“حرب سريعة” على لبنان وإيران..”طوق نجاة” لنتنياهو أم فخ انتخابي؟
علي ضاحي – خاص takarir.net
مع اقتراب الانتخابات الإس.رائيلية، يبرز سيناريو شديد الحساسية في الحسابات السياسية: ماذا لو تحولت المواجهة مع لبنان وإيران إلى حرب واسعة وسريعة، تنتهي خلال فترة محدودة بنتائج عسكرية تعتبرها القيادة الإس.رائيلية حاسمة؟
السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اندلاع مثل هذه الحرب، بل بما يمكن أن تتركه نتائجها على المشهد الانتخابي، وخصوصاً على صورة بنيامين نتنياهو الذي لطالما جعل الأمن ومواجهة إيران والتهديدات الإقليمية في صلب هويته السياسية.
فالحرب القصيرة ليست كالحرب الطويلة، والانتصار العسكري الواضح ليس كالمواجهة المفتوحة التي تستنزف الجيش والاقتصاد والجبهة الداخلية. وبين هذين السيناريوهين تتحدد طبيعة التأثير السياسي.
ورقة الأمن
يدخل نتنياهو أي مواجهة جديدة حاملاً رصيداً طويلاً من الخطاب السياسي الذي يقدمه باعتباره القائد الأكثر خبرة في التعامل مع التهديدات الإقليمية، ولا سيما إيران و«ح.زب الله».
وفي ظل التصعيد، يمكن أن تتقدم قضايا الأمن وحماية الجبهة الداخلية على الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بما يمنح الحكومة القائمة مساحة أكبر لإعادة تقديم نفسها بوصفها الجهة التي تقود البلاد في لحظة خطر.
لكن هذه المعادلة لا تعمل تلقائياً لمصلحة نتنياهو.
فالحرب نفسها تضع القيادة أمام اختبار جديد، وتفتح باباً لقياس قدرتها على تحقيق الأهداف التي أعلنتها، وحماية الجبهة الداخلية، وضبط الكلفة البشرية والاقتصادية، وتحديد نقطة واضحة لإنهاء المواجهة.
“الحرب الخاطفة”
إذا اندلعت مواجهة واسعة مع لبنان وإيران ثم انتهت خلال فترة قصيرة بضربات عسكرية كبيرة، وتراجع مستوى التهديد، ونجحت إس.رائيل في حماية جبهتها الداخلية، فقد تتمكن حكومة نتنياهو من تقديم النتيجة باعتبارها إنجازاً أمنياً وردعياً.
في هذه الحالة، يمكن أن يعود رئيس الوزراء إلى المساحة التي شكلت إحدى أبرز أوراقه السياسية: الأمن والقدرة على مواجهة الخصوم الإقليميين.
لكن تحويل الإنجاز العسكري إلى مكسب انتخابي يبقى مرتبطاً بكيفية قراءة الجمهور للنتيجة. فالحرب لا تُقاس فقط بحجم الضربات، وإنما أيضاً بمدى تحقق الأهداف، وحجم الخسائر، والمدة الزمنية، وما إذا كانت المواجهة انتهت فعلاً أم تحولت إلى مقدمة لجولات جديدة.
حين تنقلب المعادلة
أما إذا بدأت الحرب بعنوان «سريعة» ثم تحولت إلى استنزاف طويل، فالمشهد السياسي يصبح مختلفاً.
استمرار الصواريخ، ارتفاع الخسائر، تعطّل الاقتصاد، اتساع دائرة التعبئة والاحتياط، أو عدم وضوح النتائج العسكرية، كلها عوامل يمكن أن تنقل النقاش من سؤال «كيف واجهت الحكومة الخطر؟» إلى سؤال آخر أكثر صعوبة: ماذا حققت الحكومة مقابل كل هذه الكلفة؟
عندها قد يتحول الملف الأمني نفسه إلى ساحة مساءلة سياسية.
وهذه النقطة تحديداً تجعل الحرب سلاحاً ذا حدين بالنسبة إلى أي حكومة تدخل الانتخابات وهي في موقع المسؤولية.
