شدّ حبال بين أميركا وإيران..”رقص” دبلوماسي على “حافة الهاوية” العسكرية!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد الأزمة الأميركية ـ الإيرانية تقف عند حدود تعثر جولة تفاوضية أو فشل وساطة جديدة، بل دخلت مرحلة أكثر حساسية تتقاطع فيها الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية مع محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل أي قرار حاسم. وبينما تتحدث واشنطن عن نفاد الوقت، تتمسك طهران بأوراقها التفاوضية، فيما تستعد إسرائيل لمجموعة واسعة من السيناريوهات.
وجاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتضع المشهد أمام معادلة شديدة الوضوح. فقد قال إن الولايات المتحدة قد تضرب إيران أو تتوصل معها إلى اتفاق، وإن على واشنطن اتخاذ القرار، مضيفاً أن الحرب ستنتهي قريباً جداً «بطريقة أو بأخرى». وهذه اللغة لا تعني بالضرورة أن قراراً عسكرياً قد اتُخذ، لكنها تعكس رفع مستوى التهديد وربط استمرار الحرب بمهلة سياسية تبدو أقصر من السابق.
تعثر الوساطة
ونقل موقع «أكسيوس» عن مصادر أن جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران لم تحقق تقدماً حتى الآن. وكانت الوساطة القطرية تحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين، لكن الخلافات بقيت قائمة حول شروط التسوية وترتيب الخطوات والضمانات المطلوبة من كل جانب.
وهنا تكمن إحدى العقد الأساسية: واشنطن تريد من طهران تقديم تنازلات ملموسة في الملفات التي تعتبرها أساسية قبل الانتقال إلى تخفيف واسع للضغوط، بينما تريد إيران مقابلاً واضحاً ومضموناً لأي تنازل تقدمه، بحيث لا تتحول خطواتها إلى تنازلات أحادية الجانب.
وبالتالي، فإن المشكلة لا تبدو في غياب قنوات الاتصال بقدر ما تكمن في غياب الثقة حول ما سيحصل بعد الخطوة الأولى.
روايتان حول الوفد الإيراني
وزاد المشهد تعقيداً التباين بين الرواية الأميركية والرواية الإيرانية بشأن مغادرة الوفد الإيراني نيويورك.
فبحسب مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس»، طالب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يوم الاثنين الوفد الإيراني بمغادرة نيويورك فوراً، بعد تعثر المفاوضات.
في المقابل، قالت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة إن وزير الخارجية عباس عراقجي غادر نيويورك وفق الموعد المحدد مسبقاً.
وقد يبدو الخلاف في ظاهره تفصيلاً بروتوكولياً، لكنه يحمل دلالة سياسية أوسع. فواشنطن تريد أن يظهر التعثر بوصفه نتيجة مباشرة لرفض طهران تقديم ما تعتبره تنازلات ضرورية، بينما تحاول طهران نفي أن تكون قد تعرضت لضغط أو طرد دبلوماسي، والإبقاء على رواية مفادها أن مغادرة عراقجي كانت مقررة سلفاً.
إيران أمام معادلة صعبة
السؤال الاستراتيجي الآن هو: كيف ستتعامل طهران مع تضييق هامش المناورة؟
أمام إيران مساران أساسيان، مع إمكانية الجمع بينهما. الأول هو العودة إلى التفاوض عبر الوسطاء وتقديم تنازلات محدودة ومدروسة تسمح بوقف التصعيد وفتح الباب أمام ترتيبات مرحلية. والثاني هو رفع مستوى الضغط المضاد واستخدام أوراق القوة الإقليمية والاقتصادية لتحسين شروط أي تفاوض لاحق.
لكن كلا المسارين يحمل كلفة.
فالتنازل الكبير قد يُقرأ داخلياً وخارجياً باعتباره تراجعاً تحت الضغط، في حين أن التصعيد غير المحسوب قد يمنح واشنطن مبرراً للانتقال من العقوبات والضغوط إلى خيارات عسكرية أكثر مباشرة.
