ايران "عقدة" ترامب المستمرة
ايران "عقدة" ترامب المستمرة

ترامب “المأزوم” داخلياً وانتخابياً..”تناقضات مخيفة” للخروج من المستنقع الإيراني!

ترامب “المأزوم” داخلياً وانتخابياً..”تناقضات مخيفة” للخروج من المستنقع الإيراني!

# علي ضاحي–خاص takarir.net

يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام واحدة من أكثر مراحل الحرب مع إيران تعقيداً، بعدما وجد نفسه بين خطابين متناقضين ظاهرياً: خطاب يتحدث عن الاقتراب من نهاية الحرب وإمكان التوصل إلى اتفاق مع طهران، وخطاب آخر يلوّح باستئناف الهجمات الواسعة وربما الذهاب إلى خيارات أكثر جذرية إذا لم تتحقق الشروط الأميركية.

وفي أحدث تصريحاته لموقع «أكسيوس»، قال ترامب إن المواجهة مع إيران تقترب من «منعطف حاسم»، وإن أمامه قراراً يتعلق باستئناف هجمات واسعة النطاق بهدف إنهاء الصراع. كما تحدث عن قرار مصيري بشأن التدخل بهدف «القضاء على النظام الإيراني»، لكنه في الوقت نفسه أكد أن الإيرانيين على تواصل مباشر مع واشنطن وأنهم ما زالوا يريدون التوصل إلى اتفاق.

هذه الازدواجية ليست تفصيلاً في خطاب ترمب، بل تختصر مأزق المرحلة كلها. فالرئيس الأميركي يريد مخرجاً من الحرب من دون أن يبدو كأنه يتراجع تحت الضغط، ويريد اتفاقاً مع إيران من دون تقديم تنازلات يمكن أن تُقرأ في الداخل الأميركي باعتبارها فشلاً، فيما يريد في الوقت نفسه إبقاء الخيار العسكري قائماً لإجبار طهران على تحسين شروط التسوية.

ضغط الداخل

وتزداد صعوبة المعادلة مع انتقال الحرب من ملف خارجي إلى قضية لها انعكاساتها السياسية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة. فكل يوم إضافي من العمليات يعني كلفة عسكرية ومالية أكبر، واستنزافاً للمخزونات والقدرات، وضغطاً إضافياً على أسعار الطاقة، فضلاً عن الحاجة إلى إبقاء انتشار عسكري واسع في منطقة شديدة الحساسية.

ومن هنا يمكن فهم حرص ترامب على الحديث عن نهاية الحرب بالتوازي مع إبقاء القوات الأميركية في المنطقة.

فبحسب «أكسيوس»، صدرت توجيهات بالإبقاء على مستويات القوات الأميركية الحالية في الشرق الأوسط حتى نهاية العام، بما يحافظ على الجاهزية لاحتمال العودة إلى القتال إذا انهارت الاتصالات أو تقرر استئناف العمليات.

أي أن واشنطن لا تتصرف على أساس أن الحرب انتهت، بل على أساس أن المرحلة المقبلة قد تكون تفاوضاً تحت ظل القوة العسكرية.

انتخابات وضغط

ويضيف العامل الانتخابي طبقة أخرى إلى الحسابات الأميركية. فترامب يحتاج إلى تقديم صورة سياسية عن حرب يمكن السيطرة عليها وإنهاؤها، لا عن مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني أو كلفة واضحة.

ولهذا فإن أي تسوية محتملة يجب أن تحقق أكثر من وقف إطلاق النار. المطلوب أميركياً هو اتفاق يسمح لترمب بالقول إنه حقق أهداف الحرب، وحافظ على أمن الحلفاء، وأجبر إيران على تقديم تنازلات، وفي الوقت نفسه أنهى الاستنزاف العسكري.

أما العودة إلى حرب واسعة من دون ضمانات لتحقيق نتيجة سياسية واضحة، فقد تعني فتح جبهة جديدة من المخاطر في وقت لا تزال فيه الجبهات الإقليمية مفتوحة.

هرمز يحاصر ترامب

وفي قلب هذه الحسابات يقف مضيق هرمز. فالمواجهة لم تعد محصورة في الصواريخ والطائرات؛ إذ أصبحت الملاحة والطاقة جزءاً مباشراً من ميزان الضغط بين واشنطن وطهران.

وتواصلت الحوادث الأمنية في محيط المضيق، بما يؤكد أن الحديث السياسي عن نهاية الحرب لا ينعكس حتى الآن على الأرض بصورة كاملة. وكل حادث بحري جديد يرفع منسوب المخاطر على حركة التجارة والطاقة، ويضع الإدارة الأميركية أمام سؤال أساسي: كيف يمكن إعلان نهاية حرب بينما لا تزال واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم تعمل في بيئة عسكرية شديدة التوتر؟

والأكثر دلالة أن هرمز لم يعد مجرد ورقة إيرانية للضغط على واشنطن، بل أصبح أيضاً اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على ترجمة تفوقها العسكري إلى أمن فعلي للملاحة.

