الدكتور بسام الهاشم
الدكتور بسام الهاشم

كتاب مفتوح إلى رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور حسان دياب

كتاب مفتوح إلى رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور حسان دياب
الدكتور بسام الهاشم/ باحث وناشط سياسي
دولة الرئيس، في المعركة التي خاضتها حكومتكم باللحم الحي، كما يقال، ضد جائحة كورونا، أبليتم البلاء الحسن ـ والله يشهد ـ على رغم ضحالة الإمكانات الباقية بتصرفكم بعد كل النهب الذي نهبته منظومة الفساد الحاكمة، للأموال العامة ومقدرات الدولة. وقد حققتم في هذه المعركة ـ خصوصاً بهمة وزير الصحة زميلنا في الجامعة اللبنانية، الدكتور حمد حسن الذي لا ينام الليل ـ من النتائج ما عجزت، بالمقاييس النسبية، عن تحقيقه حكومات دول كبرى في العالم. وحول هذا الملف بالذات، كواحد من المنخرطين في ثورة الشعب اللبناني، ثورة 17 تشرين 2019 – التي، للتذكير، إليها هي، لا إلى المنظومة الحاكمة، إنما تدينون بوجود حكومتكم – لا يسعني التوجه إليكم بغير التهنئة.
بيد أن مقاربتكم لهذا الملف كانت، وللبداهة، شيئاً. وشيئاً آخر تماماً كانت، وللأسف، مقاربتكم بموازاته لملف الإصلاح المالي والاقتصادي الذي كان هو تحديداً علة الوجود الأساسية لحكومتكم، وهو يبقى بالتأكيد علة بقائها أو رحيلها.
ففي الملف الأخير، بعد القرار الشجاع الذي اتخذتموه بالامتناع عن تسديد سندات اليوروبوند عند استحقاقها، توقع البعض أن تتبعوه بقرارات أخرى من نفس الطينة. عنيت قرارات تبدأ بفتح ملف النهب والناهبين الذين أوصلوا الدولة إلى ما وصلت إليه من انهيار مالي، ولا تنتهي حتى إلى مجرد التفكير بتحميل عامة الناس ولو قرشا واحداً من كلفة معالجة الانهيار هذا – الذي، أصلاً، لا ناقة للعامَّة فيه، ولا جمل – قبل إحالة ملف الفساد بجميع مكوناته إلى القضاء، وإطلاق يد هذا الأخير، بعد ضمان قدرته على الممارسة بنزاهة واستقلالية، في العمل على استرجاع المال المنهوب، فضلاً عن المال المهرّب حديثاً إلى الخارج، ومحاسبة المتورطين في جريمتي النهب والتهريب المعنيتين بشفافية وتصميم.
رفض بيع اصول الدولة
ولكنكم، بدلاً من اتخاذ مثل هذه القرارات المنجية، آثرتم، وللأسف، التفتيش عن حلول تجنبكم التصادم مع من سطوا على الأموال العامة وأوصلونا إلى ما وصلنا إليه من عوز ومذلّة، وهي كناية عن خليط ـ للمناسبة، مرفوض قطعاً من قبل شعبنا الثائر ـ من بيع أصول الدولة، والارتهان لمشيئة المؤسسات المالية الدولية ومساواة ”المحلوبين“ بـ ”الحالبين“ في تحمل كلفة التصحيح المالي. وقد آثرتم، في الحقيقة، التوجه نحو هذا الخليط، مع أنكم، على ما يستشف من بعض تصريحاتكم وتصريحات البعض من أعضاء حكومتكم ذات الصلة، لا تجهلون كم هو مرفوض من قبل شعبنا.
فلماذا، يا دولة الرئيس، بين أن تتجنبوا إغضاب من أوصلوا البلد إلى هذا الدرك، وبين أن تتجنبوا إغضاب الشعب الضحية الثائر، تُراكم بالأحرى ميالين إلى الأخذ بالخيار الأول، عنيت تجنب إغضاب رموز الفساد، على ما فيه من استفزاز للشعب وحض له على السعي إلى إسقاطكم، تماماً كما أسقط الحكومة الحريرية السيئة الذكر؟ دعنا نتحرى.
قد يكون ذلك، بداية، لخشية عند حكومتكم لرد عليها من قبل هذه الرموز، في حال انحيازها إلى خيار الشعب، بمحاولة اغتيال لرئيسها. وهذا، مما لا شك فيه، احتمال وارد، على ما ذهب إليه رفيقنا في الثورة العميد سامي رمّاح، في مقال له نشره أمس على مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن من يخاف التعرض لمثل هذه المحاولة ويخاف ألا يتمكن من تدارك حصولها، عليه أن يتنحى، مفسحاً المجال أمام سواه لتحمل المسؤولية.
فتح ملفات فساد الزعماء
