تركيا وإس.رائيل في سوريا: صراع النفوذ وحدود القوة
علي ضاحي خاص takarir.net
لم يعد الاحتكاك التركي ـ الإس.رائيلي في سوريا مجرد خلاف على تحرك عسكري، بل تحول إلى صراع على شكل سوريا الجديدة ومن يملك رسم معادلتها الأمنية. وقد جاءت غارات إس.رائيل على قاعدة أبو الظهور في ريف إدلب، امس، لتكشف مستوى التوتر المتصاعد، بعدما استُهدفت القاعدة بثماني غارات عقب زيارة وفد تركي لها.
إس.رائيل بررت الضربة بالقول إن دمشق كانت تقترب من السماح بانتشار قوات تركية في القاعدة، معتبرة أن وجوداً عسكرياً تركياً بهذا الحجم يشكل تهديداً لأمنها. أما أنقرة فرفضت الرواية الإس.رائيلية واعتبرت الضربة انتهاكاً لسيادة سوريا، فيما وصفت واشنطن التصعيد بأنه غير ضروري وتعمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإس.رائيل وسوريا.
لكن خلف المبرر المباشر توجد معركة نفوذ أوسع.
لماذا تخشى إس.رائيل تركيا؟
المشكلة الإس.رائيلية ليست في وجود تركيا داخل سوريا فقط، بل في أنقرة تريد المساهمة في إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية السورية. تركيا تدعم القيادة السورية الجديدة، وتقدم لها دعماً عسكرياً ولوجستياً، وتسعى إلى قيام دولة سورية قادرة على فرض سيطرتها على أراضيها.
بالنسبة إلى إس.رائيل، فإن سوريا قوية عسكرياً ومدعومة من تركيا تعني تراجع هامش حرية الحركة الإس.رائيلية داخل الأراضي السورية. ولهذا تحاول إس.رائيل منع إعادة بناء بنية عسكرية سورية يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى تهديد استراتيجي.
أما تركيا فتنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة: سوريا تمثل عمقها الأمني والاستراتيجي، واستقرارها يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، لا إبقاء سوريا دولة ضعيفة ومفتوحة أمام الضربات الخارجية.
صراع على الخريطة الأمنية
وهنا يكمن جوهر الخلاف، فإس.رائيل تريد سوريا محدودة القدرات العسكرية وخالية من قوى تعتبرها تهديداً لها، مع الحفاظ على حرية العمل العسكري الإس.رائيلي.
تركيا تريد سوريا مستقرة وموحدة وقادرة على بناء مؤسساتها، وترى أن استمرار الضربات الإس.رائيلية يقوض هذا المسار.
ولهذا فإن الصراع الحقيقي هو: من يرسم الخطوط الحمراء في سوريا الجديدة؟
وتزداد حساسية المشهد مع العامل الكردي؛ فتركيا تعتبر منع قيام كيان كردي مسلح على حدودها مسألة أمن قومي، بينما ترى في تعزيز سلطة دمشق على الشمال والشرق جزءاً من الحل. وبالتالي فإن مستقبل شمال سوريا يدخل أيضاً في الحسابات التركية والإسرائيلية.
أبو الظهور: رسالة إلى أنقرة
لذلك يمكن قراءة ضربة أبو الظهور على أنها رسالة إسرائيلية إلى تركيا بقدر ما هي رسالة إلى دمشق: لن تسمح تل أبيب بأن تتحول سوريا إلى منصة لبناء نفوذ عسكري تركي كبير، أو إلى دولة تستعيد قدراتها العسكرية من دون أخذ الحسابات الأمنية الإس.رائيلية في الاعتبار.
والأخطر أن رئيس الموساد أجرى قبل الضربة بأيام اتصالاً مع وزير الخارجية السوري، وكان موضوع الانتشار العسكري التركي حاضراً في النقاش، ما يؤكد أن المسألة تتجاوز حادثاً ميدانياً عابراً.
لا حرب مباشرة
لا تبدو تركيا أو إس.رائيل راغبتين في حرب مباشرة، لكن تراكم الاحتكاكات قد يصبح أخطر من قرار الحرب نفسه. قاعدة عسكرية، رادار، طائرة، انتشار تركي أو ضربة إس.رائيلية قد يتحول إلى اختبار جديد لقواعد الاشتباك.
ولهذا تسعى واشنطن إلى آلية لفض الاشتباك، لأن الصدام بين حليفين للولايات المتحدة داخل سوريا سيكون أكثر تعقيداً من مجرد أزمة إقليمية.
في النهاية، سوريا تتحول من ساحة حرب إلى ساحة صراع على النفوذ.
تركيا تريد أن تكون شريكاً أساسياً في بناء سوريا الجديدة، وإس.رائيل تريد ضمان ألا تتحول هذه سوريا إلى قوة تهدد أمنها.
وبين المشروعين، تصبح أبو الظهور أكثر من قاعدة عسكرية: إنها اختبار لمن يملك حق رسم الحدود الأمنية لسوريا الجديدة: أنقرة أم تل أبيب؟
موقع تقارير موقع تقارير
