مهمة باكستان «المعقّدة»..وساطة مزدوجة بين واشنطن وطهران وطهران والرياض!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
تتحرك الدبلوماسية الباكستانية على خط بالغ الحساسية بين طهران والرياض وواشنطن، في وقت تتداخل فيه الحرب الإيرانية ـ الأميركية مع التصعيد الحوثي ـ السعودي، وتتحول الممرات البحرية والطاقة إلى أدوات ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا. فاللقاءات الإيرانية ـ الباكستانية الأخيرة لا تنفصل عن محاولة إسلام آباد منع تمدد الحرب إلى محيطها، ولا عن الضغوط التي تواجهها نتيجة التزاماتها الأمنية تجاه السعودية، في ظل استمرار احتفاظها بقناة اتصال مع إيران.
وبحسب تقارير صحافية، ناقش قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير مع مسؤولين إيرانيين، بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي، الهجمات الحوثية على السعودية، وسط مطالب باكستانية لطهران باستخدام نفوذها لدى الجماعة اليمنية لوقف استهداف المنشآت الحيوية والطاقة السعودية. وتأتي هذه الاتصالات في سياق مساعٍ أوسع لإحياء التفاوض الأميركي ـ الإيراني المتعثر، ما يجعل باكستان وسيطاً محتملاً وشريكاً أمنياً في آن واحد.
مأزق إسلام آباد
وتواجه باكستان معادلة شديدة التعقيد: فهي ترتبط بعلاقة دفاعية استراتيجية مع السعودية، لكنها تشترك مع إيران في حدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية، ولا تريد أن تتحول أراضيها إلى منصة مواجهة مع جارتها الغربية. كما أن انخراطها في الوساطة بين طهران وواشنطن يمنحها دوراً دبلوماسياً متقدماً، لكنه يضعها أمام اختبار حقيقي إذا تحولت الضغوط السعودية إلى طلب عسكري مباشر.
وقد كشفت «رويترز» أن إسلام آباد لعبت خلال الأشهر الماضية دوراً مزدوجاً، باعتبارها شريكاً دفاعياً للرياض وقناة خلفية للتواصل مع طهران وواشنطن. غير أن تصاعد القتال بين الحوثيين والسعودية يختبر قدرة باكستان على الاستمرار في الإمساك بالعصا من الوسط، خصوصاً مع تنامي الحديث عن التزاماتها بموجب اتفاق الدفاع المشترك مع الرياض.
الرسالة الإيرانية
ولا تبدو طهران مستعدة لتقديم تعهدات مفتوحة بشأن الحوثيين، ولا سيما أن الجماعة تمتلك حساباتها الميدانية والسياسية الخاصة، حتى مع ارتباطها الاستراتيجي بإيران. ولذلك فإن أي طلب باكستاني بوقف الهجمات على السعودية يصطدم بسؤال النفوذ: إلى أي حد تستطيع إيران التأثير في قرار الحوثيين، وإلى أي حد تريد استخدام هذا التأثير في ظل الحرب الأوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها؟
وتؤكد هذه النقطة أهمية التمييز بين الدعم الإيراني للحوثيين وبين افتراض وجود سيطرة عملياتية كاملة على قراراتهم. فالجماعة اليمنية تتحرك ضمن بيئة محلية وإقليمية خاصة، وتستخدم موقعها على البحر الأحمر وأدواتها الصاروخية والطائرات المسيّرة لتحقيق أهداف تتصل ببقائها السياسي والعسكري، فضلاً عن توظيفها في الصراع الإقليمي.
ومن هنا، فإن الضغط على طهران قد ينتج رسائل تهدئة أو ترتيبات محدودة، لكنه لا يضمن بالضرورة وقفاً شاملاً للهجمات ما لم تتوافر تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة مع القيادة الحوثية نفسها.
ورقة السعودية
وتدخل الرياض الاتصالات الحالية من موقع أمني حساس. فالهجمات على المنشآت النفطية وخطوط النقل والطاقة ترفع كلفة الحرب، وتفرض على السعودية البحث عن قنوات احتواء موازية للمواجهة العسكرية. كما أن تردد الحلفاء في الانخراط المباشر يضع الرياض أمام ضرورة اختبار أدوات دبلوماسية جديدة، بما فيها التواصل غير المباشر مع طهران عبر وسطاء إقليميين.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن باكستان حذرت إيران من استمرار استهداف السعودية، مع الإشارة إلى احتمال اضطرارها إلى الوفاء بالتزاماتها الدفاعية إذا تقدمت الرياض بطلب رسمي. لكن ذلك لا يعني أن التدخل العسكري أصبح قراراً محسوماً؛ إذ تظل هناك اعتبارات قانونية وسياسية وعسكرية، فضلاً عن رغبة إسلام آباد في تجنب مواجهة مفتوحة مع إيران.
