"نازا" يتحول الى وثيقة مرئية على ج.رائم اس.رائيل
"نازا" يتحول الى وثيقة مرئية على ج.رائم اس.رائيل

«نازا»..حين تتحول شهادات الجنود الإس.رائيليين إلى معركة على الرواية وملفات الحرب!

«نازا»..حين تتحول شهادات الجنود الإس.رائيليين إلى معركة على الرواية وملفات الحرب!

علي ضاحي – خاص takarir.net

لم يكن فيلم «NAZA» مجرد عمل وثائقي جديد عن الحرب في غزة، بل محاولة لإعادة بناء صورة الحرب من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإس>رائيلية نفسها. الفيلم، الذي أخرجه الإس>رائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، يضم شهادات 24 عسكرياً ومسؤولاً استخبارياً إس>رائيلياً، معظمهم تحدثوا من دون كشف هوياتهم، فيما جرى تغيير ملامحهم وأصواتهم لحماية مصادرهم.

وعنوان الفيلم مستمد من مصطلح عبري يُستخدم للإشارة إلى «الضرر الجانبي» أو أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم خلال عملية عسكرية، وهي النقطة التي تمنح الفيلم بعده الأكثر حساسية، لأنه لا يناقش فقط نتائج القصف، وإنما الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الخسائر المدنية إلى أرقام داخل منظومة اتخاذ القرار.

ومن هنا جاءت أهمية الشهادات بالنسبة إلى صانعي الفيلم، الذين يقولون إن هدفهم لم يكن توثيق أخطاء فردية لجنود منفلتين، بل البحث في الأنظمة والأوامر والسياسات واللغة العسكرية ومنظومات الاستهداف التي أنتجت العمليات على الأرض.

“ذكاء الاستهداف”!

الجانب الأكثر إثارة للجدل في «NAZA» يتعلق باستخدام الأنظمة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي في إنتاج الأهداف وتحديد الأشخاص والمواقع التي يمكن أن تتعرض للضربات.

الفيلم يقدم شهادات عن أنظمة استخبارية استخدمت كميات هائلة من البيانات لتحديد أشخاص يُشتبه في ارتباطهم ب”ح.ماس”، وعن ضربات جرى تنفيذها في مناطق سكنية مع معرفة مسبقة بوجود أفراد آخرين داخل المنازل.

لكن هذه النقطة تحديداً أصبحت محوراً رئيسياً في رد الجيش الإس.رائيلي، الذي يقول إن الفيلم يخلط بين جمع المعلومات الأولية وبين القرار العملياتي والقانوني النهائي بتنفيذ الضربة، وينفي أن تكون الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي هي التي تقرر وحدها من يصبح هدفاً أو ما إذا كانت الضربة ستنفذ.

وبذلك يتحول الجدل إلى سؤال أكثر تعقيداً من مجرد وجود الذكاء الاصطناعي: من كان يملك القرار النهائي، وما المعلومات التي كانت أمامه، وكيف جرى تقدير الخطر على المدنيين قبل إطلاق النار؟

رقم الخمسمئة

أكثر ما فجّر الجدل كان ما ورد في إحدى الشهادات عن إمكان الموافقة على ضربة مع توقع سقوط نحو 500 مدني.

هذه الرواية رفضها الجيش الإس.رائيلي بصورة صريحة، وقال في رده التفصيلي إنه لم يخطط أو يوافق أو ينفذ ضربة كان متوقعاً فيها مقتل 500 مدني أو رقم قريب من ذلك، كما نفى وجود عتبات تسمح تلقائياً بقتل أعداد محددة من المدنيين مقابل استهداف أفراد من “ح.ماس”. وأوضح أن بعض العتبات التي يصفها الفيلم تتعلق بمستويات الموافقة المطلوبة من القيادات الأعلى، وليس بإذن مسبق لقتل عدد معين من المدنيين.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف والقوة في آن واحد بالنسبة إلى الفيلم: الشهادة المجهّلة قد تكون ذات قيمة صحافية كبيرة، لكنها لا تصبح تلقائياً دليلاً قضائياً حاسماً. قيمتها القانونية ترتفع عندما يمكن التحقق من هوية صاحبها، وموقعه الوظيفي، وصلاحياته، ثم مطابقة أقواله مع وثائق وعمليات محددة وأدلة مستقلة.