ولكن قد يكون السبب أيضاً أن حكومتكم تبغي مكافحة الفساد، ولكن لا تدري من أين تبدأ، مخافة ألا يكون بدؤها بفتح ملف الزعيم الفلاني من الطائفة الفلانية ذريعة لاستدراج ردات فعل من مرجعيات الطائفة هذه على رموز لطائفة أو طوائف أخرى، بذريعة أن فلان الفلاني ”خط أحمر“، ومن هنا بالتالي استعمال المساءلة على فساد محتمل من قبل زعيم في طائفة وسيلة لتأجيج الصراعات ما بين الطوائف في البلاد. وهذا، بالتأكيد، احتمال وارد. ولكن، أمام مثل هذا الاحتمال، لتجنب المحذور، يمكن حكومتكم، دولة الرئيس، ولوج مسار من اثنين: إما تكليف القضاء إلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لجميع من تعاقبوا على مراكز المسؤولية في الدولة، سواء في السياسة أم في الإدارة، أم في سواهما، من سنة 1993 حتى اليوم، ومن ثم إطلاق يده في مساءلتهم، فتبرئة من منهم لا تثبت عليه شبهة، وفي المقابل إدانة من يتبين أنه مذنب؛ وإلا فاعتماد خيار آخر ما زال غير مجرب، هو خيار النيل منهم جميعاً عبر إخضاع رياض سلامة للمساءلة القضائية.
رياض سلامة إما مسؤول فاشل!
ففي ما يتعلق برياض سلامة، في أول آب 1993، أي قبل 27 سنة، كان تعيينه، لولاية أولى مدتها ست سنوات، حاكماً لمصرف لبنان. ثم تم التجديد له تباعاً لأربع ولايات إضافية كان آخرها سنة 2017. وعبر هذا المسار الطويل، تم تصنيفه تباعاً في 2011، و2017، و2018، و2019، من قبل مجلة غلوبال فاينانس (Global Finance)، في تقاريرها السنوية، في درجة ”A“ (أي الأفضل)، بين 94 حاكماً لمصرف مركزي في العالم. وكان هو، من جانبه، لا يترك فرصة إلا ويطمئن الناس فيها، عبر تصريحات مشهودة، إلى استقرار الوضع النقدي في لبنان، وحصانة الليرة اللبنانية وثبات سعر صرفها تجاه الدولار الأميركي وسائر العملات الأجنبية، كما إلى ضمان الحفاظ على أموال المودعين. ولكن المحصلة النهائية للتجربة كانت، وللبداهة، النقيض التام لهذه التصريحات المخدرة، بشهادة الحكومة في خطتها المالية التي حددت الخسائر التي تكبدها مصرف لبنان (بقطع النظر عن السطو الحاصل على أموال المودعين، وانهيار سعر صرف الليرة) بفعل كل بهلوانيات رياض سلامه، بأكثر من 42 مليار دولار، كما قدرت ارتفاعها إلى أكثر من 63 مليار دولار بعد إعادة هيكلة الدين الحكومي وديون الدولة التي يحملها مصرف لبنان.
فأمام هذا الواقع المشين، يتبين أن رياض سلامة إما مسؤول فاشل، وإما مرتكب عمداً. ولكنه في الحالتين يستوجب المساءلة والمحاسبة. كما إن من شأن مساءلته، سواء كفاشل أو كمرتكب، أن يفتح الباب واسعاً أمام إمكان الوصول إلى المتورطين معه من السياسيين وكبار الموظفين والمقاولين، وفضحهم جميعاً، بعيداً عن كل تمييز طائفي قد يستثمره هؤلاء، كما عادتهم دائماً، للانقضاض مجدداً على البلد وإثارة النعرات فيه، فتحويلها إلى صراعات طائفية. وهذا بالتالي ما يمكنكم فعله للوصول إلى حيث يكون مدخل التصحيح المالي الحقيقي واسترجاع أموال الدولة والناس، مع كسب ثقة الناس ودونما تعريض باستقرار العلاقات ما بين الطوائف، يا دولة الرئيس؛ وهذا، بطبيعة الحال، إن كان خياركم الحقيقي التصحيح، لا باعتماد الخيار الآخر ـ المزيج المذكور أعلاه والمرفوض شعبياً، بل بواسطة الأموال المنهوبة والمهربة المستعادة من ناهبيها ومهربيها.
وأما إذا كان ميلكم الحميم هو، بالعكس، إلى محاولة التصحيح بما لا يمس بالفاسدين، وإن ارتفعت كلفته على الدولة والناس، فعندها ـ واحفظوا هذا الكلام جيداً، يا دولة الرئيس ـ لن يبقى أمام حكومتكم سوى ملاقاة مصيرها، على خطى الحكومة التي سبقتها، بمواجهة شعب غاضب ينتظرانقشاع الغيمة الكورونية السوداء، بل ربما لن يسعه الانتظار حتى ذاك، لاستئناف ثورته التي هيهات أن تكون قد انتهت، كما يحلو للبعض الترويج له، إذ هي بالكاد بدأت.

شاهد أيضاً

البطريرك بشارة الراعي

لا موقف للراعي من اعتصام «التغييريين»… ومساعيه الرئاسيّة لن تتوقّف!

لا موقف للراعي من اعتصام «التغييريين»… ومساعيه الرئاسيّة لن تتوقّف! كتب الصحافي علي ضاحي في …