الوساطة الكبرى
ولا تقتصر أهمية التحركات الباكستانية على الملف السعودي ـ الحوثي، بل ترتبط أيضاً بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني. فقد استضافت إسلام آباد في نيسان 2026 محادثات بين واشنطن وطهران، لكنها انتهت من دون اتفاق نهائي، فيما استمرت الخلافات حول الملف النووي، والعقوبات، والأصول المجمدة، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
وبعد تعثر تلك المحادثات، واصلت باكستان محاولة إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً. وتكمن أهمية هذا الدور في أن إسلام آباد لا تتحدث من موقع وسيط محايد بالكامل؛ فهي مرتبطة بعلاقات أمنية وثيقة مع السعودية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى إبقاء حدودها مع إيران مستقرة، ومنع انتقال الصراع إلى إقليم بلوشستان والمناطق الحدودية.
حسابات الصين
وتتصل هذه التحركات أيضاً بالمصلحة الصينية في منع انهيار أمن الطاقة والملاحة. فاضطراب مضيق هرمز والبحر الأحمر يرفع كلفة النقل والتأمين ويؤثر في تدفقات النفط، بينما تحاول بكين الحفاظ على قنواتها مع طهران وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وقد دعت الصين، عبر وزير خارجيتها وانغ يي، إيران والولايات المتحدة إلى ضبط النفس والعودة إلى التفاوض، مع التشديد على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز وحماية سلاسل الإمداد. ويمنح هذا الموقف الوساطة الباكستانية بعداً إضافياً، إذ يمكن أن تتقاطع مصالح إسلام آباد وبكين في احتواء التصعيد، وإن كانت لكل منهما حساباتها الخاصة تجاه واشنطن وطهران والخليج.
خفايا التوقيت
ويأتي التحرك الباكستاني في لحظة تتراجع فيها قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على ضمان الاستقرار الإقليمي. فالاتفاقات الدفاعية لا تعني بالضرورة تدخلاً فورياً، والضمانات الأميركية لا تبدو مطلقة، فيما تسعى دول الخليج إلى تنويع قنواتها الأمنية والدبلوماسية. وفي هذا السياق، تحاول إسلام آباد تجنب خيار الاصطفاف الكامل مع طرف واحد، عبر استخدام الحوار مع طهران لتخفيف المخاطر، مع إبقاء التزاماتها تجاه الرياض قائمة.
لكن هذا التوازن يواجه حدوداً عملية. فإذا استمرت الهجمات على السعودية، فقد تجد باكستان نفسها أمام ضغوط لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً. وإذا توسعت الحرب الأميركية ـ الإيرانية، فقد يصبح الحفاظ على قنوات التواصل أصعب، خصوصاً إذا تعرضت المصالح الإيرانية أو الباكستانية لضغوط أمنية مباشرة.
تسوية مشروطة
ولا تشير اللقاءات الإيرانية ـ الباكستانية، وفق المعلومات المتاحة، إلى اتفاق نهائي أو صفقة شاملة، بل إلى مسار اتصالات يهدف إلى منع التصعيد وإدارة الأزمات المتداخلة. وتبقى نتائج هذه التحركات مرتبطة بقدرة طهران على التأثير في المشهد اليمني، واستعداد الرياض لقبول ترتيبات سياسية وأمنية، وموقف واشنطن من إعادة إطلاق المفاوضات، فضلاً عن حسابات الحوثيين أنفسهم.
إن جوهر المسألة لا يقتصر على وقف هجوم أو تمرير رسالة بين عاصمتين، بل يتعلق بإعادة صياغة توازنات المنطقة: من يضمن أمن السعودية؟ ومن يحدد قواعد الملاحة في البحر الأحمر وهرمز؟ وهل تستطيع باكستان أن تكون وسيطاً بين إيران والولايات المتحدة، وشريكاً دفاعياً للرياض، من دون أن تنزلق إلى أحد معسكرات الحرب؟
وفي هذه المرحلة، تبدو إسلام آباد أمام اختبار دبلوماسي وأمني مزدوج. نجاحها لا يقاس فقط بعقد اللقاءات، بل بقدرتها على تحويل الاتصالات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، تمنع اتساع الجبهات وتحافظ على مصالحها مع أطراف متعارضة. أما فشل الوساطة، فقد يدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب، حيث تصبح الطاقة والممرات البحرية والاتفاقات الدفاعية أدوات صراع، لا مجرد ملفات تفاوض.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير