التفاوض مع الحوثيين..واشنطن تحمي سفنها والرياض لـ”إحتواء التهديد”!
علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد الساحة اليمنية مجرّد جبهة جانبية في الحرب الإقليمية، بل تحوّلت إلى اختبار مباشر لحدود التحالف الأميركي ـ السعودي، وقدرة واشنطن على حماية مصالحها البحرية من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة دفاعاً عن الرياض.
فبينما يواصل الحوثيون توسيع حضورهم على الساحل الغربي لليمن، تتكشّف قنوات تفاوض منفصلة: واشنطن تبحث عن ضمانات لحماية سفنها ومصالحها، والرياض تسعى إلى احتواء التهديد المتصاعد لأمنها، فيما يحاول الحوثيون تحويل الميدان العسكري إلى ورقة تفاوضية تفرض شروطها على الطرفين.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية مضاعفة بعد الهجوم الحوثي الواسع الذي أفضى، وفق تقارير صحافية، إلى السيطرة على مناطق استراتيجية من الساحل المطل على البحر الأحمر، بينها ميناء المخا وجزيرة ميون، وسط تراجع قوات مدعومة من السعودية. هذا التقدّم لا يغيّر فقط موازين القوى داخل اليمن، بل يمنح الحوثيين قدرة أكبر على التأثير في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية عالمياً.
تفاوض أميركي مع الحوثيين
وكشفت وكالة «رويترز» عن اجتماع سري عقده مسؤولون أميركيون مع ممثلين عن الحوثيين في السفارة الأميركية بمسقط، بمساعدة عُمانية، في خطوة تعكس استمرار قنوات الاتصال بين الطرفين رغم التصنيف الأميركي للحوثيين “منظمة إرهابية”. وبحسب مصادر الوكالة، أبلغ الحوثيون الجانب الأميركي أنهم لا ينوون استهداف السفن الأميركية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي توصّلوا إليه مع واشنطن في أيار 2025، مع الإشارة إلى استعدادهم لاستثناء السفن السعودية من تعهّدات عدم الاستهداف.
ولم تؤكد وزارة الخارجية الأميركية الاجتماع بصورة مباشرة، لكنها شددت على أن حرية الملاحة في البحر الأحمر من المصالح الأساسية للولايات المتحدة.
المغزى السياسي لهذه القناة لا يكمن في كون واشنطن دخلت في تسوية شاملة مع الحوثيين، بل في أنها تحاول فصل أمنها البحري والعسكري عن مسار المواجهة السعودية ـ الحوثية. فالمطلوب أميركياً، وفق المعطيات المتداولة، منع استهداف السفن الأميركية وضمان استمرار الملاحة في باب المندب، من دون الالتزام بتدخل عسكري مباشر لإعادة رسم ميزان القوى داخل اليمن. وهذا لا يعني خروج واشنطن من المشهد أو تخليها الكامل عن الرياض، بل يكشف سعياً إلى إدارة المخاطر وفق أولويات أميركية محددة.
قلق سعودي
في المقابل، تنظر الرياض إلى التمدد الحوثي باعتباره تهديداً يتجاوز الحدود اليمنية، ليطال المنشآت النفطية وخطوط التصدير والمنظومة الأمنية السعودية. وقد أفادت تقارير بأن السعودية طلبت دعماً في مجال الدفاع الجوي والصاروخي من حلفاء غربيين وإقليميين، في ظل استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية نتيجة الحرب الأوسع مع إيران. كما أشارت تقارير إلى أن واشنطن لا تبدو مستعدة للانخراط عسكرياً بصورة مباشرة في المعركة اليمنية، رغم استمرار العلاقة العسكرية والتنسيق الأمني مع السعودية.
هنا يظهر التباين في تعريف الأولويات. فالولايات المتحدة تريد منع تهديد الملاحة والمصالح الأميركية، بينما تحتاج السعودية إلى مظلة ردع تحمي أراضيها ومنشآتها الحيوية وتمنع الحوثيين من تحويل الساحل اليمني إلى منصة ضغط دائمة. وبين الهدفين، تتقلص مساحة التوافق العملي، حتى لو بقي التحالف السياسي والعسكري قائماً.
عرض الهدنة
وبالتوازي مع المسار الأميركي، تحدثت تقارير عن مبادرة سعودية نُقلت عبر سلطنة عُمان إلى الحوثيين، تتضمن وقفاً لإطلاق النار لمدة أسبوعين وفتح باب المفاوضات المباشرة مع قيادة الجماعة. و أوردت «جيروزاليم بوست»، أن المقترح يبدأ بمناقشة المطالب الإنسانية للحوثيين، على أن يُبحث لاحقاً في اتفاق أوسع خلال فترة الهدنة. غير أن هذه المعلومات تبقى في إطار التقارير المنسوبة إلى مصادر إعلامية، ولم تُعلن تسوية رسمية مكتملة من الطرفين.
وإذا صحّت هذه المبادرة، فإنها تعبّر عن محاولة سعودية لشراء وقت سياسي وميداني، ووقف اندفاعة الحوثيين قبل أن تتحول مكاسبهم على الساحل الغربي إلى واقع يصعب عكسه. كما أنها تشير إلى أن الرياض لا تراهن على الحل العسكري وحده، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة الدفاع الجوي، واتساع المخاطر على البنية التحتية والطاقة، وعدم وضوح حدود الالتزام الأميركي بأي مواجهة مباشرة.
عُمان الوسيط
وتؤدي مسقط دوراً مركزياً في إدارة الاتصالات المتوازية، مستفيدة من قنواتها المفتوحة مع واشنطن والحوثيين والرياض. لكن الوساطة العُمانية لا تعني بالضرورة أن الأطراف اقتربت من اتفاق نهائي؛ فالمسارات الحالية تبدو أقرب إلى محاولات لتثبيت خطوط حمراء محددة، ومنع الانزلاق إلى تصعيد أوسع، لا إلى معالجة جذور الصراع اليمني.
وتبقى المشكلة الأساسية أن كل طرف يدخل التفاوض من موقع مختلف. واشنطن تريد ضمان أمن الملاحة وعدم استهداف قواتها وسفنها. السعودية تريد تحييد التهديد الحوثي لأمنها ومصالحها الحيوية. أما الحوثيون فيسعون إلى تثبيت مكاسبهم العسكرية، وتوسيع الاعتراف بدورهم في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، مع استخدام باب المندب والساحل الغربي كورقة ضغط استراتيجية.
باب المندب
إن السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي اليمني لا تمنح الحوثيين بالضرورة قدرة مطلقة على إغلاق باب المندب، لكنها توفر لهم موقعاً جغرافياً وعسكرياً يرفع كلفة حماية الملاحة ويمنحهم هامشاً أوسع للتهديد أو التفاوض. ولذلك فإن القلق الدولي لا يرتبط فقط بالهجمات الفعلية على السفن، بل أيضاً بإمكانية امتلاك جهة مسلحة القدرة على تعطيل حركة التجارة والطاقة في توقيت تختاره.
وتزداد حساسية هذا العامل مع اضطراب أسواق الطاقة وتداخل جبهات البحر الأحمر والخليج ومضيق هرمز. فأي تهديد متزامن لهذه الممرات لا ينعكس على السعودية وحدها، بل يضغط على سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع كلفة التأمين والنقل، ويضع الدول الكبرى أمام معادلة صعبة بين الرد العسكري والتفاوض غير المباشر.
مناورة حوثية
ويستثمر الحوثيون التناقض بين الأولويات الأميركية والسعودية. فمن خلال طمأنة واشنطن بشأن السفن الأميركية، مع الإبقاء على الضغط على السعودية، يحاولون تفكيك وحدة الموقف المعادي لهم، وتحويل المواجهة من حرب شاملة إلى مجموعة تفاهمات جزئية. لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، إذ إن استمرار الهجمات أو توسيع السيطرة الميدانية قد يدفع أطرافاً إقليمية ودولية إلى إعادة حساباتها، خصوصاً إذا أصبحت الملاحة الدولية مهددة بصورة مباشرة.
كما أن أي اتفاق ثنائي أميركي ـ حوثي محدود لن يكون كافياً لإنهاء الصراع اليمني. فوقف استهداف السفن لا يحلّ أزمة السلطة، ولا يعالج مستقبل المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا يضمن أمن السعودية، ولا يضع إطاراً دائماً لتقاسم النفوذ والثروة والموانئ.
تسوية مؤجلة
المشهد الراهن لا يشير إلى تسوية واحدة متكاملة، بل إلى مفاوضات متعددة المسارات، لكل منها سقفها ومصالحها وحدودها. واشنطن تتفاوض لتأمين مصالحها، والرياض تتحرك لاحتواء الخطر، والحوثيون يفاوضون من موقع ميداني أكثر قوة بعد توسعهم على الساحل الغربي.
وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الاتصالات قد بدأت، بل ما إذا كانت ستنتج اتفاقاً يوقف التصعيد أم تتحول إلى هدنة مؤقتة تعيد توزيع خطوط النار. فالاستقرار في اليمن لن يتحقق بضمان سلامة سفن طرف واحد، ولا بوقف محدود للهجمات، بل بتسوية تربط أمن السعودية، ومستقبل الدولة اليمنية، وحرية الملاحة في البحر الأحمر، والتوازنات الإقليمية الأوسع. وحتى ذلك الحين، يبقى باب المندب ساحة ضغط مفتوحة، وتبقى عُمان بوابة تفاوض، فيما يستمر الحوثيون في اختبار حدود التحالفات والضغوط الدولية.
موقع تقارير موقع تقارير
