هرمز والمندب..الحصار يتمدد من الخليج إلى البحر الأحمر!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
إذا كانت المفاوضات في نيويورك تحاول رسم حدود سياسية للحرب بين واشنطن وطهران، فإن الميدان يرسم حدوداً أخرى أكثر اتساعاً، تبدأ من مضيق هرمز ولا تنتهي عند باب المندب. فالممرات البحرية تحولت إلى جزء أساسي من المعركة، وأصبح أمن الملاحة مرتبطاً مباشرة بالضغط العسكري والاقتصادي وبشروط إنهاء الحرب.
وتؤكد المعطيات الأخيرة أن حركة الملاحة عبر هرمز لا تزال أدنى بكثير من مستوياتها الطبيعية، فيما يستمر الخلاف بين واشنطن وطهران حول شروط إعادة فتحه. وتقول طهران إن إعادة الحركة الطبيعية ممكنة إذا تراجعت الضغوط العسكرية الأميركية ورُفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.
معادلة هرمز
الأكثر حساسية أن الخطاب الإيراني لم يعد يتعامل مع هرمز باعتباره مجرد ورقة مرتبطة بإغلاق المضيق، بل كجزء من تصور أوسع لإدارة حركة الملاحة وترتيبات ما بعد الحرب. وفي هذا السياق، قال مستشار المرشد الإيراني إن بلاده ستبقى مسيطرة على المضيق وستديره، وإن آليات عبور السفن يمكن بحثها إذا نفذت واشنطن المقترحات الإيرانية.
وهذا الطرح، بصرف النظر عن مدى قبوله دولياً، يكشف حجم الأهمية التي باتت طهران تمنحها للممر البحري في أي ترتيبات أمنية لاحقة، إذ تحاول تحويل قدرتها على التأثير في حركة السفن إلى عنصر تفاوضي دائم، وليس مجرد أداة تستخدم خلال العمليات العسكرية.
هرمز والمندب
لكن الرسالة الأكثر حساسية جاءت من ربط مضيق هرمز بباب المندب. فقد حذر المستشار العسكري للمرشد الإيراني من أن الربط بين المضيقين يمكن أن يغيّر ساحة الحرب، وقال إن اندلاع حرب أميركية جديدة قد يفتح جبهة حول البحر الأحمر وباب المندب.
وهذه الرسالة لا تعني بالضرورة أن قراراً عسكرياً اتُخذ لفتح جبهة جديدة، لكنها تعكس انتقال الخطاب الإيراني من التحذير من تعطيل الملاحة في الخليج إلى التلويح بإمكان اتساع نطاق الضغط البحري جغرافياً. ومع وجود الحوثيين في اليمن واستمرار التوتر حول البحر الأحمر، فإن أي توسع فعلي في العمليات قد يضيف طبقة جديدة إلى أزمة الملاحة والطاقة العالمية.
وكانت هجمات مرتبطة بالحوثيين قد استمرت في المنطقة، فيما سجلت السعودية في الأيام الأخيرة محاولة هجوم بصاروخ باليستي على الرياض، بالتزامن مع استمرار الحرب الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.
الأسطول الأميركي
وفي المقابل، لا تخوض الولايات المتحدة الحرب من موقع بحري محدود. فالانتشار الأميركي في المنطقة يعتمد على مجموعات حاملات طائرات وسفن مرافقة وطائرات مقاتلة، مع وجود عسكري أميركي واسع في محيط الخليج وبحر العرب. وتظهر التقارير من حاملة «جورج واشنطن» أن البحرية الأميركية تستخدمها ضمن عمليات الحرب على إيران من موقعها في بحر العرب، في وقت تشكل فيه حاملة «أبراهام لينكولن» ومجموعتها الضاربة جزءاً آخر من هذا الانتشار.
لكن طول الانتشار بدأ يفرض كلفة بشرية أيضاً. فقد كشفت رسالة القائم بأعمال وزير البحرية الأميركي هونغ كاو إلى السيناتورة كيرستن غيليبراند عن تسجيل ثماني محاولات انتحار بين أفراد مجموعة «أبراهام لينكولن» الضاربة منذ بدء انتشارها، وهي تشمل طاقم الحاملة والجناح الجوي وأفراد مجموعات المدمرات والسفن المرافقة والأسراب الجوية، وليس طاقم الحاملة وحده. كما أشارت الرسالة إلى أن إحدى حالات الذهاب إلى البحر وقعت في أغسطس وتم إنقاذ صاحبها ونقله لتلقي العلاج.
وهذه الأرقام لا تثبت وحدها أن الحرب كانت السبب المباشر لكل حالة، لكنها تعطي مؤشراً موثقاً على الضغوط التي رافقت انتشاراً طويلاً وشاقاً، ولا سيما أن حاملة «لينكولن» أمضت نحو 286 يوماً في البحر خلال الانتشار.
كلفة الملاحة
وتتجاوز معركة هرمز والمندب حدود الاشتباك العسكري المباشر، لأن أي اضطراب طويل في الممرين ينعكس على النفط والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد. ولهذا دخلت حرية الملاحة في صلب الاتصالات الدبلوماسية، وأصبحت إعادة فتح هرمز مطلباً إيرانياً وهاجساً أميركياً ودولياً في الوقت نفسه.
ومن هنا يمكن فهم الحضور الصيني في الأزمة أيضاً، إذ إن بكين من أكثر الاقتصادات ارتباطاً بتدفقات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، وقد دعت رسمياً إلى ضبط النفس وإعادة فتح هرمز، بينما تواصل واشنطن الضغط على طهران وتراقب في الوقت نفسه علاقة الصين الاقتصادية بها.
حرب الاستنزاف
المشهد الميداني لا يتجه بالضرورة إلى انفجار شامل في جبهة واحدة، بل إلى حرب استنزاف متعددة المسارات: ضغط بحري في هرمز، تهديدات مرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، انتشار أميركي متقدم، وقدرات إيرانية على تعطيل الملاحة أو تهديدها، إلى جانب أدوات حلفاء طهران الإقليميين.
وكلما طال أمد هذه المعادلة، ازدادت صعوبة الفصل بين الميدان والسياسة. فكل سفينة تعبر هرمز تصبح جزءاً من معادلة الردع، وكل تحرك عسكري أميركي يمكن أن يدخل في حسابات التفاوض، وكل تهديد بفتح جبهة جديدة يرفع كلفة التسوية كما يرفع كلفة الحرب.
حافة التصعيد
ولهذا تبدو الرسالة الإيرانية مزدوجة: لا رغبة معلنة في حرب جديدة، لكن لا قبول أيضاً بأن تتحول الضغوط العسكرية إلى واقع سياسي دائم. وفي المقابل، تحاول واشنطن الإبقاء على الضغط العسكري والاقتصادي مع ترك نافذة تفاوض مفتوحة.
بين هرمز وباب المندب، إذاً، لا تدور المعركة على المياه وحدها؛ بل على من يمتلك القدرة على التحكم بإيقاع الحرب وكلفة استمرارها وشروط الخروج منها. وهذه هي النقطة التي تجعل الميدان جزءاً من طاولة التفاوض، وتجعل كل تصعيد بحري قابلاً لأن يتحول، في اللحظة نفسها، إلى ورقة سياسية.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
