لقاء البابا والسيستاني يعزز الحوار الاسلامي المسيحي
لقاء البابا والسيستاني يعزز الحوار الاسلامي المسيحي

زيارة البابا للمرجعية لقاءات الزمان والإيمان

زيارة البابا للمرجعية لقاءات الزمان والإيمان

العلامة الشيخ أسد محمد قصير

الإنجاز الأول:

رجع البابا الحامل لرسالة إبراهيم محبا لورثة آل إبراهيم “ع” ومؤمنا بهم

كنت قد ذكرت في المقال السابق – وأنا على يقين – أنّ المسيح عليه السلام تجلى في بيت المرجعية و ظهر على شخص المرجع باخلاقه العلوية، وكنت متوقعاً أن لايختلف هذا اللقاء في ثماره عن اللقاءات التي نقلها التاريخ بين المسيحية والمحمدية، حيث كان القسيسون والرهبان من النصارى والذين هم أقرب مودة يتأثرون روحيا ومعنوياً، وفي بعض المواقف تفيض أعينهم من الدمع خشوعاً لما يشاهدونه من اخلاق وعلم عند محمد وآل محمد، وقد وصف الله تعالى هذا في محكم كتابه:
{ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}، وكان توقعي في محله، إذ ظهر أنّ الحبر الأعظم للمسيحيين من مصاديق الآيتين الكريمتين، وكان من الشاهدين أمام الله عزّ وجلّ، فلم يتكبر ولم يتعالَ على ما رأى من آيات الله عزّ وجلّ
خُلقا وهديا وسمتاَ وشبها بالأنبياء “ع ” عندما التقى أحد ورثة الأنبياء “ع”، وفي الحديث ((العلماء ورثة الأنبياء))، و ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) ، ولم يكن في صدره حرج أن يعبر عما خالج قلبه من حب واحترام وتقدير، فكانت شهادته :
“إلتقيت برجل من رجال الله حكيم عظيم مؤدب متواضع، ولقد تأثرت به روحياً وأفاض علي نوراً “.
إنّ هذه المشاعر الكريمة والنبيلة والصادقة التي أظهرها بعيداً عن قيود الفاتيكان و برتوكولات الإنجيلية اليهودية، هي شهادة منه بعقله الإنجيلي وبدون شعوره القرآني، أنّ من التقى به يمثل خط النبوة، وهو وريث ” آل إبراهيم ” وعالم من علماء آل محمد عليهم السلام؛ لأنّ هذه الكمالات الأخلاقية والفضائل النبيلة لا تجتمع بحسب ما في القرآن والإنجيل إلا في نبي أو وصي، أو من ورث علمهما وقام مقامهما وجسد أخلاقهما، وكما مرّ
(( العلماء ورثة الأنبياء)) .

وبناءّ عليه نؤكد هذه الحقيقة (رجع محبا لورثة آل إبراهيم) من خلال مجموعة من الشواهد:

أولاً : ذكر أنّه رأى رجلاً عظيما حكيماً من رجال الله ، والقرآن الكريم وصف محمداً “ص” وآله بالحكمة والعظمة في قوله تعالى: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا}، والعالم الربانّي هو مرآة تعكس فضائل واخلاق آل إبراهيم “ع”، وقد جاء في الحديث: (( إنّ آل إبراهيم هم آل محمد)) “ص”
وقد فُسر معنى الحكيم في الإنجيل أنّه : ” الرجل الحكيم هو المملوء فضيلة ومعرفة وعقلية ” ( العهد الجديد، الرسالة الأولى إلى كورنثوس: ٣، ١-٣).
ثانياً: إنّه رجل من رجال الله ، فهو من مصاديق، قوله تعالى: { رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}.
وجاء في الكتاب المقدس: ” أنّ رجل الله هو الرجل المقدس المليء بكلمة الله”.
ويطلق على النبي اليشع. ( العهد القديم، سفر الملوك الثاني، ٥ : ١٥)
ثالثاً: إنّه أفاض عليّ (على البابا) إفاضات روحية ونورانية، { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ…}، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
والمعنى في الإنجيل، أنّ المسيح عليه السلام قال: ” أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة.. بل يكون له نور الحياة “. إنجيل يوحنا
رابعاً: إنّه كان في غاية التواضع وكان حليما : { إن إبراهيم لأواه حليم }، {حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}
جاء في الإنجيل : “تعالوا إلي ياجميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم احملوا نيري عليكم وتعلموا مني؛ لأني وديع ومتواضع فتجدون راحة لنفوسكم؛ لأنّ نيري هين وحملي خفيف…” إنجيل متى11 29-28″
خامساً: قال البابا شعرت بالفخر بزيارة السيد السيستاني، وهذا يكشف عن المودة التي يكنها بعض رهبان النصارى، وقد أظهر البابا ما كان يفعله أسلافه من القسيسين والرهبان عندما كانوا يلتقون بآل إبراهيم، محمد وآل محمد، فمنهم من يكتم الحق تقية، ومنهم من يصرح عما في قلبه دون أن تأخذه العزة والكبر.

