الامام موسى الصدر
الامام موسى الصدر

مشروع الإمام الصدر لا يموت: مق.اومة الاحتلال تحمي الأرض ومق.اومة الحرمان تحمي الإنسان

مشروع الإمام الصدر لا يموت: مق.اومة الاحتلال تحمي الأرض ومق.اومة الحرمان تحمي الإنسان

علي ضاحي خاص takarir.net

في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، لا تبدو العودة إلى فكره مجرد استعادة لسيرة رجل دين وقائد اجتماعي وسياسي ترك أثراً عميقاً في الحياة اللبنانية، بل هي عودة إلى سؤال ما زال مفتوحاً حتى اليوم حول علاقة الدولة بمواطنيها، ولا سيما أبناء الجنوب الذين عاشوا لعقود طويلة في مواجهة الحرمان والاحتلال والاعتداءات المتكررة، فيما بقيت الدولة اللبنانية بحكوماتها المتعاقبة عاجزة عن إرساء تنمية متوازنة تجعل من الجنوب جزءاً كاملاً من مشروع الدولة، لا هامشاً يُستدعى عند الحاجة الأمنية أو السياسية.

عندما جاء الإمام الصدر إلى لبنان، لم يكن أمامه مجتمع فقير فحسب، بل مجتمع كان يشعر بأنه خارج دائرة الاهتمام الفعلي للدولة، ولذلك لم يتعامل مع الحرمان بوصفه حالة اجتماعية تحتاج إلى بعض المساعدات، وإنما قرأه باعتباره نتيجة لاختلال أعمق في علاقة المواطن بالدولة وفي توزيع التنمية والثروة والخدمات والفرص بين المناطق اللبنانية. ومن هنا بدأ مشروعه على قاعدة أن الإنسان المحروم لا يحتاج إلى من يتصدق عليه بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على امتلاك حقوقه وقدرته على المشاركة في صناعة مستقبله، فتحولت قضايا التعليم والصحة والعمل والتنمية والتنظيم الاجتماعي إلى عناوين سياسية تتصل مباشرة بكرامة الإنسان وبحقه في أن يكون مواطناً كاملاً في وطنه.

رؤية وطنية متكاملة

ولذلك لم تكن المؤسسات التي عمل الإمام الصدر على إنشائها ودعمها مجرد أعمال خيرية أو مبادرات اجتماعية منفصلة، بل كانت جزءاً من رؤية متكاملة هدفت إلى بناء الإنسان القادر على مواجهة الحرمان، وإخراجه من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ومن حالة العجز إلى حالة التنظيم والمطالبة بالحقوق. وفي هذا السياق يمكن فهم ولادة “حركة المحرومين” باعتبارها محطة أساسية في مساره، لأنها نقلت الحرمان من كونه شكوى اجتماعية متفرقة إلى قضية سياسية ووطنية، وأعطت المهمشين لغة جديدة للتعبير عن حقهم في الدولة والإنماء والتمثيل والعدالة.

وهنا تحديداً تظهر إحدى أهم سمات فكر الإمام الصدر، وهي أن مقاومة الحرمان لم تكن مشروعاً بديلاً عن مق.اومة الاح.تلال، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع لحماية الإنسان والأرض معاً. فالجنوب الذي كان يعاني من الحرمان كان في الوقت نفسه يواجه الاحتلال والاعتداءات الإس.رائيلية، ولذلك لم يكن منطق الصدر يقوم على المفاضلة بين مقاومة الفقر ومق.اومة الاح.تلال، وإنما على اعتبار أن الإنسان الذي يريد الدفاع عن أرضه يحتاج أيضاً إلى دولة تحميه ومجتمع قادر على الصمود، وأن الأرض التي يدافع عنها أبناؤها لا يمكن أن تكون مجرد مساحة حدودية، بل يجب أن تكون أرضاً يعيش عليها مواطنون يمتلكون المدرسة والمستشفى والعمل والطرق والخدمات وفرص التنمية.

تكامل المق.اومة في بعدها العسكري والاجتماعي

ومن هنا فإن وضع مشروع الإمام الصدر في مواجهة الم.قاومة هو قراءة مجتزأة لتجربته، لأن الم.قاومة في بعدها الاجتماعي والوطني لم تكن تناقضاً مع الدفاع عن الأرض، بل كانت تمهيداً لبناء مجتمع أكثر قدرة على الصمود في وجه الاحتلال. وحين تطورت المقاومة في الجنوب لاحقاً إلى فعل عسكري منظم بفعل الاحتلال والاعتداءات والحروب، لم يكن ذلك منفصلاً عن البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، بل جاء في سياق تاريخي كانت فيه الدولة اللبنانية عاجزة عن حماية الجنوب بالقدر الذي يريده أهله، كما كانت عاجزة في الوقت نفسه عن معالجة جذور الحرمان الذي جعل الجنوب يشعر طويلاً بأنه خارج أولويات القرار الوطني.

