هدنة الطاقة من نيويورك إلى البحر الأسود: هل تَحُل واشنطن عقدة الحرب الروسية ـ الأوكرانية؟
علي ضاحي – خاص takarir.net
دخل الملف الروسي ـ الأوكراني في الساعات الأخيرة مرحلة دقيقة تتجاور فيها لغة النار مع لغة التفاوض، بعدما أعادت واشنطن تحريك قنوات الاتصال مع موسكو وكييف عبر مقترح يبدو محدودًا في شكله، لكنه يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز وقف استهداف منشآت الطاقة، وصولًا إلى البحر الأسود وممر الحبوب وإمكان الانتقال لاحقًا إلى مفاوضات سياسية أوسع.
المشهد حتى مساء امس لا يسمح بالحديث عن اختراق حاسم أو اقتراب اتفاق سلام شامل، لكنه يكشف عن محاولة أميركية لبناء سلّم تفاوضي يبدأ من الملفات الأقل تعقيدًا، بدل القفز مباشرة إلى القضايا التي عطّلت التسوية طوال السنوات الماضية، وفي مقدمها الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل علاقة أوكرانيا بالغرب.
طاقة تحت النار
في قلب المبادرة الحالية يقف اقتراح وقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، وهو ملف اكتسب أهمية متزايدة بعدما تحولت المنشآت النفطية والكهربائية إلى جزء أساسي من الحرب بعيدة المدى.
كييف كثفت ضرباتها على المصافي والمنشآت النفطية الروسية، بينما واصلت موسكو استهداف البنية التحتية للطاقة داخل أوكرانيا، الأمر الذي جعل قطاع الطاقة جبهة موازية للجبهة البرية.
وتبدو فكرة «هدنة الطاقة» أكثر من مجرد إجراء إنساني؛ فهي يمكن أن تكون اختبارًا أوليًا لقدرة الطرفين على الالتزام بوقف محدود يمكن مراقبته، تمهيدًا للانتقال إلى ملفات أكثر صعوبة.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن استعداد كييف لوقف ضرب منشآت الطاقة الروسية إذا كان الوقف متبادلًا، فيما لم تقدم موسكو حتى الآن موافقة نهائية معلنة على الصيغة.
وهنا تكمن العقدة: فالهدنة لا تحتاج فقط إلى موافقة سياسية، بل إلى تعريف واضح لما يدخل تحت عنوان «منشأة طاقة»، وآلية مراقبة، وتحديد مدة الوقف، وكيفية التعامل مع الخروقات.
دميترييف في نيويورك
في الوقت نفسه، اكتسب وجود المبعوث الروسي كيريل دميترييف في نيويورك أهمية خاصة، بعدما كان متوقعًا أن يجري اتصالات مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
وجود دميترييف في الولايات المتحدة يعكس استمرار قناة اتصال روسية ـ أميركية مستقلة نسبيًا عن مسار التفاوض المباشر بين موسكو وكييف، وهي قناة أصبحت خلال الأشهر الماضية واحدة من أدوات واشنطن لمحاولة اختبار إمكانات التسوية.
وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف عندها، لأن الولايات المتحدة تبدو وكأنها تحاول بناء التفاوض على مسارين متوازيين: قناة مع موسكو لفهم الحدود التي يمكن أن تقبل بها روسيا، وقناة مع كييف لضمان ألا يتحول أي تفاهم أميركي ـ روسي إلى صيغة ترفضها القيادة الأوكرانية.
لقاء ثلاثي؟
وانتشرت تقارير عن احتمال عقد اجتماع روسي ـ أميركي ـ أوكراني في نيويورك، إلا أن كييف وموسكو نفتا انعقاد مثل هذا الاجتماع.
وبالتالي فإن الأدق هو الحديث عن اتصالات روسية ـ أميركية نشطة في نيويورك، وعن محاولة أميركية لبناء طريق يقود لاحقًا إلى لقاء ثلاثي، وليس عن مفاوضات ثلاثية بدأت فعليًا.
وتبرز أبوظبي كإحدى الساحات المحتملة لأي اجتماع مستقبلي، بعدما تحولت خلال مراحل سابقة من الحرب إلى مساحة استضافت اتصالات وتبادلات بين الأطراف.
