القوة «تَبطش» بالقانون الدولي…لهذه الأسباب حَضر نتنياهو وغَاب بوتين عن منبر نيويورك!
علي ضاحي–خاص takarir.net
لم يكن المشهد في نيويورك مجرد تفصيل بروتوكولي في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حين وقف رئيس الوزراء الإس.رائيلي بنيامين نتنياهو أمام المنبر الدولي، بينما غاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن المشهد، في وقت يحمل فيه الرجلان مذكرتي توقيف صادرتين عن المحكمة الجنائية الدولية.
المفارقة التي أثارت جدلاً واسعاً لا تختصرها صورة رئيس يقف على منصة وآخر لا يقف عليها، بل تفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث للقانون الدولي عندما يصطدم بإرادة القوى الكبرى ومصالحها وتحالفاتها؟
مذكرة لبوتين وأخرى لنتنياهو
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 17 آذار 2023 مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين، في إطار قضية أوكرانيا، على خلفية اتهامات بارتكاب “جرائم حرب” تتعلق بالترحيل والنقل غير القانوني لأطفال من مناطق أوكرانية محتلة إلى روسيا.
وبعد أكثر من عام، وفي 21 تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإس.رائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.
وهنا يبدأ التناقض الذي يستوقف الرأي العام. فالرجلان مطلوبان بموجب قرارات صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، لكن مسار حضورهما السياسي والدبلوماسي داخل النظام الدولي لم يكن متطابقاً.
ومع ذلك، فإن اختزال المسألة بالقول إن «المحكمة منعت بوتين من الأمم المتحدة وسمحت لنتنياهو بالحضور» سيكون تبسيطاً قانونياً وسياسياً غير دقيق.
فبوتين لم يكن ببساطة مدرجاً كمتحدث شخصي في اجتماعات الجمعية العامة الحالية، بينما تمثلت روسيا بوزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي شارك في اجتماعات دبلوماسية في نيويورك.
إذن، المسألة ليست قراراً قضائياً مباشراً يقول إن بوتين ممنوع من منصة الأمم المتحدة، وإنما شبكة أكثر تعقيداً من الاعتبارات القانونية والدبلوماسية والسياسية.
حين تصطدم المحكمة بالقوة
المحكمة الجنائية الدولية تستطيع إصدار مذكرات التوقيف، لكنها لا تمتلك شرطة دولية خاصة بها لتنفيذها في كل مكان. وهذه إحدى أبرز نقاط الضعف البنيوية في العدالة الجنائية الدولية.
فالمحكمة تعتمد إلى حد كبير على تعاون الدول لتنفيذ أوامرها. وعندما تكون الدولة المعنية قوية عسكرياً وسياسياً، أو عندما يحظى المسؤول المطلوب بدعم دولة كبرى، تصبح المسافة بين القرار القضائي وتنفيذه على الأرض أكثر اتساعاً.
وهنا تدخل السياسة من أوسع أبوابها. القانون يستطيع أن يقول إن هناك مذكرة توقيف، لكنه يحتاج إلى الدول كي تتحول المذكرة إلى اعتقال فعلي.
والدول لا تتحرك في فراغ قانوني فقط، بل داخل منظومة من المصالح والتحالفات والحسابات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.
نتنياهو في نيويورك
حضور نتنياهو أمام الجمعية العامة لا يعني أن مذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية سقطت أو أُلغيت، كما أن وجوده في مقر الأمم المتحدة لا يمنحه حصانة من قرار المحكمة.
لكن المشهد حمل دلالة سياسية واضحة: رئيس حكومة صدرت بحقه مذكرة توقيف من أعلى محكمة جنائية دولية، يستطيع الوصول إلى منبر الأمم المتحدة وإلقاء خطاب سياسي والدفاع عن سياسات حكومته، في الوقت الذي تواصل فيه المحكمة إجراءاتها القضائية ضده.
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين القوة القانونية للقرار والقدرة السياسية على فرض نتائجه.
واشنطن في قلب المعادلة
ولا يمكن فصل هذه القضية عن موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية. فأميركا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وقد عارضت في مراحل مختلفة اختصاص المحكمة على مواطنيها وعلى دول غير أطراف في النظام الأساسي.
وخلال إدارة ترامب، تصاعدت المواجهة مع المحكمة على خلفية مذكرات التوقيف المتعلقة بمسؤولين إس.رائيليين، وصولاً إلى إجراءات وعقوبات أميركية استهدفت مسؤولين في المحكمة.
المحكمة تقول إن قراراتها تستند إلى قواعد قانونية واختصاص قضائي، بينما تقول الولايات المتحدة وإس.رائيل إن المحكمة تجاوزت حدود اختصاصها في ملفات معينة.
وبين الموقفين تقف مسألة جوهرية: هل يستطيع القضاء الدولي ممارسة استقلاله عندما تصل قراراته إلى مصالح دولة عظمى أو حليف استراتيجي لها؟
بوتين.. الوجه الآخر للمشهد
في المقابل، فإن غياب بوتين عن منصة الجمعية العامة لا يمكن تفسيره ببساطة على أنه نتيجة مباشرة لمذكرة التوقيف. روسيا دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتملك أدوات سياسية ودبلوماسية واسعة داخل النظام الدولي، لكنها تواجه في الوقت نفسه عزلة وضغوطاً غربية واسعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
ومثلت موسكو في الجمعية العامة الحالية بوزير الخارجية سيرغي لافروف، بما يؤكد أن روسيا نفسها لم تغب عن المنبر الأممي، وإن غاب رئيسها شخصياً.
وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: ليس السؤال فقط من دخل إلى القاعة ومن بقي خارجها، بل لماذا يستطيع النظام الدولي التعامل مع المذكرات القضائية بطرق مختلفة تبعاً للسياق السياسي والدبلوماسي المحيط بكل حالة؟
القانون أمام امتحان القوة
المشكلة الأعمق لا تتعلق ببوتين أو نتنياهو وحدهما. إنها تتعلق بمستقبل فكرة العدالة الدولية نفسها.
عندما تصدر محكمة دولية مذكرة توقيف، يفترض أن يكون القرار قائماً على قواعد قانونية لا تتغير بتغير اسم المتهم أو قوة الدولة التي ينتمي إليها.
لكن التطبيق العملي للقانون الدولي يجري داخل عالم تحكمه الدول، وتؤثر فيه القوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات والفيتو والمصالح الاستراتيجية.
وهنا تحديداً تظهر العبارة الأكثر قسوة في المشهد الدولي: القانون قد يكون واحداً على الورق، لكن القوة هي التي تحدد أحياناً مساحة حركته على الأرض.
ولذلك فإن صورة نتنياهو على منصة الأمم المتحدة، مقابل غياب بوتين شخصياً عنها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود معيار قانوني مزدوج، لكنها تكشف حجم التوتر بين القانون الدولي والنظام السياسي الذي يفترض أن يحميه.
موقع تقارير موقع تقارير
