الذخائر الأميركية تنفد…هل استنزفت إيران وأوكرانيا ترسانة واشنطن؟
# علي ضاحي خاص takarir.net
لم تعد مسألة مخزون الذخائر الأميركية تفصيلاً تقنياً داخل وزارة الدفاع، بل تحولت إلى مشكلة استراتيجية تضغط على القرار العسكري الأميركي، بعدما كشفت حرب إيران أن الولايات المتحدة تملك قوة نارية هائلة، لكنها لا تملك بالضرورة المخزون الكافي لخوض حروب طويلة ومتزامنة مع قوى كبرى.
المعطيات الأخيرة شديدة الدلالة. فقد استخدمت الولايات المتحدة خلال حرب إيران كميات كبيرة من الصواريخ الهجومية والدفاعية، فيما تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن مخزون صواريخ باتريوت الأميركي انخفض بنحو 65%، ليصبح دون ألف صاروخ، بينما تراجع مخزون ثاد بنحو 38%، إلى ما يقارب 250 صاروخاً.
والأخطر أن الاستنزاف لم يقتصر على صواريخ الدفاع الجوي. فقد نقلت رويترز أن الجيش الأميركي استهلك خلال حرب إيران معظم مخزونه العالمي من صواريخ الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وبينها ATACMS وPrSM، وفق مصادر مطلعة على البيانات.
هنا تدخل أوكرانيا في المعادلة.
فواشنطن لم تبدأ الحرب مع إيران بمخازن ممتلئة. السنوات الماضية من الحرب الأوكرانية استنزفت كميات كبيرة من الذخائر الأميركية، وخصوصاً صواريخ الدفاع الجوي والذخائر الدقيقة، بعدما أصبحت الولايات المتحدة المورد الرئيسي لكييف في مواجهة الهجمات الروسية. ومع اندلاع حرب إيران، انتقل الاستنزاف من مساعدة الحلفاء إلى الاستخدام المباشر للجيش الأميركي.
ولهذا أصبحت المشكلة مزدوجة: أوكرانيا تحتاج الصواريخ، والقوات الأميركية تحتاج الصواريخ، والحلفاء الأوروبيون يحتاجونها أيضاً، بينما خطوط الإنتاج لا تستطيع تعويض الاستهلاك بالسرعة نفسها.
أوكرانيا تواجه بالفعل نقصاً حاداً في صواريخ باتريوت، فيما تطلب كييف مئات الصواريخ قبل الشتاء لحماية بنيتها التحتية من الهجمات الروسية. لكن واشنطن نفسها أصبحت أكثر حذراً في تقديم هذه الصواريخ، لأن مخزونها استُنزف خلال حرب إيران.
المشكلة إذن ليست في قدرة الولايات المتحدة على تصنيع السلاح، بل في الفجوة بين سرعة الاستهلاك وسرعة الإنتاج. صناعة الصواريخ المعقدة تحتاج إلى مصانع متخصصة، ومواد نادرة، وسلاسل توريد طويلة، ولا يمكن رفع الإنتاج بين ليلة وضحاها. ولهذا تتحدث تقديرات أميركية عن أن إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية.
الحرب الأوكرانية كشفت أن حرباً طويلة يمكن أن تستنزف مخزونات الغرب. أما حرب إيران فكشفت أن حرباً عالية الكثافة ضد دولة تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة يمكن أن تستهلك المخزون الأميركي بسرعة أكبر بكثير.
والسؤال الأخطر بالنسبة إلى البنتاغون ليس فقط: كم صاروخاً بقي؟
بل: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حرب ثانية كبيرة إذا اندلعت غداً؟
الصين هي الاسم الذي يفرض نفسه هنا. فإذا استنزفت واشنطن جزءاً كبيراً من صواريخها في إيران، فيما تحتاج أوكرانيا إلى المزيد، فإن أي مواجهة محتملة في المحيط الهادئ ستبدأ من نقطة مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل سنوات.
ولهذا بدأت واشنطن تتحرك لإعادة بناء ترسانتها. البنتاغون يضغط على شركات السلاح لرفع الإنتاج، فيما أعلنت شركات أميركية عن عقود وتوسعات كبيرة في إنتاج صواريخ الاعتراض والضربات الدقيقة. لكن زيادة الإنتاج تحتاج إلى وقت، بينما الحروب لا تنتظر خطوط الإنتاج.
الأهم أن نقص الذخائر بدأ يدخل في صلب القرار السياسي نفسه. فقد أفادت تقارير بأن الرئيس دونالد ترامب طالب وزير الدفاع بيت هيغسيث بتفسيرات حول تراجع مخزونات الذخائر، في وقت أصبحت فيه كمية الصواريخ المتوافرة عاملاً مؤثراً في خيارات واشنطن العسكرية تجاه إيران.
وهنا يمكن فهم جانب من التحول الأميركي من الحرب إلى التفاوض.
عندما يصبح مخزون الصواريخ جزءاً من حسابات الرئيس، فإن الحرب لا تعود مجرد قرار سياسي، بل تصبح أيضاً معركة ضد الساعة الصناعية.
تقارير اميركية
وتؤكد التقارير العسكرية أن الحرب مع إيران والدعم المستمر لأوكرانيا قد أثريا استنزافاً حقيقياً في ترسانة واشنطن من الصواريخ والذخائر المتقدمة.مظاهر الاستنزاف العسكري الأميركي
استهلاك الصواريخ الباليستية والدفاعية: تم إطلاق أكثر من 850 صاروخ “توماهوك” وأكثر من 1000 صاروخ دفاعي من منظومتي “باتريوت” و”ثاد”.
خسائر الطائرات المسيّرة: فقدت واشنطن نحو 25 بالمئة من أسطول طائرات “إم كيو-9 ريبر”، بقيمة تتجاوز 1.3 مليار دولار.
سحب المخزونات الإستراتيجية: اضطر البنتاغون إلى سحب ذخائر كانت مخصصة لقواعد ومناطق في آسيا وأوروبا لتعويض النقص.
حرب ايران: اختبار للسلاح الاميركي
إيران استنزفت الذخائر الأميركية مباشرة، وأوكرانيا استنزفتها بصورة غير مباشرة خلال السنوات الماضية. والنتيجة أن واشنطن تواجه اليوم معادلة لم تكن تريد ظهورها بهذه السرعة: جيش أميركي متفوق تكنولوجياً، لكنه يحتاج إلى سنوات لإعادة ملء بعض المخازن التي فرغت خلال أشهر من الحرب.
وهذه ربما تكون إحدى أهم نتائج حرب إيران: أنها لم تختبر قوة السلاح الأميركي فقط، بل اختبرت عمق الترسانة الأميركية وقدرة الصناعة العسكرية على تحمل حرب طويلة.
وفي الحروب الحديثة، قد لا يكون السؤال دائماً من يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل من يستطيع إنتاج الصاروخ التالي قبل أن ينفد المخزون.
وهنا تكمن المفارقة: أوكرانيا استنزفت مخزوناً أميركياً، وإيران كشفت عمق الاستنزاف، والصين تراقب.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
