الحرب الشاملة تبتعد عن اجواء ايران واميركا
الحرب الشاملة تبتعد عن اجواء ايران واميركا

رسائل نيويورك بين واشنطن وطهران..تغليب المسار التفاوضي على الحرب وايران تتمسك بشروطها!

رسائل نيويورك بين واشنطن وطهران..تغليب المسار التفاوضي على الحرب وايران تتمسك بشروطها!

# علي ضاحي – خاص takarir.net

بعد أشهر من الحرب والقطيعة والرسائل النارية، تبدو نيويورك وكأنها تحولت إلى مساحة اختبار جديدة بين واشنطن وطهران، حيث تتقاطع خطابات التصعيد مع اتصالات دبلوماسية غير مباشرة تسعى إلى كسر الجمود وفتح طريق العودة إلى التفاوض. فقد جرت اتصالات بين الجانبين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، شارك فيها من الجانب الأميركي المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ومن الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، فيما نقل الوسطاء رسائل وشروط طهران المتعلقة بإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.

ولم تكن مصادفة أن يأتي هذا الحراك بعد خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أمام الجمعية العامة، حين جمع بين رسالتين تبدوان متناقضتين ظاهرياً، لكنهما تشكلان في الحساب الإيراني معادلة واحدة: إيران لا تريد حرباً جديدة، لكنها لا تقبل التفاوض تحت التهديد أو الإملاء العسكري، وفي الوقت نفسه لا تغلق باب الدبلوماسية. وقد قال بزشكيان إن بلاده مستعدة للحوار والتفاوض، مع رفض «لغة القوة»، فيما أكد أن إيران لن تستسلم للضغوط.

شروط طهران

وتضع طهران مضيق هرمز في قلب أي مسار تفاوضي، ولم يعد فتح الممر البحري بالنسبة إليها مجرد إجراء ملاحي منفصل عن الحرب، بل جزءاً من سلة تفاوضية أوسع تشمل وقف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والإفراج عن الأصول المجمدة. وقال مسؤول إيراني إن بلاده مستعدة لإعادة فتح المضيق خلال أسبوع إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار، فيما تحدثت تقارير أحدث عن خريطة طريق إيرانية تتضمن وقفاً إقليمياً لإطلاق النار يصل إلى 60 يوماً، وإعادة فتح تدريجية للمضيق، وجدولاً زمنياً لمفاوضات أوسع. وهذه التفاصيل الأخيرة منسوبة إلى مصادر إقليمية مطلعة على المقترح وليست اتفاقاً معلناً بين الطرفين.

وهنا تكمن العقدة الأساسية: طهران تريد أن يبدأ التفاوض من إجراءات عملية تخفف الضغوط القائمة، بينما تبدو واشنطن معنية بتحويل أي تسوية إلى إطار أشمل يتناول البرنامج النووي والضمانات الأمنية وشروطاً أخرى تعتبرها ضرورية. ولذلك لا تزال الفجوة قائمة رغم عودة الاتصال، وهو ما يعكسه انتهاء جولة الاتصالات الأخيرة من دون اتفاق نهائي على إنهاء الحرب أو إعادة فتح هرمز بصورة كاملة.

وسطاء متعددون

وفي قلب هذا المشهد تتحرك باكستان وقطر وسلطنة عُمان، مع اختلاف أدوار كل طرف وطبيعة قنواته. وقد التقى عراقجي نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار على هامش الجمعية العامة في نيويورك، في وقت تواصل فيه إسلام آباد دفعها باتجاه الحوار والدبلوماسية. كما أن الدور الباكستاني ليس وليد لحظة نيويورك، بل يأتي ضمن مسار وساطة سبق أن لعبت فيه إسلام آباد دوراً في ترتيب تفاهمات ومحاولات لوقف القتال وإعادة إطلاق المفاوضات.

