الصراع بين اوكرانيا وروسيا يتمدد نحو اوروبا
الصراع بين اوكرانيا وروسيا يتمدد نحو اوروبا

المسيّرات والصواريخ ترسمان حرباً جديدة في أوكرانيا..والتصعيد يكبر بين روسيا و”الناتو”!

المسيّرات والصواريخ ترسمان حرباً جديدة في أوكرانيا.. والتصعيد يكبر بين روسيا و”الناتو”!

علي ضاحي – خاص takarir.net

لم تعد الحرب الروسية–الأوكرانية تُقاس فقط بما يتغير على خطوط التماس في دونباس والجنوب، بل بما يحدث فوق المدن والمنشآت الحيوية وعلى مسافات مئات الكيلومترات من الجبهة. فالمسيّرات والصواريخ باتت تفرض إيقاعاً جديداً على الحرب، وتحولت الضربات الجوية بعيدة المدى إلى أداة لإدارة الاستنزاف، واختبار الدفاعات، وضرب الاقتصاد والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه إلى وسيلة لتحسين شروط التفاوض قبل أي تسوية سياسية.

وفي الساعات الأخيرة، قدمت كييف ومحيطها الحدودي مع بولندا صورة مكثفة لهذا التحول؛ إذ تعرضت العاصمة الأوكرانية لموجات من الصواريخ والمسيّرات، أصابت مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم ومنشأة طبية ومواقع أخرى، فيما اندلعت الحرائق وتصاعدت أعمدة الدخان في قلب العاصمة، بينما أصابت مسيّرة نفاثة موقعاً قرب معبر ياغودين على مسافة تقارب كيلومترين من الحدود البولندية. ولم تعلن وارسو اختراق مجالها الجوي، لكنها رفعت جاهزية طيرانها ودفاعاتها الجوية، بما يعكس مقدار الحساسية التي باتت تتمتع بها كل ضربة تقع في غرب أوكرانيا.

سماء مستنزفة

الأهم في التطور الأخير ليس عدد المسيّرات وحده، وإنما نوعية السلاح الذي بدأ يدخل بصورة أكبر إلى المعركة. فقد قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن روسيا أطلقت في إحدى موجات الهجوم 120 مسيّرة، بينها 90 مسيّرة نفاثة، وإن معدل اعتراض هذا النوع بلغ 57 في المئة وفق الأرقام الأوكرانية. وتتميز المسيّرات النفاثة بسرعة وارتفاع أكبر من المسيّرات التقليدية، الأمر الذي يضغط على منظومات الدفاع الجوي ويقلل زمن الاستجابة أمامها.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات العسكرية في الحرب: لم يعد التحدي الأوكراني محصوراً في امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بكلفة الاعتراض وسرعته وكثافة الهجوم. فإسقاط هدف رخيص نسبياً بصاروخ اعتراض باهظ الثمن لا يمكن أن يكون حلاً مستداماً إذا كان المهاجم قادراً على إنتاج وإطلاق أسراب متتالية من المسيّرات.

ولهذا بدأت كييف تدفع باتجاه تطوير مسيّرات اعتراضية محلية أسرع، تستطيع التعامل مع المسيّرات النفاثة بكلفة أقل، فيما تبقى صواريخ «باتريوت» وغيرها من المنظومات الغربية مورداً حاسماً ومحدوداً. وتؤكد التطورات الأخيرة أن معركة الدفاع الجوي أصبحت في حد ذاتها سباقاً صناعياً وتكنولوجياً واستنزافياً، وليس مجرد مواجهة بين صاروخ وآخر.

كييف تحت النار

ما جرى في كييف خلال الأيام الأخيرة يكشف أيضاً اتساع قائمة الأهداف التي تدخل ضمن الحرب الجوية الروسية. فقد طالت الضربات منشآت للسكك الحديدية ومستودعات ومحطات وقود ومنشآت اتصالات، كما أصيبت منشأة طبية ومبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم في العاصمة، فيما أظهرت المشاهد ألسنة اللهب وهي تلتهم أجزاء من المبنى التاريخي للأكاديمية.

ولا يمكن فصل هذه الضربات عن معركة أوسع على قدرة الدولة الأوكرانية على الاستمرار خلال الشتاء. فروسيا تضغط على الطاقة والنقل والوقود والاتصالات، بينما تحاول أوكرانيا ضرب المنشآت النفطية والطاقة الروسية في العمق، بما يجعل البنية التحتية الاقتصادية نفسها جزءاً من ميزان الحرب.