آيزنكوت في المشهد
وتزداد حساسية الحسابات بسبب طبيعة المنافسة السياسية. فغادي آيزنكوت ليس منافساً مدنياً بعيداً عن المؤسسة الأمنية، بل رئيس أركان سابق، وبالتالي يستطيع مخاطبة الناخب الإسرائيلي من داخل التجربة العسكرية والأمنية نفسها.
وهذا يعني أن نتنياهو لن يكون بالضرورة قادراً على احتكار خطاب الأمن بمجرد اندلاع الحرب.
فإذا قدم نتنياهو نفسه باعتباره صاحب الخبرة السياسية اللازمة لإدارة مواجهة إقليمية معقدة، يستطيع آيزنكوت أن يركز على خبرته العسكرية، وعلى كيفية إدارة العمليات، وتحديد أهدافها، والتعامل مع اليوم التالي للحرب.
وبذلك قد تتحول المواجهة نفسها إلى منافسة على سؤال: من يملك التصور الأفضل لإدارة الحرب وما بعدها؟
جبهتان في آن
أما السيناريو الأكثر تعقيداً فيتمثل في حرب متزامنة مع إيران ولبنان. ففتح جبهتين في الوقت نفسه لا يعني فقط توسيع نطاق العمليات العسكرية، بل يرفع أيضاً مستوى الضغط على الجبهة الداخلية والاقتصاد والاحتياط والدفاعات الجوية والمنشآت الحيوية.
كما أن طبيعة المواجهة مع إيران تختلف عن طبيعة المواجهة مع لبنان، ما يجعل فكرة «الحرب السريعة» أكثر صعوبة كلما اتسعت الجبهات وتداخلت أهدافها.
ومن هنا، فإن الأيام الأولى للحرب قد لا تكون كافية للحكم على نتائجها. فالاختبار الحقيقي سيكون في القدرة على إنهائها، وتثبيت نتائجها، ومنع عودة التصعيد بعد توقف العمليات الرئيسية.
اختبار نتنياهو
بالنسبة إلى نتنياهو، يمكن لأي حرب جديدة أن تمنحه فرصة لإعادة الانتخابات إلى عنوان الأمن، لكنها في الوقت نفسه تضيف فصلاً جديداً إلى سجل حكومته في إدارة التهديدات الإقليمية.
فإذا خرجت إس.رائيل من المواجهة بنتيجة عسكرية واضحة وكلفة محدودة، يمكن لنتنياهو توظيفها سياسياً وتعزيز روايته حول قدرته على مواجهة المخاطر الخارجية.
أما إذا خرجت بحرب طويلة ومكلفة، أو بنتائج لا تتناسب مع سقف التوقعات التي سبقت المواجهة، فقد يصبح السؤال الأمني نفسه جزءاً من النقاش حول أداء الحكومة.
وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بما إذا كانت الحرب وقعت، بل بما إذا كانت القيادة استطاعت تحويلها إلى نتيجة سياسية وأمنية واضحة.
طوق نجاة أم فخ؟
لهذا يصعب اختزال السيناريو في معادلة بسيطة.
«حرب سريعة» بنتائج عسكرية واضحة قد تمنح نتنياهو مساحة لإعادة ترتيب المشهد حول الأمن والقيادة، لكنها لا تضمن تلقائياً مكسباً انتخابياً.
وفي المقابل، فإن حرباً طويلة أو مكلفة أو بلا حسم واضح قد تجعل الأمن، الذي يمثل إحدى أبرز أوراق نتنياهو السياسية، مدخلاً لمساءلة أدائه.
أما وجود آيزنكوت في المنافسة فيضيف بعداً آخر إلى المعادلة، لأنه يمنح الناخب الإسرائيلي خياراً ذا خلفية أمنية وعسكرية مباشرة، ويمنع تحويل الحرب بالضرورة إلى مواجهة بين «الخبرة الأمنية» و«غيابها».
موقع تقارير موقع تقارير