اللقاءات التاريخية بين المسيحية والمحمدية

إنّ اللقاءات التاريخية التي ترشح منها النور والإيمان نوضحها في بعض مشاهدها:

المشهد الأول: موقف ورقة بن نوفل المسيحي، وذلك عندما سمع من السيدة الصديقة خديجة “عليها السلام” آيات من القرآنَ الكريم الذي نزل على النبي صلى الله عليه وآله، فقد عرضت عليه آيات من كتاب الله رغبة في إسلامه، وعند سماعه تلك الآيات القرآنية فاضت عيناه بالدمع وأمن وكتم.

المشهد الثاني : موقف النجاشي ملك الحبشة، وذلك عندما وقف مع مهاجري الحبشة في واقعة کاد فيها عمرو بن العاص جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه وأصحابه بشتى أنواع الكيد والحيل، ولكن الله سبحانه ألهم جعفراً كلاماً بيّن حقيقة الإسلام وعيسى ومريم عليهما السلام، فرد الله به كيد عمرو بن العاص وأسرَّ به قلب النجاشي، وفاضت عيناه بالدمع لمّاسمع كلام جعفرٍ، وقال: ” إنَّه كلامٌ عظيمٌ حكيمٌ يُنعشَ الروحَ، وإنّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما”، وطرد عمراً وبقية وفد قريش.
وقد أكرم رسول الله “ص” وفد النجاشي وخدمهم بنفسه، وكان هذا الوفد أربعة عشر قسيسا ولم يسمح “ص” لأصحابه بذلك ، قائلا “إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإنِّي أحب أن أكافئهم”.

المشهد الثالث: لقاء نصارى نجران برسول الله صلى الله عليه وآله، الذي استقبلهم وأكرمهم، وفتح لهم باب مسجده للصلاة فيه، وعند الاحتكام للمباهلة شاهدوه “صلى الله عليه وآله ” قادما بأربعة أنوار هو خامسهم، فترك هذا أثراً بالغا في نفوسهم، فنصحهم بعض كبارهم، أن ينصرفوا عن المباهلة، قائلاً: إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} وبعد أن تراجع النصارى عن المباهلة طلبوا من النبي أن يكونوا في ذمته و يعيشون في رعايته، وكان لهم ذلك إكراماً للنصارى ومن باب رد الجميل { ولا تنسوا الفضل بينكم}.

المشهد الرابع : هو عند وصول رسالة رسول الله “ص” إلى نصارى مصر، حيث سلم رسولِ رسول الله “ص” الرسالة إلى المقوقس حاكم مصر وزعيم النصارى الأقباط، فقرأ عليه رسالته وآيات من القرآن الكريم، فظهر عليه التأثر عند سماع ذلك، حباً واحتراما وتقديراً لكلام رسول الله “ص”، وعبر عن ذلك بطريقته، حيث أرسل امرأةً طاهرةً مؤمنةً قديسةً، هي السيدة مارية القبطية رضوان الله عليها إلى رسول الله “ص”.
ولم ينس رسول الله “ص” هذا فخلد ذكرهم بقوله: ” استوصوا بالقبط خيراً “.
إنّ سيرة رسول الله “ص” هي سيرة أوصيائه من أهل البيت عليهم السلام، فهم القائمون مقامه في حفظ وبيان شريعته، ابتداء بأمير المؤمنين صلوات الله عليه، فكانت قصته مع النصراني المكفوف شاهدة على هذا، حيث وقف عليه السلام متعجباً عندما شاهد شيخاً هرماً يطلب الناس، فقال: ما هذا ؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف.
فقال الإمام صلوات الله عليه ” ما أنصفتموه..استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، أجروا له من بيت المال راتباً “.

المشهد الخامس : إنّ سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام واحدة في إنسانيتها، فهذا راهب آل محمد الإمام موسى بن جعفر “ع”، الإمام السابع من الأئمة الاثني عشر “ع” ، إمام كظم الغيظ والتسامح والعفو والإحسان، يلتقي براهب مسيحي، وهو معروف الكرخي، الذي تحول قبره إلى مزار عظيم في العراق، حيث أفاض عليه من علمه ونوره، فترك أثراً بالغاً في قلب هذا الراهب، ورزقه الله الهداية، فأصبح من أعظم نساك وله ضريح عظيم يزوروه كل الروحانيين.