وهنا تتحول الطاقة إلى سلاح تفاوضي. فقد ناقش ترامب وزيلينسكي في نيويورك إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار يستهدف منشآت الطاقة، بينما قالت كييف إنها منفتحة على صيغة لوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، من دون أن تتخلى عن حقها في استهداف المنشآت الروسية. وفي المقابل، أبدت موسكو استعداداً مشروطاً لفكرة الهدنة المتعلقة بالطاقة، مع طرح قضايا أخرى تتصل بالعقوبات والصادرات البحرية.

وهكذا تصبح الصواريخ والمسيّرات جزءاً من التفاوض نفسه: كلما امتلك طرف قدرة أكبر على إيلام العمق، امتلك ورقة ضغط إضافية على الطاولة السياسية.

الحدود تقترب

حادثة المسيّرة الروسية قرب معبر ياغودين لا تعني، وفق المعطيات المتاحة، أن روسيا هاجمت بولندا أو اخترقت أراضي الناتو؛ فقد أكدت وارسو أن مجالها الجوي لم يُنتهك، لكنها دفعت بطائراتها ورفعت جاهزية دفاعاتها الجوية بصورة احترازية.

لكن أهمية الحادث تتجاوز الأضرار المباشرة، لأن المسافة الجغرافية بين الحرب وحدود الناتو تضيق عملياً مع تطور مدى الأسلحة وسرعتها وكثافة استخدامها.

ولم تعد الحدود الغربية لأوكرانيا مجرد خط جغرافي يفصل الحرب عن أراضي حلف شمال الأطلسي، بل تحولت إلى منطقة احتكاك استراتيجية تتقاطع فيها الضربات الروسية مع منظومات الإنذار والدفاع الجوي للحلف. فالمسيّرة التي سقطت قرب ياغودين لم تدخل المجال الجوي البولندي وفق المعطيات المعلنة، لكن اقتراب الضربة من الحدود يكشف إلى أي مدى باتت العمليات الروسية تلامس البيئة الأمنية للحلف.

وفي المقابل، لا تتعامل دول الناتو مع هذا التطور باعتباره مجرد حادث حدودي؛ إذ ترفع بولندا جاهزية قواتها الجوية عند رصد موجات روسية باتجاه غرب أوكرانيا، فيما تعزز دول أوروبا الشرقية قدراتها في الدفاع الجوي والصاروخي والمسيّرات. وهكذا تنشأ معادلة دقيقة: روسيا توسّع مدى وكثافة أدواتها الهجومية، والناتو يوسّع نطاق المراقبة والاستعداد والاعتراض من دون الانخراط رسمياً في حرب مباشرة مع موسكو.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع توسع الدعم الغربي لكييف، من مقاتلات «إف-16» إلى الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي، لأن موسكو تنظر إلى هذا الدعم باعتباره جزءاً من مواجهة أوسع مع الغرب، بينما تؤكد دول الناتو أن دعم أوكرانيا لا يعني الدخول في حرب مباشرة مع روسيا.

وبين الموقفين، تصبح أي مسيّرة أو صاروخ يقترب من حدود الحلف قادراً على خلق أزمة تتجاوز قيمته العسكرية المباشرة. ولذلك فإن التصعيد الحالي لا يعني بالضرورة انتقال الحرب إلى مواجهة روسية–أطلسية مباشرة، لكنه يعني أن هامش الخطأ يضيق، وكلما ازدادت كثافة الضربات بعيدة المدى وتطورت المسيّرات النفاثة واتسعت عمليات الدفاع والاعتراض قرب الحدود، ارتفعت احتمالات الحوادث وسوء التقدير.

إف-16 في المعادلة

وتأتي الصفقة الجديدة بين كييف وبروكسل. فقد أعلن زيلينسكي اليوم أن هناك اتفاقاً لتسليم أوكرانيا ثلاث مقاتلات «إف-16» قبل نهاية عام 2026 بإجراءات معجّلة، إضافة إلى وصول شحنات عاجلة من ذخائر مخصصة لهذه الطائرات من بلجيكا وإسبانيا ودول أخرى.

ولا ينبغي النظر إلى الطائرات الثلاث باعتبارها تغييراً منفرداً في ميزان القوة، بل باعتبارها جزءاً من منظومة أكبر تضم الطائرات والذخائر والرادارات والدفاع الجوي والقدرة على اكتشاف المسيّرات واعتراضها.

