بائع خردة «يحتجز» طريق المطار… والروح تساوي حجراً!
جبريل – ط – نعمة خاص takarir.net
تبدو بعض الحوادث في شوارع لبنان وكأنها مشاهد عابرة، لكنها في حقيقتها تكشف واقعاً مقلقاً حين يتحول طريق عام إلى مساحة للعبث بحياة الناس، وحين يصبح حجر صغير قادراً على إنهاء حياة إنسان.
طريق المطار الدولي في بيروت ليس مجرد طريق يعبره المسافرون يومياً، بل شريان حيوي وواجهة للبنان. ومع ذلك، شهد هذا الطريق في الأيام الأخيرة مشاهد مؤلمة، بين عبث يهدد الأرواح وسرقات تستهدف المواطنين في وضح النهار.
حين يصبح الحجر سلاحاً
قبل أيام، اهتز الرأي العام أمام حادثة شاب أقدم على إلقاء الحجارة من فوق جسر باتجاه السيارات العابرة، في سلوك بالغ الخطورة كان يمكن أن يحوّل الطريق إلى ساحة للموت.
وبحسب ما أظهرته التحقيقات وإفادته، فإن الشاب يعمل بائع خردة، وكان يعمد إلى رمي الحجارة على السيارات عندما يشعر بالضيق، قبل أن يشعر، بحسب إفادته، بالراحة بعد إلقائها.
أي مفارقة أكثر قسوة من أن يجد إنسان راحته في فعل يمكن أن يحرم إنساناً آخر حياته؟
الحجر، في ذاته، مجرد قطعة من الصخر، لكن عندما يُلقى من علوّ باتجاه سيارة تسير بسرعة، يصبح قادراً على كسر الزجاج، وإصابة السائق، وفقدانه السيطرة على مركبته، وربما إنهاء حياة أشخاص لا ذنب لهم.
وهنا لا تعود القضية قضية حجر، بل قضية روح بشرية يمكن أن تكون في المقعد خلف الزجاج.
أي راحة فوق حياة الآخرين؟
أن يشعر إنسان بالضيق أمر يمكن فهمه، وأن يبحث عن وسيلة للتخفيف من ألمه أمر إنساني، لكن أن تتحول تلك الحالة إلى سلوك يعرّض حياة الأبرياء للخطر، فهنا يصبح الأمر مختلفاً تماماً.
فالطريق ليس مكاناً لتفريغ الغضب، والسيارة العابرة ليست هدفاً، وحياة الناس ليست وسيلة لاستعادة التوازن النفسي.
قد يبدأ الأمر بحجر، لكن النهاية قد تكون سيارة محطمة، أو إنساناً مصاباً، أو عائلة فقدت أحد أفرادها إلى الأبد.
الردع قبل أن تقع الفاجعة
من هنا، فإن سرعة تحرك القوى الأمنية وتوقيف المتسبب بهذا السلوك تشكل خطوة أساسية في حماية الناس ومنع تكرار مثل هذه الأفعال.
الأمن لا يعني فقط الوصول إلى الجريمة بعد وقوعها، بل يعني أيضاً منع الخطر قبل أن يتحول إلى مأساة. فالطرق العامة ملك للناس جميعاً، ومن حق كل مواطن أن يسلكها من دون أن يخشى حجراً طائشاً أو اعتداءً مفاجئاً.
ومن هنا تأتي أهمية الحزم في التعامل مع كل من يستهين بحياة الآخرين، أياً كانت دوافعه أو ظروفه.
سرقة في وضح النهار
وإذا كان العبث بالأرواح يهدد حياة الإنسان، فإن السرقة تهدد كرامته وحقه في ثمرة تعبه. ولم يكن طريق المطار بعيداً عن مشاهد أخرى مؤلمة، مع تسجيل عمليات سرقة تستهدف المواطنين في وضح النهار. وهي ظاهرة لا يجوز التعامل معها وكأنها تفصيل صغير في بلد أنهكته الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
نعم، الفقر قاسٍ، والحاجة موجعة، والظروف المعيشية صعبة، لكن العوز لا يمنح الإنسان حقاً في مال غيره، كما أن الحاجة لا تجعل الحرام حلالاً.
فالعمل الشريف، مهما كان شاقاً ومتواضعاً، يبقى أكرم من مال يأتي عبر سرقة إنسان آخر. لقمة الخبز التي تأتي من تعب اليد قد تكون قليلة، لكنها تحفظ لصاحبها كرامته؛ أما المال المسروق فلا يحمل معه سوى حق مغتصب ووجع إنسان آخر.
الأمان ليس ترفاً
اللبناني الذي يسلك طريق المطار، أو أي طريق آخر، لا يطلب معجزة. يريد فقط أن يصل إلى وجهته سالماً، وأن يحمل أمواله وممتلكاته من دون خوف، وأن يثق بأن القانون يقف إلى جانبه إذا تعرض للاعتداء.
ولهذا فإن مكافحة السرقات، وردع المعتدين، وتعزيز الانتشار الأمني، ومحاسبة من يعرّض حياة الناس للخطر، ليست إجراءات شكلية، بل جزء من أبسط حقوق المواطن.
وفي الوقت نفسه، فإن معالجة أسباب الفقر والبطالة والحاجة تبقى مسؤولية وطنية، لأن المجتمع الذي يريد خفض الجريمة لا يكتفي بالعقوبة، بل يبحث أيضاً عن سبل تحمي الإنسان من اليأس والحاجة.
لكن معالجة الأسباب لا تعني تبرير الجريمة، كما أن التعاطف مع المحتاج لا يعني التسامح مع من يعتدي على حياة الناس أو أموالهم.
عيون لا تنام
تحية إلى القوى الأمنية التي تواصل السهر في ظروف بالغة الصعوبة، وتتحمل مسؤولية حماية المواطنين وملاحقة من يهدد سلامتهم.
وطريق المطار تحديداً يستحق عناية مضاعفة، فهو شريان حيوي وواجهة للبنان، ولا يجوز أن يتحول إلى مكان يخشى فيه الإنسان على حياته أو ماله.
قد يكون الحجر صغيراً، وقد يبدو إلقاؤه فعلاً عابراً في نظر من يرتكبه، لكن خلف زجاج السيارة إنسان، وله أهل ينتظرونه، وأبناء يحتاجون إليه، وحياة كاملة لا يمكن تعويضها.
فالروح ليست حجراً، والخبز ليس غنيمة، والأمان ليس ترفاً. حفظ الله لبنان وأهله، وحمى المواطنين الأبرياء، وأدام على وطننا الأمن والسلام.
موقع تقارير موقع تقارير