حرب الروايات

رد الجيش الإس.رائيلي لم يكن عابراً، بل جاء في الأول من تشرين الأول/أكتوبر في وثيقة تفصيلية من عشر صفحات، بعد أن تمكن ممثل عنه من مشاهدة الفيلم كاملاً في عرض بإيطاليا.

الجيش وصف الفيلم بأنه يقدم صورة «مشوهة ومضللة» لعملية التخطيط والاستهداف، وقال إن الأشخاص الذين ظهروا فيه يتحدثون عموماً عن مراحل محدودة وأولية من العملية ولا يملكون بالضرورة صورة كاملة عن القرارات النهائية.

في المقابل، تقول الغارديان، التي شاركت في إنتاج الفيلم، إن التحقيق استمر ثلاث سنوات وشمل أكثر من 100 مصدر، بينهم أشخاص شاركوا في مراحل متعددة من عملية الاستهداف، وإن الشهادات خضعت للتحقق عبر وثائق سرية مسربة، وفحص ضربات محددة، ومصادر أخرى لم تظهر أمام الكاميرا.

وهذا يجعل المعركة الحالية معركة تحقق أكثر منها معركة روايات متقابلة.

فالجيش يقول إن الفيلم ينتزع شهادات من سياقها ويخلط بين مراحل مختلفة من القرار، بينما يقول فريق التحقيق إن الشهادات جرى وضعها داخل منظومة أوسع من الوثائق والمعلومات والمصادر السرية.

من البندقية إلى إس.رائيل

الضجة لم تبدأ في المحاكم، بل في مهرجان البندقية السينمائي في أيلول، حيث تلقى الفيلم بعد عرضه تصفيقاً استمر قرابة 25 دقيقة، وحصل لاحقاً على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

لكن الصدى داخل إس.رائيل كان مختلفاً تماماً. تحولت القضية إلى سجال سياسي وإعلامي، وتعرض المخرجان لهجمات وتهديدات، بينما وصلت ردود الفعل السياسية إلى المطالبة بإجراءات استثنائية بحقهما. وقد اعتبرت الغارديان أن هذه الاستجابة كشفت حساسية الفيلم داخل المشهد الإس.رائيلي، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات والجدل الداخلي حول الحرب في غزة.

وهنا ظهر السؤال الأوسع: لماذا أثار فيلم لم يشاهده معظم الإسرائيليين بعد كل هذه العاصفة؟

الجواب يكمن في طبيعة المصادر. فانتقاد العمليات العسكرية من الخارج ليس جديداً، أما أن تأتي الرواية من عسكريين واستخباريين إس.رائيليين شاركوا، بحسب الفيلم، في منظومات الاستهداف نفسها، فهذا ينقل النقاش من مستوى الاتهام الخارجي إلى مستوى الشهادة الداخلية.

بوابة لاهاي

التطور الأهم الآن هو انتقال «NAZA» من النقاش السينمائي والسياسي إلى النقاش القانوني.

مقال حديث في مجلة Vulture بحث في احتمال استخدام شهادات الفيلم ضمن المسارات القانونية الدولية، ونقل عن أستاذ القانون الدولي كيفن جون هيلر أن جنوب أفريقيا قد تنظر في الاستفادة من هذه المواد في قضيتها ضد إس.رائيل أمام محكمة العدل الدولية. كما طرح المقال إمكان استخدام المواد في مسارات مرتبطة بالتحقيق في جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية.

دولاً لا افراداً

لكن المسألة ليست بهذه البساطة.

محكمة العدل الدولية تحاكم الدول، لا الجنود الأفراد. أما المحكمة الجنائية الدولية فتبحث المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الداخلة في اختصاصها.

ولهذا، فإن القيمة القانونية المحتملة للفيلم تختلف بحسب الجهة التي تستخدمه وطبيعة القضية التي تريد بناءها.

في قضية أمام محكمة العدل الدولية، يمكن أن تكون الشهادات جزءاً من مجموعة أوسع من المواد التي تستخدم لإثبات نمط أو سياسة أو وقائع ذات صلة بمسؤولية الدولة.