كما أن توقيت الإعلان يحمل دلالة سياسية وعسكرية، إذ يأتي بينما تعمل روسيا على إدخال مسيّرات نفاثة أسرع إلى ساحة المعركة، وتحتاج أوكرانيا إلى توسيع قدرتها على حماية أجوائها واعتراض الأهداف بعيدة المدى.

ومن اللافت أيضاً أن بلجيكا نفسها أعلنت في اليوم ذاته عقداً بقيمة تقارب 1.04 مليار دولار للحصول على منظومات «NASAMS» للدفاع الجوي، ما يعكس أن القلق من تطور الحرب الجوية لا يقتصر على أوكرانيا، بل يدفع الدول الأوروبية نفسها إلى إعادة بناء دفاعاتها الجوية.

وهكذا لا تعني «إف-16» مجرد إضافة إلى الأسطول الأوكراني، بل تدخل في معركة أوسع عنوانها السيطرة على المجال الجوي، وحماية البنية التحتية، ورفع كلفة الضربات الروسية، وربط الدفاع الأوكراني بشبكة أمنية وتقنية غربية أوسع.

موسكو تغيّر وظيفة الحرب

ولا تبدو موسكو وكأنها تتعامل مع الضربات الجوية باعتبارها مجرد عمليات تكتيكية محدودة. فقد توسعت خلال الصيف في استهداف البنية الاقتصادية واللوجستية الأوكرانية، فيما ترد كييف بضربات بعيدة المدى على المنشآت العسكرية والطاقة الروسية.

وفي الخطاب السياسي، يواصل الكرملين تقديم الحرب باعتبارها مرتبطة بأمن روسيا ومواجهة ما تعتبره موسكو تهديداً غربياً متصاعداً. وفي 29 أيلول قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن أوروبا «تشن حرباً» على روسيا، مستنداً إلى الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا.

وهذا توصيف روسي للصراع، في مقابل الموقف الأوروبي الذي يعتبر الحرب الروسية على أوكرانيا مصدر التهديد الأساسي للأمن الأوروبي. وتبقى هذه التوصيفات جزءاً من السجال السياسي حول طبيعة الحرب ومسؤولية استمرارها.

هذه الحرب الخطابية ليست منفصلة عن الحرب العسكرية، لأن موسكو تحاول من خلالها تقديم الصراع باعتباره مواجهة أوسع مع الغرب، بينما تسعى كييف والدول الأوروبية إلى إبقاء الحرب في إطار مواجهة روسية ضد دولة أوكرانية ذات سيادة، مع تحميل موسكو مسؤولية استمرار العمليات.

واشنطن بين الحرب والتفاوض

المشهد الأميركي أكثر تعقيداً، لأن واشنطن تتحرك في اتجاهين متوازيين: دعم مسار التفاوض، والاستمرار في إدارة العلاقة العسكرية والسياسية مع كييف وموسكو.

فبعد لقاء ترامب وزيلينسكي في نيويورك، بحث المبعوث الروسي كيريل دميترييف في واشنطن مع مسؤولين أميركيين سبل التوصل إلى حل سلمي للحرب، إلى جانب أفكار تتعلق بالتعاون في مجال الطاقة بعد انتهاء الحرب. وتأتي هذه الاتصالات بعد لقاءات أجراها مبعوثا ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع بوتين في موسكو.

لكن استمرار الضربات في الوقت نفسه يوضح أن الدبلوماسية لم تستطع حتى الآن فصل المسار السياسي عن منطق القوة. فكل طرف يدخل التفاوض وهو يحاول تحسين موقعه العسكري، ولذلك تستمر الحرب الجوية بالتوازي مع الاتصالات السياسية.

وتبدو فكرة الهدنة المحدودة في قطاع الطاقة أكثر قابلية للنقاش من تسوية شاملة، لأنها تسمح للطرفين باختبار الالتزام من دون الدخول فوراً في الملفات الأصعب، مثل الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا العسكري وعلاقة روسيا بالغرب.

لكن المسألة الأهم هي أن أي مسار تفاوضي سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف على ضبط مستوى التصعيد. فكل ضربة جديدة في العمق، وكل حادث قرب حدود الناتو، وكل منظومة دفاع جوي جديدة، يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى طاولة المفاوضات.