سماء خطيرة

وتكشف التطورات الجوية الوجه الآخر للمواجهة. فبحسب شبكة «CBS News»، نقل مسؤولون أميركيون أن إيران أسقطت خلال الأيام الماضية مسيرتين أميركيتين على الأقل من طراز MQ-1، من دون أن تكشف المصادر مكان إسقاطهما أو الطراز الفرعي للطائرتين.

وبصرف النظر عن التفاصيل العملياتية، فإن أهمية التطور تكمن في دلالته: القوات الأميركية، رغم تفوقها العسكري، لا تتحرك في بيئة خالية من المخاطر، وطهران لا تزال قادرة على استهداف أصول أميركية.

وهذا يضيف مشكلة أخرى إلى حسابات ترامب. فالتصعيد العسكري الذي يفترض أن يفرض شروطاً أفضل على طهران يمكن أن يتحول، إذا طال أو اتسع، إلى مسار استنزاف متبادل لا يملك أي طرف ضمانة لنهايته.

اليمن والطاقة

ولا يمكن فصل هرمز عن اليمن والبحر الأحمر. فكلما اتسعت دائرة التوتر البحري، ازدادت حساسية باب المندب وخطوط التجارة والطاقة، وأصبح أي اتفاق أميركي ـ إيراني بحاجة إلى معالجة تداعيات الحرب على شبكة الممرات البحرية، لا على الخليج وحده.

كما أن استمرار التهديدات لمنشآت الطاقة وطرق التصدير يبقي أسعار النفط تحت تأثير علاوة المخاطر. وهذا يعني أن الحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، وإنما أيضاً بما تفرضه على الاقتصاد العالمي وعلى المستهلك الأميركي.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما ارتفعت كلفة الحرب، ازدادت حاجة ترمب إلى إنهائها؛ وكلما أراد إنهاءها بشروط أميركية أفضل، احتاج إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً.

فيتو مزدوج

وإذا كان الميدان يكشف صعوبة فرض نهاية أميركية للحرب، فإن مجلس الأمن كشف حدود القدرة الأميركية على تحويل الضغط العسكري إلى إجماع دولي.

فقد استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد مشروع قرار أميركي لتمديد ولاية فريق الخبراء المكلف بمراقبة العقوبات على إيران، بعدما حصل المشروع على 11 صوتاً مؤيداً مقابل صوتين رافضين وامتناع عضوين.

والتصويت، وإن كان متعلقاً بآلية رقابة على العقوبات وليس بقرار حرب أو سلام، يحمل دلالة سياسية أوسع: واشنطن لا تتحرك في فراغ دولي، وموسكو وبكين مستعدتان لاستخدام موقعهما في مجلس الأمن لمنع توسيع المسار الأميركي ضد طهران.

وبذلك يصبح الصراع متعدد المستويات: صواريخ في الميدان، سفن في هرمز، مسيرات في السماء، نفط في الأسواق، وفيتو في مجلس الأمن.

موسكو وبكين

ولا يعني الموقف الروسي والصيني أن موسكو وبكين ستدخلان الحرب إلى جانب إيران، لكنه يعني أن واشنطن تواجه سقفاً دبلوماسياً أمام تحويل الضغط على طهران إلى إجماع دولي.

فالصين تنظر إلى أمن الخليج من زاوية الطاقة والتجارة، فيما ترى روسيا في الملف الإيراني جزءاً من التوازن الدولي الأوسع مع الولايات المتحدة.

وهكذا، فإن أي تسوية لا تحتاج فقط إلى تفاهم أميركي ـ إيراني، بل إلى تفاهم أوسع حول شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعد الحرب.

تناقض ترامب

من هنا يمكن قراءة تناقضات ترامب بطريقة مختلفة. فعندما يقول إن الحرب تقترب من نهايتها، فهو يفتح نافذة تفاوضية. وعندما يقول إن أمامه قراراً مصيرياً بشأن استئناف الهجمات، فهو يحافظ على الضغط. وعندما يتحدث عن تواصل مباشر مع الإيرانيين، فهو يترك باب الاتفاق مفتوحاً. وعندما يأمر بالإبقاء على مستويات القوات الحالية حتى نهاية العام، فهو يرفض التخلي عن خيار القوة.

وعندما يبحث عن موقف الحلفاء الخليجيين، فهو يدرك أن أي خروج من الحرب لا يمكن أن يتم من دون حساب مصالح الدول التي أصبحت جزءاً من تداعياتها.