وتكتسب الوساطة أهمية أكبر لأن واشنطن وطهران لا تزالان تحتاجان إلى طرف قادر على نقل الرسائل من دون أن يتحول الوسيط نفسه إلى طرف في النزاع، فيما تحاول الدبلوماسية الإقليمية منع انهيار ما تبقى من قنوات الاتصال. ولذلك فإن لقاء عراقجي ودار، حتى مع عدم نشر تفاصيله كاملة، يندرج في سياق أوسع من الاتصالات التي تحاول إبقاء باب التسوية مفتوحاً.

بكين حاضرة

أما الصين، فتدخل على خط الأزمة من بوابة مختلفة، إذ تتقاطع علاقتها الاقتصادية مع إيران مع مصالحها في استقرار أسواق الطاقة وحرية الملاحة. وكانت بكين قد دعت واشنطن وطهران إلى ضبط النفس والعودة إلى التشاور، فيما طالب وزير الخارجية الصيني وانغ يي بإعادة فتح مضيق هرمز، في موازاة اتصالات صينية–أميركية تناولت الوضع في الشرق الأوسط قبل لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ ودونالد ترامب.

ولهذا يصبح إعلان ترامب أنه ناقش ملف إيران مع شي جين بينغ ذا دلالة تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن وبكين؛ فالصين ليست مجرد قوة كبرى تملك موقفاً سياسياً من الحرب، بل طرف تتأثر مصالحه مباشرة بأي اضطراب طويل في إمدادات الطاقة والممرات البحرية، كما أن استمرار العلاقات الاقتصادية الصينية مع إيران يجعل بكين جزءاً من الحسابات الأميركية المتعلقة بقدرة طهران على الصمود. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار تدفقات تجارية صينية مرتبطة بقطاعات إيرانية حساسة، ما يضيف بعداً اقتصادياً إلى التنافس الدبلوماسي حول الحرب.

اختبار النيات

لكن الطريق إلى التسوية لا يزال طويلاً. فواشنطن تريد أن ترى نتائج ملموسة في الملفات التي تعتبرها جوهرية، بينما تريد طهران إجراءات مقابلة قبل الدخول في تفاوض أوسع. وبين الشرط والشرط، يصبح هرمز ورقة تفاوضية وميزاناً لقياس جدية الطرف الآخر، فيما يحاول الوسطاء بناء جسر بين مقاربتين لا تزالان متباعدتين.

واللافت أن الخطاب الإيراني يجمع في الوقت نفسه بين التهديد بالرد إذا فُرضت الحرب وبين التشديد على الدبلوماسية، وهو ما ظهر أيضاً في تصريحات المستشار العسكري للمرشد الإيراني، الذي قال إن طهران تأمل ألا تندلع حرب جديدة، لكنها مستعدة للدفاع إذا فُرضت عليها. وبذلك تحاول إيران تقديم معادلة تقول إن الباب السياسي لم يُغلق، لكن فتحه لا يعني قبول التفاوض من موقع الإكراه.

نافذة ضيقة

وتبدو نيويورك أقرب إلى مرحلة اختبار شروط التسوية منها إلى لحظة إعلان اتفاق. فاللقاءات موجودة، والوسطاء يتحركون، والرسائل تتبادل، والصين تدخل في الحسابات، لكن القضايا الأكثر حساسية — من هرمز والحصار والأصول المجمدة إلى البرنامج النووي والضمانات الأمنية — لا تزال تحتاج إلى تفاهمات متبادلة.

وبينما تقول واشنطن إن الدبلوماسية تحتاج إلى وقت وجهد، تؤكد طهران أن العودة إلى التفاوض لا يمكن أن تتم تحت النار، ما يجعل المرحلة المقبلة محكومة بمعادلة دقيقة: هل تستطيع الوساطات تحويل الاتصالات إلى خطوات متزامنة، أم يبقى كل لقاء مجرد قناة لنقل الشروط فيما تستمر الحرب في فرض أجندتها على السياسة؟

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

ايران تفرض شروطها بعد امساكها بالمضيقين

عندما يصرخ الأميركيون والأوروبيون من أسعار النفط..يحضر “السلام”!

عندما يصرخ الأميركيون والأوروبيون من أسعار النفط.. يحضر “السلام”! # علي ضاحي – خاص takarir.net …