حرب الخوارزمية

لكن التطور الأكثر استراتيجية ربما يقع خارج الجبهة المباشرة، في جنيف ونيويورك، حيث بدأ العالم يناقش سؤالاً لم يعد نظرياً: من يملك قرار إطلاق النار عندما تصبح الآلة قادرة على اكتشاف الهدف واختياره والتعامل معه بسرعة تفوق قدرة الإنسان؟

ففي ايلول اختتمت الأمم المتحدة اجتماعاً حول أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل من دون التوصل إلى معاهدة ملزمة، بينما أبقى النص الباب مفتوحاً أمام خطوات إضافية في نوفمبر. وفي المفاوضات، واجهت الجهود الرامية إلى وضع قيود أقوى مقاومة من الولايات المتحدة وروسيا.

وبحسب تقرير «واشنطن بوست» المستند إلى مصادر مطلعة ووثائق، أزيلت من النص خلال الساعات الأخيرة من المفاوضات صيغ تتعلق بضرورة أن تكون الأنظمة قابلة للتنبؤ وموثوقة، وبأخذ الاعتبارات الأخلاقية في الاعتبار، وبمراجعة بشرية للأهداف التي تحددها أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل تنفيذ الضربة. وهذه رواية صحافية عن مفاوضات مغلقة وليست نصاً نهائياً لمعاهدة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة عند النظر إلى حرب أوكرانيا، لأن ساحة المعركة أصبحت مختبراً عملياً لتقنيات الاستطلاع والاستهداف والطائرات المسيّرة والاعتراض الآلي. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر من مخاطر منح الآلات قدرة مستقلة على استهداف البشر، ودعوا إلى قواعد قانونية ملزمة.

بمعنى آخر، الحرب الروسية–الأوكرانية لا تختبر فقط مستقبل الحدود الأوروبية، وإنما تختبر أيضاً مستقبل الحرب نفسها، حيث تتقدم الخوارزميات والمسيّرات والأنظمة الذاتية بسرعة أكبر من قدرة النظام الدولي على وضع قواعد حاكمة لاستخدامها.

بين الميدان وطاولة التفاوض

المشهد الحالي يقدم مفارقة واضحة: كلما ارتفعت وتيرة الحديث عن السلام، ارتفع في المقابل مستوى الاستثمار في أدوات الحرب بعيدة المدى.

روسيا تضاعف الضغط الجوي وتطور المسيّرات النفاثة، وأوكرانيا تطور مسيّرات الاعتراض وتوسع قدرتها على الضرب في العمق، وأوروبا تزيد استثماراتها في الدفاع الجوي، وبلجيكا تسرّع تسليم مقاتلات «إف-16»، فيما تتحرك واشنطن وموسكو في قنوات دبلوماسية موازية بحثاً عن صيغة لإنهاء الحرب أو على الأقل تجميد بعض مسارات التصعيد.
ويواصل الطرفان استخدام الطاقة والوقود والنقل والاتصالات والصناعة العسكرية باعتبارها ساحات ضغط متبادلة، بحيث لم يعد معنى «الجبهة» مرتبطاً بخط جغرافي واحد.

والأكثر دلالة أن روسيا باتت تضرب أهدافاً على مسافات بعيدة باستخدام موجات كثيفة من المسيّرات والصواريخ، فيما تحاول أوكرانيا نقل المعركة إلى العمق الروسي من خلال استهداف مصافي النفط والمنشآت العسكرية. وبذلك أصبحت قدرة كل طرف على الوصول إلى العمق جزءاً من معادلة الردع، وليس مجرد تفصيل عملياتي.

وفي هذه المعادلة، يدخل الناتو بصورة متزايدة في تفاصيل البيئة الأمنية للحرب من خلال الدفاع الجوي والمراقبة والدعم العسكري، من دون أن يعني ذلك أن الحلف أصبح طرفاً مباشراً في الحرب. لكن كلما اقتربت الضربات من حدوده، أصبح الفصل بين الحرب داخل أوكرانيا والأمن الأوروبي أكثر صعوبة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

طهران: رفض واشنطن لا يعني تراجعها عن ثوابتها

بعد رفض ترامب..إيران ترد بتثبيت شروطها وترفع سقف الردع!

بعد رفض ترامب..إيران ترد بتثبيت شروطها وترفع سقف الردع! # علي ضاحي–خاص takarir.net لم يتأخر …