هذه ليست بالضرورة تناقضات عشوائية، بل تعكس محاولة إدارة مأزق متشابك بأداتين في الوقت نفسه: التفاوض والتهديد بالتصعيد.

العقدة الإيرانية

أما طهران، فتدرك بدورها أن أفضل أوراقها ليست بالضرورة في تحقيق انتصار عسكري مباشر، وإنما في جعل استمرار الحرب مكلفاً إلى درجة تدفع واشنطن إلى التفاوض على شروط أكثر تعقيداً.

هرمز ورقة، والقدرات الصاروخية ورقة، والجبهات الإقليمية ورقة، والقدرة على إلحاق خسائر بالقوات والأصول الأميركية ورقة أخرى.

لكن هذه الأوراق لا تعني أن إيران تستطيع تجاهل الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب. ولذلك فإن استمرار التواصل المباشر مع واشنطن يحمل دلالة موازية: طهران تريد التفاوض، لكنها تريد أن تدخل التفاوض من موقع لا يظهرها وكأنها تفاوض تحت الإكراه.

التسوية الصعبة

لهذا فإن الطريق إلى التسوية يمر عبر ملفات أكثر تعقيداً من مجرد وقف إطلاق النار. هناك البرنامج النووي، والعقوبات، والملاحة في هرمز، والوجود العسكري الأميركي، وأمن إسرائيل ودول الخليج، ومستقبل الجبهات المرتبطة بإيران، وترتيبات ما بعد الحرب.

وأي اتفاق لا يعالج هذه الملفات بصورة متزامنة قد يتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر منه نهاية فعلية للصراع. وهنا تحديداً تكمن صعوبة مهمة ترامب: إنهاء الحرب سهل في الخطاب، لكن تحويل النهاية إلى اتفاق قابل للاستمرار أصعب بكثير.

المستنقع

لذلك تبدو واشنطن أمام مفترق بالغ الحساسية. العودة إلى التصعيد تعني احتمال توسيع الحرب ورفع كلفتها، بينما التسوية السريعة تعني قبول أن إيران ما زالت تملك أوراقاً تفاوضية، وقد تجعل أي اتفاق أقل شبهاً بالاستسلام الإيراني الذي يرغب ترمب في إظهاره أمام الداخل الأميركي.

أما إبقاء الوضع في المنطقة بين الحرب والهدنة، فهو يعني استمرار الاستنزاف، وبقاء هرمز تحت التهديد، وإبقاء أسعار الطاقة تحت ضغط المخاطر، واستمرار الانتشار العسكري الأميركي.

وهنا يتحول السؤال من «هل يريد ترامب الحرب أم السلام؟» إلى سؤال أكثر واقعية: كيف يستطيع ترمب إنهاء الحرب من دون أن يظهر داخلياً وكأنه خسرها، ومن دون أن يترك لإيران القدرة على القول إنها فرضت شروط الخروج؟

نهاية معلّقة

المشهد الراهن لا يؤكد نهاية الحرب، كما لا يؤكد حتمية عودتها إلى التصعيد الشامل. المؤكد أن ترامب يترك البابين مفتوحين: اتفاق محتمل عبر الاتصالات المباشرة، وحرب محتملة عبر إبقاء القوات والقدرات العسكرية جاهزة.

وفي المقابل، تواصل إيران استخدام أوراقها الميدانية والتفاوضية، فيما تضغط روسيا والصين من داخل مجلس الأمن لمنع واشنطن من احتكار المسار الدولي للملف الإيراني.

وبين هذه المسارات، يبقى مضيق هرمز هو الاختبار الأكثر حساسية. فإذا عاد العبور البحري إلى طبيعته، وانخفض التصعيد، وتحولت الاتصالات المباشرة إلى آلية تفاوض واضحة، يمكن أن تبدأ ملامح الخروج من الحرب بالظهور.

أما إذا بقيت السفن تحت التهديد، والمسيرات تُسقط، والقوات الأميركية في حالة تأهب، والأسواق تحت ضغط الطاقة، ومجلس الأمن منقسماً، فإن حديث «نهاية الحرب» سيبقى أقرب إلى محاولة لإنتاج مخرج سياسي من مستنقع عسكري لم تُحسم شروط الخروج منه بعد.

وهنا تكمن مأزلة ترامب الحقيقية: يريد نهايةً يستطيع إعلانها انتصاراً، بينما كل الطرق المؤدية إليها تمر حتى الآن عبر طاولة تفاوض تحرسها المدافع، ويقف عند بابها مضيق هرمز.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

العين الدولية على باب المندب اليوم!

“زلزال” باب المندب..معركة المضيق تهزّ شرايين التجارة والطاقة العالمية!

“زلزال” باب المندب..معركة المضيق تهزّ شرايين التجارة والطاقة العالمية! علي ضاحي – خاص takarir.net لم …