الأسعار تكوي اللبنانيين: المحروقات تحلق وتُعيد رسم الخريطة الجغرافية!
جبريل – ط – نعمة خاص takarir.net
لم يعد خافياً على أحد أن “نار” المحروقات باتت تلتهم ما تبقى من قدرة شرائية للمواطنين، في مشهد متكرر يعكس أزمة عميقة تتسع دائرتها يوماً بعد يوم.
فمع صدور جداول أسعار النفط المتعاقبة، يجد اللبنانيون أنفسهم وجهاً لوجه أمام واقع مرير يحاصر لقمة عيشهم وحريتهم في التنقل، لتتحول الحركة اليومية إلى رفاهية لا تقوى عليها الجيوب الخاوية ؛ حتى صار الشعار السائد بين الأهالي بحرقة: “ما فينا نتنقل.. أصبحنا محصورين بمناطقنا، وأصبحنا سيراً على الأقدام”.
تحليق مستمر
وتتحرك أسعار المشتقات النفطية وكأنها في سباق محموم مع الزمن، وسط تقلبات الأسواق وأسعار النفط. ولم تقتصر هذه الزيادات المتلاحقة على البنزين فحسب، بل طالت صفيحة المازوت وقارورة الغاز، لتلقي بظلالها الثقيلة على القطاعات الحيوية كافة. هذا الارتفاع المستمر في جداول الأسعار الرسمية يعكس هشاشة الوضع المعيشي وعجزه عن امتصاص الصدمات، مما جعل المواطن رهينةً لدوامة تضخمية أكلت الأخضر واليابس.
تغيير ديموغرافي
ولم يعد ارتفاع أسعار الوقود مجرد أرقام تُسجل على شاشات المحطات، بل أدى إلى تحولات قسرية غير مسبوقة في نمط حياة العائلات وتنقّلاتهم:
تغيير ديموغرافي وانكماش مكاني: فرضت الأزمة واقعاً جديداً دفع الكثيرين نحو التنقل إلى النقطة الأقرب حصراً، بل والاضطرار للبحث عن مساكن أو أعمال بديلة تقرّب المسافات، مما أحدث تغييراً ديمغرافياً صامتاً في توزيع السكان وتمركزهم تفادياً لكلفة النقل الباهظة.
سياسة التقشف القسري اصبحت أربعة اشخاص في سيارة واحدة لقد غابت مظاهر السفر الفردي والاستقلالية في القيادة؛ وبات المشهد المعتاد على الطرقات اختصاراً للكلفة عبر تجمع أربعة أشخاص أو أكثر في سيارة واحدة لتقاسم ثمن صفيحة البنزين المشتعلة
سيراً على الأقدام
عاد المشهد ليذكرنا بأزمان غابرة، حيث أصبحت المسافات الطويلة تُقطع سيراً على الأقدام قسراً، بعد أن عجز الموظفون والطلاب عن تحمل تكاليف المواصلات العامة والخاصة على حد سواء، ليجد المواطن نفسه محصوراً في نطاق جغرافي ضيق لا يغادره إلا للضرورة القصوى.
أين الحلول؟
في ظل هذا المشهد القاتم، ترتفع أصوات المواطنين والهيئات الاقتصادية محذرة من مغبة الاستمرار في هذا الانحدار. فالتحليق المستمر لأسعار المحروقات من دون شبكة حماية اجتماعية أو خطط لدعم قطاع النقل يعني دفع البلاد نحو مزيد من الشلل التام والتفتت المجتمعي. ويحذر المراقبون من أن بقاء الناس عاجزين عن الوصول إلى أعمالهم ومدارسهم بحرية ينذر بعواقب وخيمة على مختلف الأصعدة الإنسانية والاقتصادية.
إن نار المحروقات تحرق اليوم أسطورة “التنقل والحرية” التي اعتاد عليها اللبنانيون، وحولتهم إلى سجناء في جغرافيتهم الضيقة ومجبرين على إعادة هندسة تفاصيل حياتهم بأبسط الإمكانيات. وأمام هذا الواقع المؤلم، يبقى التساؤل المشروع: إلى متى سيبقى المواطن يدفع فاتورة عجزه حتى عن بلوغ لقمة عيشه سيراً على الأقدام أو متكدساً مع آخرين، وهل من طوق نجاة جدي ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة الى الوراء نريد ان نتقدم بالحلول ليس ان نعود الى نقطة الصفر .
موقع تقارير موقع تقارير