نبيه بري دينامو الحياة السياسية اللبنانية
نبيه بري دينامو الحياة السياسية اللبنانية

بري يُبقي الحكومة وح.زب الله يحجب الثقة..”مظلة الدولة” في زمن الحرب!

بري يُبقي الحكومة وح.زب الله يحجب الثقة..”مظلة الدولة” في زمن الحرب!

علي ضاحي – خاص takarir.net

لا تبدو المفارقة بين تصويت حركة أمل لمصلحة حكومة نواف سلام وحجب ح.زب الله الثقة عنها مفارقة في الحسابات الاستراتيجية، ولا يصح اختزالها في اختلاف بين نبيه بري والحزب تجاه الحكومة. فالمسألة تتصل قبل كل شيء باختلاف الوظيفة السياسية للموقف وأداته، فيما تبقى الحسابات الأوسع محكومة بظروف الحرب، والجنوب، ومستقبل السلاح، وموقع الدولة في المرحلة المقبلة.
فح.زب الله يتعامل مع حكومة سلام من موقع سياسي مبدئي. هذه الحكومة اتخذت منذ تشكيلها مساراً في ملف السلاح وحصرية القرار العسكري والأمني بيد الدولة، ووجد الحزب نفسه في مواجهة مباشرة مع هذا المسار، فضلاً عن الضغوط السياسية التي تستهدف دوره وتصفه، في بعض الخطابات، بأنه قوة مسلحة خارج الشرعية و”تجرم” المقا.و.مة رغم استمرار الإحتلال والقتل والاعتداءات والتفجيرات اليومية للقرى الجنوبية.
من هذه الزاوية، لا يحتاج حجب الثقة إلى تفسيره كمناورة لإسقاط الحكومة. إنه أولاً تعبير عن رفض منحها شرعية سياسية إضافية في ملفات يعتبرها الحزب تمس جوهر المق.اومة ودورها.

ذاكرة نيابية

ولا يعني ذلك أن حجب الثقة هو قاعدة آلية ثابتة لدى الحزب منذ دخوله الحياة النيابية. فقد شارك في حكومات متعددة، ومنح الثقة لحكومة نواف سلام عند تشكيلها عام 2025، قبل أن تتبدل العلاقة مع تطور الخلاف حول السلاح ومسار الحكومة.

وهذا مهم في قراءة الموقف الحالي. فالحزب لا يرفض الحكومة لمجرد اسم رئيسها، وإنما يتعامل مع مضمون أدائها والخيارات التي اتخذتها في المرحلة الراهنة. وعندما تغيّر المسار الحكومي في ملف حصرية السلاح، تغيّر مستوى العلاقة السياسية معها.
لذلك يأتي حجب الثقة منسجماً مع موقف سياسي معلن، وليس بالضرورة جزءاً من خطة لإسقاط الحكومة.

حساب الدولة

أما نبيه بري، فموقعه مختلف بحكم موقعه الدستوري والسياسي. فهو رئيس مجلس النواب، والثاني في هرم الدولة، ويتعامل مع الأزمة من زاوية إدارة المؤسسات والحفاظ على الحد الأدنى من انتظامها.
وهنا يمكن فهم تصويته لمصلحة بقاء الحكومة من دون اعتباره تزكية لسياساتها أو قبولاً بكل خياراتها.
فبري، في هذه المرحلة، قد يرى أن وجود حكومة ضعيفة أفضل من عدم وجود حكومة. حكومة يمكن الضغط عليها والتفاوض معها ومحاسبتها تبقى، في النهاية، مظلة دستورية وسياسية لإدارة شؤون البلاد.
أما إسقاطها فيعني فتح باب التكليف والتأليف من جديد، بما يحمله ذلك من احتمال فراغ طويل ومساومات سياسية قد تمتد أشهراً، فيما الحرب وتداعياتها لم تُغلق بعد.