المشهد السادس: إنّ عصر الإمام الرضا “ع” هو من أكثر العصور ازدهاراً للعلم والفكر والمعرفة، حيث عقدت الحوارات العلمية بين أئمة الأديان والمذاهب في عصره “ع”، فوصل حوار الأديان ذروته وارتقى إلى حوار الحضارات، وكان للإمام “ع” الباع الأوفر.
وقد أثمرت هذه الحوارات أن اهتدى بعلمه “ع” خلق كثير منهم كبار أئمة الأديان والمذاهب، حيث كانت حواراته معهم بكل ودٍّ ومحبة واحترام، فكان هذا يترك أثره البالغ لدى محاوريه.
إنّ أهم هذه المواقف الحوارية حصلت في مرو بخراسان في مجلس المأمون، حيث طلب “ع” منه أن يدعو زعماء الطوائف والملل وعلى رأسهم النصارى فحضروا جميعاً، وأكرمهم صلوات الله عليه وجالسهم ودارت بينهم حوارات مثمرة، وكان يَستدل على كل طائفة بحججها وأدلتها وما هو موجود في كتبها، وكان من جملة الحضور زعيم الصابئة الأعظم “عمران الصابئي”، وكان يوماً مشهوداً له، فبعد أن قال الإمام عليه السلام :” يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الاسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم”، فقام عمران الصابئي، فأخذ يسأل والإمام يجيب على كل مسالة يطرحها عليه، فيندهش من علم الإمام وطريقته وأخلاقه الرفيعة في الحوار، ويعلن هذا الذي عجز علماء الإسلام عن مناظرته، ويقول:
في آخر الحوار الذي دار بينهما ” نعم يا سيدي فهمت، وأشهد أن الله على ما وصفت ووحدت، وأن محمدا عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خر ساجدا نحو القبلة وأسلم”.

المشهد السابع:( وهو حتمية مستقبلية) إنّ هذا المشهد هو مشهد مستقبلي ترسم معالمه الآيات القرآنية والأخبار النبوية، ونصوص الكتاب المقدس، تؤكد حتمية اللقاء الخاتم، بعد ظهور الإمام المهدي عليه السلام، ونزول عيسى عليه السلام، وهو لقاء بين كلمتين من كلمات الله عزّ وجلّ – من ذرية إبراهيمَ عليه السلام – يجتمع السيد المسيح عليه السلام بإمامه المهدي من آل محمد سلام الله عليه وعلى والدته السيدة نرجس بنت شمعون المسيحية، ” الَّذى يَمْلاُ الاَرْضَ قِسْطا وَعَدْلاً كَما مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً “، وحين يستجيب الله دعاء : (( اللهم إنا نرغب اإليك في دولة كريمة )).
هذا اللقاء الذي يقر المسيحيون فيه بنبوة عيسى عليه السلام { وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا }، وفي هذا الوقت يكون عيسى “ع” وزيراً للإمام “ع” كما في الحديث ((فإنّمَا بُعثتُ وزيرًا ولم أُبعَث أميرًا))، وآخر (( كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ))، ولعل نزولًه “ع” في آخرِ الزمانِ لإقامة الحجة على المسيحيين، أنّه عبد من عباد الله ورسول منه، ويعرفهم بإمام عصرهم.
وهنا في هذا الموقف سيبين عيسى “ع” أنّ الجميع تابع للإمام “ع” ، وبهذا يتم التلاحم والتعاون بين المسيحية والمحمدية تحت رايته “ع” ويتشكل نظام عادل يختم الله به الدنيا – بعد هزيمة الظلمة وإسقاط المشروع السفياني واليهودي والإنجليي -، وتقام دولة العدالة والرحمة الإلهية، حيث يأخذ كل إنسان حقه فلا ظالم ولا مظلوم ولاغني ولا فقير كلهم سواسية، وفي الحديث عن دولة الإمام المهدي “ع” : ((وألقى الرَّأفة والرَّحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسَّويَّة فيستغني الفقير، ولا يعلو بعضهم بعضاً، ويرحم الكبيرُ الصَّغيرَ ويوقِّر الصَّغيرُ الكبيرَ)).
وتتحقق الأخوة الإبراهيمية والوحدة الإنسانية على نهج محمد وآل محمد عليهم السلام البقية الباقية من ذرية إبراهيم عليه السلام، { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ}، و{ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

أخيراً :إن رجوع الحبر الأعظم من العراق بقلبٍ مليءٍ بالإيمان متأثراً بمدرسة الطُهر ومكارم الأخلاق والمثل العليا مدرسة أهل البيت “ع” لهو إنجازٌ كبيرٌ ستكون له إشراقاته الإنسانية وفوائده البشرية .

شاهد أيضاً

الدكتور عباس خامه يار

عاشقٌ حافي القدمَين!

عاشقٌ حافي القدمَين! الدكتور عباس خامه يار * إنه حافي القدمين …! بالمعنى الحقيقي؛ وليس …