التعليم حق لكل طالب
التعليم حق لكل طالب

من تحت الشجرة الى الجدران المغلقة..الأقساط العالية “تقتل” التعليم وترهق الاهالي!

من تحت الشجرة الى الجدران المغلقة..الأقساط العالية “تقتل” التعليم وترهق الاهالي!

جبريل ط. نعمة خاص takarir.net

أين ذهب ذلك الزمن الذي كان فيه العلم يولد من رحم الشغف، وتحت ظل شجرة وارفة، حين كان المعلم يقف بكل هيبته ووقاره، يسكب علمه من القلب إلى القلب، مردداً بلا تكلف: «قم للمعلم وفّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولاً»؟ كانت المعرفة يومها رسالة وطنية مقدسة لتجذير الأجيال وبناء الأوطان، لا سلعة تخضع لقانون العرض والطلب.

أما اليوم، وفي زمن ما بعد عام 2020، فقد انقلبت الموازين وتغيرت الأذواق، وفقد التعليم، سواء أكان حضورياً أم افتراضياً، تلك النكهة الدافئة التي كانت تميزه. وصار الأهل يواجهون طوفاناً من الأعباء الاقتصادية وغلاء الأقساط الذي يكاد يقصم ظهورهم، فيما بات تأمين التعليم للأبناء تحدياً يضاف إلى قائمة طويلة من الهموم المعيشية.

أرقام تحكي الوجع

حين نلقي نظرة على واقع رياض الأطفال والمدارس الخاصة اليوم، نجد أن الأرقام وحدها تحكي حجم المأساة. تتراوح الأقساط السنوية في المدارس العادية والمتوسطة بين 1,200 و2,500 دولار، وغالباً ما تُقسّم بين «دولار فريش» ومصاريف تشغيلية بالليرة اللبنانية. أما في المدارس الكبرى والبعثات الدولية، فحدث ولا حرج، إذ تبدأ الأقساط من 3,000 وتلامس 4,500 دولار سنوياً، يضاف إليها مبالغ طائلة بالليرة اللبنانية.

ولا تتوقف الحكاية هنا؛ فرسوم فتح الملف، والقرطاسية، والتأمين، وباصات النقل التي تنهش ما تبقى من راتب العائلة، جعلت من حق الطفل في التعلم هماً يومياً يثقل كاهل الأهل، ويضع الأسرة أمام معادلة شديدة القسوة بين تأمين تعليم جيد لأبنائها والحفاظ على الحد الأدنى من قدرتها على الاستمرار.

جناحا وطن

أمام هذا الواقع القاسي، بدأ النزوح الجماعي نحو التعليم الرسمي، فهو الملجأ الأوفر والملاذ الأخير للكثير من العائلات التي عجزت عن مجاراة هذا الغلاء الفاحش. وهنا يجب التأكيد أن التعليم الخاص والرسمي ليسا نقيضين، بل هما جناحا طائر واحد يرفعان بيوت العلم، ويطردان الجهل الذي يهبط ببيت العزة والكرامة.

فالتعليم الرسمي يحتاج إلى الدعم والتطوير، كما أن التعليم الخاص يحتاج إلى مقاربة تراعي الظروف الاقتصادية للأسر، لأن الهدف في الحالتين واحد: حماية حق الطفل في التعلم وتأمين مستقبل أفضل لجيل جديد يتحمل أعباء بلد أنهكته الأزمات.

بارقة أمل

وسط هذا السواد، تبرز ومضات أمل تستحق أن تُروى وتُعمم. فعلى سبيل المثال، تواصل مدارس الطائفة السريانية الكاثوليكية، ببركة ورعاية البطريرك يوسف الثالث يونان، إعفاء التلاميذ من دفع الأقساط للسنة السابعة على التوالي، مقدمةً متنفساً حقيقياً وبلسماً يغيث العائلات المتعثرة.

هذه المبادرات النبيلة يجب أن تتحول إلى عدوى حميدة تنتشر في كل المدارس والجامعات الخاصة، لأن التعليم ليس مؤسسة تجارية بحتة تبحث عن الربح السريع، بل هو أمانة في رقبة المجتمع. آن الأوان لإدارات المدارس أن تتقي الله في الأهل، وأن تستعيد شيئاً من رسالة الأمس تحت الشجرة، حيث كان العلم أقرب إلى رسالة منه إلى فاتورة، وأقرب إلى بناء الإنسان منه إلى حسابات السوق.

فالقصة تبدأ بخطوة، والرحمة تسبق العلم، والوطن لا يُبنى إلا بتكاتف الجميع، ولا مستقبل لوطن يُصبح فيه التعليم امتيازاً لا يستطيع تحمّل كلفته إلا القادرون.

شاهد أيضاً

من مضيق هرمز إلى باب المندب تتسع خريطة المواجهة البحرية

هرمز والمندب..الحصار يتمدد من الخليج إلى البحر الأحمر!

هرمز والمندب..الحصار يتمدد من الخليج إلى البحر الأحمر! # علي ضاحي – خاص takarir.net إذا …