مظلة مهترئة

قد تكون حكومة سلام مظلة مهترئة، وقد تكون موضع اعتراض شديد من قوى أساسية، لكنها تظل مظلة.
وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية في الجنوب. فلبنان لا يزال أمام واقع أمني شديد الحساسية، والقرى الجنوبية التي عاد إليها أهلها أو يستعدون للعودة إليها تبقى مهددة في ظل استمرار الاحتلال الإس.رائيلي لبعض المواقع والتوتر على الحدود.
وفي هذه الظروف، يحتاج البلد إلى حكومة قائمة تستطيع تحمل المسؤولية السياسية، ومتابعة ملف الجنوب، والتعامل مع الجيش، وإدارة إعادة الإعمار، ومواصلة الاتصالات الدولية.
من هنا، قد يكون إبقاء الحكومة أقل كلفة من إسقاطها، حتى لو بقيت العلاقة معها صعبة وشديدة التعقيد.

ورقة بري

ولا يقتصر الأمر على حماية مؤسسات الدولة. فبقاء الحكومة يمنح بري أيضاً ورقة سياسية مهمة. فإذا كانت الحكومة تحتاج إلى أصوات حركة أمل لتأمين الأكثرية، فإن رئيس المجلس يصبح عملياً أحد مفاتيح استقرارها.
وهذا الموقع لا يعني أن بري صار جزءاً من خيارات الحكومة، بل العكس: وجود حكومة تحتاج إلى التوازنات التي يستطيع التحكم بها يمنحه قدرة أكبر على التفاوض والضغط والتعديل.
فبدلاً من أن يكون خارج المعادلة في مواجهة حكومة جديدة، يبقى في قلبها، محتفظاً بموقعه كطرف قادر على التأثير في مسارها.

رسالة الحزب

في المقابل، يستطيع ح.زب الله أن يحافظ على موقفه المبدئي من دون أن يتحول إلى الطرف الذي أسقط الحكومة.
وهنا تكمن أهمية حجب الثقة. الحزب يقول عملياً إن الحكومة لا تحظى بموافقته السياسية على الملفات التي يعتبرها أساسية، وإنه لا يريد أن تُفسَّر مشاركته في مؤسسات الدولة على أنها موافقة على مسار يستهدف سلاح المق.اومة أو ينتقص من شرعيتها السياسية.
وفي الوقت نفسه، فإن عدم إسقاط الحكومة فعلياً يترك الدولة قائمة، ويمنع الدخول في فراغ حكومي جديد في لحظة أمنية وسياسية شديدة الخطورة.
وظيفة مختلفة
من هنا، فإن بري والحزب لا يحتاجان إلى اتخاذ الموقف نفسه كي تكون حساباتهما متقاطعة.
الحزب يحافظ على الموقف السياسي المبدئي.
وبري يحافظ على المؤسسة والدولة.
وهذا ليس اختلافاً في الهدف بالضرورة، بل توزيعاً للوظائف السياسية. فالحزب يستطيع أن يرفض منح الثقة، بينما يستطيع بري أن يمنع تحول هذا الرفض إلى سقوط للحكومة.
وبذلك تبقى الحكومة قائمة، لكن من دون أن تحصل على غطاء سياسي كامل من البيئة التي يمثلها الطرفان.

الرقم الحاسم

أهمية جلسة الثقة لا تكمن في الرقم 68 وحده، بل في تركيبته السياسية.
فإذا كانت الحكومة تستطيع الاعتماد على نحو 53 نائباً من دون أصوات حركة أمل، فإن الأصوات الإضافية التي رفعت الحاصل إلى 68 تكشف الوزن الذي باتت تتمتع به كتلة بري في معادلة استمرار الحكومة.
وهنا تتحول حركة أمل إلى بيضة قبّان فعلية في أي استحقاق حكومي كبير.
لكن المفارقة أن هذه القوة لا تُستخدم بالضرورة لإسقاط الحكومة، بل قد تُستخدم لإبقائها ضمن حدود معينة.
فبقاء الحكومة يمنح بري نفوذاً أكبر من إسقاطها، لأن الحكومة القائمة تحتاج إلى التفاهم معه، بينما الحكومة الساقطة تدخل الجميع في مفاوضة مفتوحة على شكل البديل.