انماء الجنوب مشروع وطني مستدام

وهنا تقع المسؤولية التاريخية التي لا يمكن تجاوزها عند قراءة تجربة الإمام الصدر، وهي مسؤولية الدولة اللبنانية وحكوماتها المتعاقبة التي لم تتمكن، على مدى عقود، من تحويل قضية إنماء الجنوب إلى مشروع وطني مستدام. فالجنوب لم يعانِ الحرمان بسبب الاحتلال وحده، رغم أن الاح.تلال الإس.رائيلي كان عاملاً رئيسياً في تدمير اقتصاده وبناه التحتية وتعميق أزماته، وإنما عانى أيضاً من سياسات مركزية جعلت التنمية غير متوازنة، ومن ضعف الاستثمارات العامة، ومن قصور الخدمات، ومن غياب التخطيط الإنمائي الطويل الأمد، ومن تعامل متكرر مع الجنوب باعتباره منطقة حدودية وأمنية أكثر مما هو مساحة اقتصادية واجتماعية وإنتاجية أساسية في الدولة اللبنانية.

لقد كان الجنوب حاضراً في الحسابات السياسية عندما تحتاج القوى السياسية إلى أصواته، وحاضراً في الحسابات الأمنية عندما تندلع المواجهات، لكنه لم يكن دائماً حاضراً بالقدر نفسه في السياسات الاقتصادية والإنمائية التي تحدد مستقبل الناس. وهذه المفارقة هي التي جعلت الحرمان يتحول مع مرور الزمن من حالة مؤقتة إلى مشكلة بنيوية، بحيث أصبحت أجيال كاملة تدفع ثمن غياب التنمية وتضطر إلى الهجرة بحثاً عن التعليم والعمل والاستقرار، فيما بقيت مناطق واسعة من الجنوب تواجه صعوبة في تحويل إمكاناتها الزراعية والسياحية والاقتصادية إلى فرص حقيقية لأبنائها.

ولذلك فإن مشروع الإمام الصدر لم يكن في أي لحظة مشروعاً لإلغاء الدولة أو استبدالها، بل كان في جوهره محاولة لدفع الدولة إلى القيام بواجباتها تجاه المناطق والفئات التي أهملتها. كان يريد دولة تصل إلى الجنوب قبل أن يضطر الجنوب إلى البحث عن بدائل عنها، ودولة تمنح المواطن حقوقه قبل أن يتحول الحرمان إلى غضب، ودولة تحمي أرضها وأهلها قبل أن تصبح المقاومة ضرورة يفرضها الفراغ الرسمي. ومن هذه الزاوية يصبح مشروع الصدر أكثر راهنية اليوم، لأن السؤال الذي طرحه لم يُغلق بعد، بل تغيرت أشكال الحرمان وتطورت أدواته.

فالحرمان الذي كان يتمثل في الماضي بغياب الطرق والمدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية، أصبح اليوم يأخذ أشكالاً جديدة تتمثل في البطالة والهجرة وانهيار القدرة الشرائية وتراجع الخدمات العامة وضعف القطاعات الإنتاجية وعجز الدولة عن توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان الجنوبي في الماضي يطالب بحقه في طريق أو مدرسة أو مستشفى، فإن أبناء الجنوب اليوم يطالبون أيضاً بحقهم في فرصة عمل، وفي اقتصاد منتج، وفي زراعة قادرة على الصمود، وفي بنى تحتية حديثة، وفي تعليم يفتح لهم أبواب المستقبل بدلاً من دفعهم إلى الهجرة.

ومن هنا فإن استعادة فكر الإمام الصدر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مناسبة لإعادة رفع صوره أو تكرار عباراته، لأن جوهر مشروعه كان يتطلب الانتقال من إدارة الحرمان إلى رفعه، ومن معالجة نتائجه إلى مواجهة أسبابه. فالمطلوب اليوم ليس تقديم مساعدات مؤقتة لأبناء الجنوب، وإنما بناء سياسة وطنية تجعل الإنماء المتوازن جزءاً ثابتاً من عمل الدولة، عبر الاستثمار في الزراعة والصناعة والتعليم المهني والبنى التحتية والصحة والسياحة، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص العمل، بما يسمح للإنسان الجنوبي بأن يبقى في أرضه لا لأن الظروف أجبرته على ذلك، بل لأنه يمتلك فيها أسباب الحياة والكرامة والمستقبل.