أما في مسار جنائي فردي، فالسؤال يصبح أكثر تحديداً: من فعل ماذا؟ متى؟ وبأي صلاحية؟ وبأي معرفة؟ وبأي أوامر؟

المشكلة في الهوية

هنا ستظهر العقبة الأكبر.

المصادر في الفيلم مجهولة للمشاهد، وهذا مفهوم صحافياً عندما يتعلق الأمر بحماية أشخاص قد يتعرضون للانتقام أو الملاحقة. لكن المحكمة لا تتعامل مع المصدر المجهول بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الفيلم الوثائقي.

إذا أرادت جهة قضائية الاعتماد فعلياً على هذه الشهادات، فستحتاج إلى إمكانية الوصول إلى المواد الأصلية والتحقق من هوية الشهود ومواقعهم ووظائفهم، ثم اختبار أقوالهم أمام الأدلة المستقلة.

واللافت أن الغارديان تقول إنها تحققت من هويات المشاركين، كما تؤكد أن التحقيق استند إلى أكثر من 100 مصدر وإلى وثائق سرية والتحقق من ضربات محددة. لكن ذلك لا يعني أن محكمة دولية قبلت هذه المواد كأدلة، ولا يعني أن الوقائع التي يرويها الفيلم ثبتت قضائياً.

المعركة الحقيقية

لهذا السبب، فإن الأهمية الاستراتيجية لـ«NAZA» لا تكمن في أن الفيلم يستطيع وحده إدانة إس.رائيل أو أي عسكري إس.رائيلي.

أهميته تكمن في قدرته المحتملة على وصل ثلاث حلقات كانت منفصلة في النقاش الدولي: القرار العسكري، والشهادة الداخلية، والوقائع الميدانية.

إذا أمكن مثلاً أخذ شهادة أحد المشاركين، تحديد موقعه ومسؤوليته، ربطها بضربة محددة، ثم مطابقة روايته مع وثائق عسكرية أو بيانات استخبارية أو صور أقمار صناعية أو شهادات أخرى، فإن المادة تنتقل من كونها رواية تلفزيونية إلى خيط يمكن أن يدخل في تحقيق قضائي أوسع.

وهذا تحديداً ما يجعل «NAZA» أكثر من فيلم عن غزة.

إنه محاولة لإعادة تعريف السؤال من: «ماذا حدث في غزة؟» إلى سؤال أكثر خطورة على أي مؤسسة عسكرية: «كيف اتُّخذت القرارات التي أنتجت ما حدث، ومن كان يعرف، ومن وافق، ومن نفّذ؟»

من السينما إلى القضاء

حتى الآن، لا توجد نتيجة قضائية تقول إن شهادات «NAZA» أصبحت دليلاً معتمداً في محكمة العدل الدولية، ولا يوجد حكم يثبت الادعاءات التي يطرحها الفيلم. وفي المقابل، فإن نفي الجيش الإس.رائيلي لا يغلق الباب أمام التحقيق، خصوصاً أن الفيلم نفسه يقول إن شهاداته جزء من تحقيق أوسع يتجاوز الأشخاص الذين ظهروا أمام الكاميرا.

وبين الروايتين، يبقى العامل الحاسم هو الأدلة القابلة للتحقق.

فإذا بقيت «NAZA» عند حدود شهادات مجهّلة، ستظل وثيقة صحافية وسياسية شديدة التأثير، لكنها محدودة القيمة القضائية.

أما إذا تمكنت جهات التحقيق من الوصول إلى أصحاب الشهادات، وربط أقوالهم بسجلات وقرارات وضربات محددة، فقد يصبح الفيلم واحداً من الأدوات التي تساعد على الانتقال من معركة الرواية إلى معركة المسؤولية.

وهنا تحديداً تكمن خطورته الحقيقية: ليس في أن يقول الفيلم إن جرائم وقعت، بل في محاولته تقديم رواية تقول إن بالإمكان تتبع السلسلة التي تبدأ من شاشة الاستخبارات وتنتهي فوق منزل في غزة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

عراقجي يحمل الرد الى ايران اليوم

عراقجي يحمل الرد الأميركي إلى طهران..هل تكسر «الأيام السبعة» جمود الحرب؟

عراقجي يحمل الرد الأميركي إلى طهران..هل تكسر «الأيام السبعة» جمود الحرب؟ # علي ضاحي – …