زمن الحرب

وهذا هو العامل الذي لا يمكن فصله عن المشهد. لبنان ليس أمام خلاف حكومي عادي. هناك حرب وتداعياتها، وقرى جنوبية مهددة، ونازحون وملف إعادة إعمار، وضغوط دولية، ومفاوضات حول الحدود والسلاح ودور الجيش، فضلاً عن محاولة إس.رائيل تثبيت وقائع جديدة في الجنوب.
في مثل هذه اللحظة، لا تبدو الأولوية لدى بري هي إنتاج حكومة مثالية، بل الحفاظ على الحد الأدنى من المظلة السياسية للدولة.
فالحكومة الضعيفة يمكن الضغط عليها، والحكومة المختلف معها يمكن محاصرة قراراتها سياسياً، أما الفراغ الحكومي فيصعب التعامل معه، خصوصاً عندما تكون الدولة أمام استحقاقات أمنية وميدانية يومية.

بلا تفويض

لذلك لا ينبغي قراءة تصويت أمل على أنه منح حكومة سلام تفويضاً مفتوحاً. فالـ68 صوتاً تعني بقاء الحكومة، لكنها لا تعني أن هذه الأكثرية متفقة على سياساتها كلها، ولا أن القوى التي منحتها الثقة سلّمت لها بكل خياراتها. وبالمثل، فإن حجب ح.زب الله الثقة لا يعني بالضرورة أن الحزب يريد إسقاط الحكومة وتحمل تبعات الفراغ.
المعادلة أكثر دقة: بري يريد بقاء الحكومة، لا كل سياساتها. والحزب يرفض الثقة بالحكومة، لا يعني ذلك بالضرورة أنه يريد إسقاط الدولة ومؤسساتها.
وهنا تتقاطع المصلحتان من دون أن يتطابق الموقفان.

المعادلة الأعمق

في المحصلة، لا تكشف جلسة الثقة عن شرخ بين بري وح.زب الله، ولا عن اختلاف استراتيجي في النظرة إلى المرحلة.
بل تكشف عن تقسيم للأدوار بين رجل الدولة ورجل المق.اومة.
بري، من موقعه كرئيس للمجلس النيابي، يحافظ على المظلة الحكومية القائمة، ولو كانت ضعيفة ومهترئة، لأن سقوطها في ظل الحرب والتهديدات الجنوبية قد يفتح باباً لفراغ طويل لا يخدم الدولة ولا الجنوب.
والحزب، من موقعه السياسي والعسكري، يحافظ على اعتراضه المبدئي على حكومة يرى أنها تضغط عليه وتضع سلاحه في مواجهة مع مفهوم حصرية السلاح، ولذلك لا يمنحها ثقته. وفي النهاية تبقى الحكومة.
لا لأنها حازت إجماعاً سياسياً، ولا لأن ح.زب الله تراجع عن موقفه، بل لأن بقاءها في هذه المرحلة قد يكون أقل كلفة من سقوطها، ولأن بري اختار أن يحافظ على المظلة الدستورية للدولة، فيما اختار الحزب ألا يمنح هذه المظلة غطاءً سياسياً كاملاً.
وهكذا يصبح رقم الـ68 أكثر من مجرد أكثرية نيابية: إنه انعكاس لمعادلة لبنانية دقيقة عنوانها الحكومة باقية، والثقة ليست مطلقة، والحرب لم تنتهِ بعد.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

الحرب الروسية الاوكرانية مستمرة بلا هوادة

حرب الاستنزاف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا: ضغط الطاقة ومساعي التهدئة الدولية

حرب الاستنزاف المتبادل بين روسيا وأوكرانيا: ضغط الطاقة ومساعي التهدئة الدولية علي ضاحي–خاص takarir.net تدخل …