تكامل الم.قاو.مة والدولة

وهنا تحديداً تتكامل الدولة والم.قاومة ولا تتعارضان في جوهر المشروع الوطني؛ فالمقاومة التي تحمي الأرض لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدولة، كما أن الدولة التي تريد أن تكون دولة فعلية لا تستطيع أن تتجاهل حق مجتمعها في حماية أرضه عندما يتعرض للاحتلال والع.دوان، لكن التكامل الحقيقي لا يكتمل إلا عندما تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة في حماية الإنسان وتنمية المناطق التي حُرمت طويلاً من حقوقها. فالدفاع عن الجنوب لا يكون عسكرياً فقط، كما أن حماية الوطن لا تختصر بالسلاح، وإنما تشمل أيضاً حماية اقتصاده ومجتمعه وموارده البشرية ومنع أبنائه من التحول إلى مهاجرين دائمين.

ولعل هذه هي الرسالة الأكثر عمقاً التي يمكن استعادتها من فكر الإمام الصدر اليوم: أن كرامة الإنسان ليست قضية اجتماعية هامشية، وإنما هي جزء من الأمن الوطني والاستقرار السياسي وقوة الدولة. فالمواطن الذي يشعر بأن دولته تحميه وتوفر له فرص التعليم والعمل والصحة والتنمية يكون أكثر تمسكاً بأرضه وأكثر قدرة على الصمود، بينما المواطن الذي يشعر بأن الدولة لا تراه إلا في مواسم الانتخابات أو عند الحاجة إلى التضحيات، يصبح الحرمان بالنسبة إليه تجربة يومية لا شعاراً سياسياً.

لقد أراد الإمام الصدر للجنوب أن يكون شريكاً كاملاً في الدولة، لا هامشاً تابعاً لها، وأراد للمحروم أن يتحول إلى مواطن يمتلك حقوقه وأدواته وقدرته على المشاركة، ولذلك فإن استمرار الحرمان بعد كل هذه العقود لا يمثل فشلاً لمشروع الصدر بقدر ما يكشف عن فشل الدولة اللبنانية في تحقيق جزء أساسي من المهمة التي رفعها الرجل منذ البداية.

ومن هنا فإن السؤال في ذكرى تغييب الإمام الصدر ليس فقط أين أصبح مشروعه، وإنما أين أصبحت الدولة من المشروع الذي طالبها به؟ وهل استطاعت الحكومات المتعاقبة أن تبني جنوباً لا يحتاج إلى أن يذكّرها في كل مرة بأنه جزء من لبنان، أم أن الجنوب ما زال يدفع ثمن موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، ويتحمل وحده أعباء الاحتلال والحروب والحرمان والهجرة؟

إن الوفاء الحقيقي لفكر الإمام الصدر لا يكون باستحضار صورته فقط، بل بتحويل جوهر أفكاره إلى سياسات عامة، وبإعادة الاعتبار لفكرة أن رفع الحرمان مسؤولية الدولة أولاً، وأن مق.اومة الاح.تلال والدفاع عن الأرض لا يتعارضان مع بناء الدولة، بل يفترض أن يلتقيا في هدف واحد هو حماية الإنسان والوطن.

فالإمام الصدر لم يرد للجنوب أن يكون جبهة فقط، ولم يرد للمحروم أن يكون رقماً انتخابياً أو جمهوراً سياسياً، بل أراد له أن يكون إنساناً حراً، منتجاً، متعلماً، متمسكاً بأرضه، وشريكاً كاملاً في وطنه.

ومن هنا يبقى جوهر مشروعه حياً لا يموت: مق.اومة الاح.تلال تحمي الأرض، وم.قاومة الحرمان تحمي الإنسان، والدولة العادلة هي التي تجمع بين حماية الأرض وصون الإنسان، فلا يكون الجنوب جبهة منسية في زمن السلم، ولا يكون أبناؤه وحدهم من يدفعون ثمن الحرب في زمن المواجهة.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

قاليباف خلال لقائه وزير الخارجية القطري

الوساطة القطرية:..طهران توازن بين الدبلوماسية والزناد!

الوساطة القطرية:..طهران توازن بين الدبلوماسية والزناد! علي ضاحي خاص takarir.net في كل مرة يتحدث فيها …