ومن هنا قد تبحث طهران عن منطقة وسطى: لا صفقة شاملة الآن، ولا مواجهة شاملة بالضرورة، بل خطوات تكتيكية تسمح لها بالحفاظ على أوراق القوة وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
هرمز والاقتصاد في قلب المعادلة
وتزداد أهمية هذه الحسابات مع ارتباط الأزمة بملف مضيق هرمز والضغوط الاقتصادية والعقوبات. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفة الوضع على إيران وعلى الأسواق الإقليمية والدولية، لكن في المقابل فإن أي محاولة لفرض ترتيبات بالقوة حول المضيق يمكن أن توسع نطاق الأزمة بدلاً من حصرها في الملف الأميركي ـ الإيراني.
ولهذا فإن هرمز لا يمثل مجرد ورقة عسكرية؛ بل ورقة تفاوضية واقتصادية في آن واحد. وأي تفاهم حوله يمكن أن يشكل مدخلاً إلى تفاهم أوسع، كما أن أي تصعيد حوله قد يدفع الأزمة إلى مستوى مختلف تماماً.
إس.رائيل تراقب وتستعد
أما إس.رائيل، فتتعامل مع التطورات على أساس الاستعداد لسيناريوهات متعددة، خصوصاً في ظل ارتفاع مستوى الخطاب الأميركي ضد طهران وتعثر الوساطات.
وتكتسب المواقف الإس.رائيلية أهمية إضافية لأن أي انتقال من الضغط الأميركي إلى العمل العسكري ضد إيران لن يبقى محصوراً بالضرورة في الساحة الإيرانية، بل يمكن أن ينعكس على جبهات إقليمية متعددة.
لكن في الوقت نفسه، فإن الاستعداد الإس.رائيلي لمختلف الاحتمالات لا يعني أن قراراً بالحرب قد اتُخذ، تماماً كما أن تهديد ترامب بالضرب لا يعني تلقائياً أن الضربة باتت وشيكة. الفاصل بين التهديد والقرار يبقى مرتبطاً بنتائج الاتصالات، وحسابات الرد الإيراني، وموقف الحلفاء، وتقدير واشنطن لكلفة أي عمل عسكري.
بين الصفقة وكسر الإرادات
المفارقة أن الطرفين ما زالا يحتاجان إلى التفاوض، حتى في ذروة التصعيد.
واشنطن تريد اتفاقاً يحد من مصادر القلق المرتبطة بإيران ويضمن شروطاً تعتبرها ضرورية، بينما تحتاج طهران إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية ووقف مسار التصعيد الذي يهدد بتوسيع المواجهة.
لكن الوصول إلى اتفاق يتطلب أن يعتقد كل طرف أن الطرف الآخر لن يستخدم الاتفاق كمرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب أوراقه ثم العودة إلى التصعيد.
وهنا تبدو العقدة الحقيقية: ليست في معرفة ما إذا كان الطرفان يريدان الحرب أو السلام، بل في تحديد من سيقدم الخطوة الأولى، وما الذي سيحصل عليه مقابلها، وكيف يمكن ضمان عدم استغلالها من الطرف الآخر.
لذلك، فإن الساعات والأيام المقبلة قد تكون حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة. فإذا عادت الوساطات إلى إنتاج صيغة مقبولة، فقد يتحول التصعيد الحالي إلى أداة ضغط تفاوضية. أما إذا بقيت القنوات مسدودة واستمرت واشنطن في رفع سقف التهديد، مع تمسك طهران بمواقفها، فإن مساحة المناورة الدبلوماسية ستتقلص تدريجياً.
وفي هذه اللحظة تحديداً، لا تبدو المعركة بين واشنطن وطهران معركة صواريخ فقط، بل معركة توقيت وشروط وضمانات: من يملك القدرة على الانتظار أكثر، ومن يستطيع رفع كلفة الرفض على الآخر من دون أن يغلق الباب أمام التسوية؟
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