البحر الأسود يدخل المعادلة
المقترح الأميركي لا يقف عند الطاقة، بل يتصل بإعادة فتح ممر الحبوب في البحر الأسود، وهو ملف يحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية لكل من روسيا وأوكرانيا والأسواق العالمية.
البحر الأسود ليس مجرد طريق تجاري؛ فهو مساحة تتقاطع فيها قضايا الملاحة والأمن البحري والصادرات الزراعية والطاقة والعقوبات الغربية والنشاط البحري الروسي والأوكراني.
ولهذا فإن أي تفاهم بشأن البحر الأسود يمكن أن يتحول إلى اختبار أوسع: هل يستطيع الطرفان فصل بعض الملفات الاقتصادية والإنسانية عن الحرب العسكرية؟
كما أن الحديث عن حرية الملاحة والقيود المفروضة على صادرات النفط الروسية، بما في ذلك النقاش المتصل بما يسمى «أسطول الظل»، يجعل البحر الأسود جزءًا من معادلة أوسع تتجاوز القمح الأوكراني وحده.
الحرب مستمرة
المفارقة الكبرى أن التحرك الدبلوماسي يجري بينما تستمر الحرب بكثافة. خلال الساعات الأخيرة، تعرضت مناطق أوكرانية لموجة روسية من الصواريخ والمسيّرات أدت، وفق التقارير المنشورة، إلى مقتل ثمانية أشخاص، بينهم ضحايا في كييف.
وتواصل أوكرانيا استهداف مواقع ومنشآت روسية بعيدة عن خطوط الجبهة، ولا سيما المنشآت النفطية.
وبذلك تبدو الحرب وكأنها تسير في اتجاهين متعاكسين: طاولة التفاوض تبحث عن مساحة لخفض التصعيد، بينما تحاول العمليات العسكرية تحسين مواقع الأطراف قبل أي اتفاق.
وهذه ليست مفارقة جديدة في الحروب الطويلة؛ فالتفاوض غالبًا لا يبدأ عندما تتوقف الحرب، بل عندما يصبح استمرارها مكلفًا إلى درجة تدفع الأطراف إلى اختبار تسويات جزئية.
لماذا تريد واشنطن وقف حرب الطاقة؟
هناك بعد أوكراني ـ روسي مباشر، لكن هناك أيضًا حسابات أميركية ودولية. فضرب المنشآت النفطية الروسية يمكن أن يؤثر في قدرة روسيا على تكرير الوقود وتصديره، كما يمكن أن ينعكس على أسواق الطاقة العالمية.
وفي المقابل، فإن استمرار ضرب شبكة الطاقة الأوكرانية يفاقم الضغط على الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية المدنية في أوكرانيا.
وتزداد حساسية الملف في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية المرتبطة بالتطورات العسكرية في الشرق الأوسط ومضيق هرمز.
لذلك فإن وقف ضرب منشآت الطاقة يمكن أن يخدم هدفًا أميركيًا يتجاوز أوكرانيا: الحد من انتقال الحرب إلى سوق الطاقة العالمي، ومنع تداخل أزمات أوروبا الشرقية والشرق الأوسط في أزمة طاقة دولية أكبر.
الجبهة البرية بعيدة عن التسوية
على المستوى العسكري، لا تظهر حتى الآن مؤشرات تسمح بالقول إن الحرب البرية دخلت مرحلة حاسمة تقود تلقائيًا إلى تسوية. فالجبهة لا تزال تشهد عمليات وهجمات متبادلة، بينما أصبحت الضربات بعيدة المدى عنصرًا متزايد الأهمية في استراتيجية الطرفين.
وهنا تظهر معادلة شديدة التعقيد: كلما تعذر تحقيق اختراق بري حاسم، ازدادت قيمة الحرب الاقتصادية والطاقة والضربات بعيدة المدى باعتبارها أدوات للضغط على الخصم.
ولهذا فإن وقف حرب الطاقة، إذا تحقق، لن يعني بالضرورة توقف الحرب، بل يمكن أن يعني نقل جزء من الصراع من مرحلة الاستنزاف المفتوح إلى مرحلة تفاوضية أكثر تنظيمًا.
موسكو والاقتصاد
اقتصاديًا، تواجه روسيا كلفة متزايدة للحرب. فالتقديرات الرسمية الروسية تشير إلى أن عجز الموازنة لعام 2026 قد يرتفع إلى نحو 3 في المئة من الناتج المحلي، مقارنة بهدف سابق بلغ 1.6 في المئة، في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري والحاجة إلى موارد إضافية.
