً مشروعاً.

ومع اقتراب الاقتراع، يكتسب مستوى المشاركة العربية أهمية إضافية، لأن ارتفاع نسبة التصويت قد ينعكس على حجم التمثيل، بينما يمكن لتشتت الأصوات أو فشل إحدى القوائم في تجاوز نسبة الحسم أن يؤدي إلى خسارة مقاعد كان يمكن أن تدخل الكنيست.

لكن الأثر السياسي النهائي سيبقى مرتبطاً بتركيبة البرلمان الجديد. فحتى لو ارتفع عدد النواب العرب، فإن هذا التقدم لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على التأثير في تشكيل الحكومة، ما لم تتغير مواقف القوى التي تحتاج إلى دعمهم، أو تنشأ تفاهمات برلمانية قابلة للتطبيق.

ثلاثة مسارات محتملة بعد الاقتراع

تتوقف المرحلة التالية للانتخابات على قدرة المعسكرات المتنافسة على تأمين أغلبية برلمانية. وإذا تمكن نتنياهو من جمع حلفائه، فقد يستمر في الحكم، لكن ذلك لن يعفيه من إدارة الخلافات داخل ائتلافه بشأن الملفات الأمنية والدينية والاقتصادية.

أما إذا نجحت المعارضة في بناء أغلبية، فستواجه بدورها اختباراً يتعلق بمدى قدرتها على التوفيق بين مكوناتها، ولا سيما في قضايا الأمن والعلاقة مع الأحزاب العربية وتوزيع المسؤوليات الحكومية. فالاتفاق على إنهاء حكم نتنياهو لا يعني بالضرورة الاتفاق على برنامج سياسي متكامل.

وفي حال تعذر على أي معسكر تشكيل حكومة مستقرة، فقد تدخل إس.رائيل في مرحلة من المفاوضات الطويلة والجمود السياسي، مع استمرار حكومة تصريف الأعمال واحتمال العودة إلى انتخابات جديدة إذا استنفدت المسارات الدستورية والسياسية المتاحة.

ولا يمكن ترجيح أحد هذه المسارات بصورة قاطعة قبل ظهور النتائج الفعلية، لأن الاستطلاعات تقيس اتجاهات الرأي في لحظة معينة، ولا تحسم بالضرورة توزيع المقاعد النهائي، ولا المواقف التي ستتخذها الأحزاب خلال مفاوضات تشكيل الحكومة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

حادثة "فلاي دبي" حجة اميركية لاستهداف ايران

حادثة «فلاي دبي»..هل تتحول الطائرة إلى ذريعة اميركية لحرب جديدة على إيران بعد الإنتخابات؟

حادثة «فلاي دبي»..هل تتحول الطائرة إلى ذريعة اميركية لحرب جديدة على إيران بعد الإنتخابات؟ # …