لكن ارتفاع أسعار النفط يوفر في المقابل هامشًا من الدعم للإيرادات الروسية.
ولهذا فإن قراءة الوضع الروسي من زاوية «الانهيار الاقتصادي» وحدها لا تعكس الصورة الكاملة. الاقتصاد الروسي يتعرض لضغط وتكاليف متزايدة، لكنه يستفيد في الوقت نفسه من ظروف سوق الطاقة ومن قدرة الدولة على إعادة توجيه موارد واسعة نحو الحرب.
وهذا العامل مهم في الحسابات التفاوضية، لأن استعداد أي طرف لتقديم تنازلات يرتبط أيضًا بتقديره لكلفة استمرار الحرب مقارنة بكلفة التسوية.
العقدة الأكبر: الأرض والضمانات
وراء كل هذه الملفات المرحلية تقف القضايا الأصعب. مستقبل الأراضي التي تسيطر عليها روسيا، وترتيبات الأمن الأوكراني، وعلاقة كييف بحلف شمال الأطلسي، وشكل الضمانات الغربية، والعقوبات المفروضة على موسكو، ومستقبل العلاقات الاقتصادية الروسية ـ الغربية.
هذه الملفات لم تُحل عبر مقترح هدنة الطاقة، ولا يمكن افتراض أنها ستختفي إذا نجحت الهدنة.
بل ربما يكون العكس هو الصحيح: نجاح وقف محدود للطاقة والبحر الأسود قد يخلق مناخًا يسمح بفتحها، بينما فشل الهدنة قد يعيد الأطراف إلى التصعيد.
أوروبا أمام حسابات مختلفة
أوروبا بدورها لا تنظر إلى الحرب من زاوية واحدة. فبالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي، ترتبط الحرب مباشرة بأمن القارة وبمستقبل التوازن العسكري مع روسيا، بينما ترتبط في الوقت نفسه بأسعار الطاقة والإنفاق الدفاعي واللاجئين والعقوبات.
وتحدثت الاستخبارات الدفاعية الدنماركية عن احتمال زيادة روسيا نشاطها في مجال الحرب الهجينة ضد الغرب خلال الأشهر المقبلة.
وبذلك لا تقتصر الأزمة على ساحة أوكرانيا، بل تمتد إلى الأمن السيبراني والمعلوماتي والاقتصادي والبنية التحتية والضغط السياسي داخل الدول الأوروبية.
من هدنة الطاقة إلى التسوية الكبرى؟
المسار الذي تحاول واشنطن بناءه يمكن اختصاره بسلسلة متدرجة:
وقف ضرب منشآت الطاقة → تهدئة في البحر الأسود → استعادة بعض حركة الحبوب والملاحة → إجراءات بناء ثقة → لقاءات روسية ـ أوكرانية بمشاركة أميركية → الانتقال إلى الملفات السياسية الثقيلة.
لكن هذه السلسلة ليست اتفاقًا جاهزًا، بل تصور لمسار تفاوضي لا يزال في بدايته.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة واشنطن على إقناع موسكو وكييف بأن الهدنة المحدودة لن تتحول إلى أداة يستخدمها طرف واحد لإعادة ترتيب أوراقه العسكرية، وأن الالتزام سيكون متبادلًا وقابلًا للتحقق.
روسيا بين الحرب والتفاوض
اللافت في المشهد الحالي أن موسكو لا تغلق الباب أمام الحوار مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لا توقف عملياتها العسكرية.
وهذا يعني أن روسيا تتعامل مع المسارين، العسكري والدبلوماسي، في وقت واحد.
أما واشنطن فتبدو وكأنها تحاول تحويل هذا الواقع إلى قناة تفاوضية قابلة للتوسع: بدل انتظار نهاية الحرب كي يبدأ التفاوض، يجري اختبار إمكانية تخفيض مستوى الصراع عبر ملفات محددة، ثم البناء على النتائج.
أما كييف، فتسعى إلى ضمان ألا يؤدي أي تفاهم أميركي ـ روسي إلى تثبيت وقائع عسكرية وسياسية تعتبرها غير مقبولة، ولذلك تربط قبولها بأي هدنة بمبدأ التبادلية.
موقع تقارير موقع تقارير
