علي الطاهر الانجاز الذي يحاول الاحتلال تسويقه لانتخابات نتنياهو
علي الطاهر الانجاز الذي يحاول الاحتلال تسويقه لانتخابات نتنياهو

علي الطاهر..الصور الإسرائيلية تكذب وهم «الانتصار» وتؤكد صمود الم.قا.ومة!

علي الطاهر..الصور الإسرائيلية تكذب وهم «الانتصار» وتؤكد صمود الم.قا.ومة!

علي ضاحي – خاص takarir.net

لم تعد صور علي الطاهر التي نشرها جيش الاحتلال مجرد مادة دعائية إس.رائيلية للاحتفال بتفجير المنشأة، بل تحولت، عند تفكيكها بعيداً عن السردية التي أراد الاحتلال فرضها، إلى مادة يمكن أن تُقرأ في الاتجاه المعاكس تماماً. فالإعلان الإس.رائيلي عن السيطرة على مسارين تحت الأرض بعد أسابيع طويلة من القتال، ثم تفجيرهما، لا يلغي حقيقة أن الوصول إلى المنشأة وتثبيت السيطرة عليها استغرق وقتاً وكلفة عسكرية كبيرة، وأن المعركة لم تكن عملية خاطفة كما تحاول الرواية الإس.رائيلية تقديمها.

فالجيش الإس.رائيلي أعلن في الثالث من أيلول أن قوات من الفرقة 36 أنهت «تطهير» مسارين تحت الأرض في علي الطاهر، وقال إنه فرض سيطرة عملياتية فوق الأرض وتحتها. وبعد أسبوع، فجّر الجيش المنشأة بحضور الرواية السياسية التي قدمها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس باعتبارها إنجازاً عسكرياً كبيراً وتكريساً للمنطقة الأمنية.

لكن قراءة الصور نفسها، إلى جانب مسار المعركة، تقدم رواية أكثر تعقيداً.

منشأة تكتيكية

الحديث عن طبيعة منشأة علي الطاهر ووفق مصادر ميدانية لـtakarir.net يحتاج إلى تمييز أساسي بين المنشأة الاستراتيجية الكبرى وبين المنشأة التكتيكية والعملياتية. فالمنشأة الاستراتيجية عادة ما ترتبط بمخزون واسع من الأسلحة والقدرات والصواريخ ومراكز القيادة ذات المستوى الأعلى، بينما يمكن للمنشأة التكتيكية أن تضم شبكة أنفاق وغرفاً ومواقع قيادة وإيواء وممرات للحركة والقتال، تؤدي وظائف محددة ضمن مسرح العمليات.

والصور التي نشرها الاحتلال لا تسمح وحدها بإثبات كل ما يقال عن طبيعة المنشأة، لكنها تقدم مؤشرات مهمة على طبيعتها الوظيفية. فهي تُظهر ممرات وغرفاً ومداخل وبنية تحتية تحت الأرض، فيما يقول الجيش الإس.رائيلي نفسه إن المنشأة ضمت غرف قيادة ومخازن أسلحة ومولدات وأماكن إقامة ومرافق تسمح بالبقاء والعمل لفترات طويلة.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها: إذا كان الاحتلال احتاج إلى أسابيع طويلة من القتال والوحدات النخبوية للوصول إلى هذه البنية وتعطيلها، فإن القيمة العسكرية للمنشأة لا تُقاس بحجم السلاح الذي كان موجوداً فيها فقط، بل بقدرتها على إبطاء قوة مهاجمة متفوقة بالنيران والاستخبارات والاستطلاع.

صور القتال

الأكثر دلالة في الصور الإس.رائيلية ليس ما يريد الاحتلال قوله، بل ما قد تكشفه الصور نفسها.

ظهور مقاتلين في محيط مداخل المنشأة وفي سياق مواجهة مباشرة مع القوات الإس.رائيلية لا يثبت رواية الاستسلام التي حاول الاحتلال الترويج لها منذ بداية العملية. فالصور، في حد ذاتها، لا تثبت أن المقاتلين خرجوا رافعين أيديهم أو سلّموا أنفسهم، بل تشير إلى وجود مواجهة واشتباك في محيط المنشأة.

وهذه نقطة أساسية في تقييم العملية.

فالاحتلال حاول تقديم المعركة وكأنها عملية اقتحام انتهت بإخراج عناصر المق.اومة من مخبئهم والسيطرة الكاملة على الموقع. لكن ما هو ثابت من الرواية الإس.رائيلية نفسها أن قوات الفرقة 36 خاضت عمليات طويلة فوق الأرض وتحتها، وأن بعض عناصر المق.اومة سقطوا فيما انسحب آخرون، وفق الرواية الإس.رائيلية. كما تحدثت تقارير عن قتال متواصل وصعب في المنطقة وعن هجمات استهدفت القوات الإس.رائيلية خلال فترة العملية.

وبالتالي فإن الصورة التي يمكن تثبيتها إعلامياً ليست «مقاتلين استسلموا»، بل مقاتلين واجهوا قوة مهاجمة ثم انتهت المعركة بالسيطرة الإس.رائيلية على المنشأة.

خمسة قتلى

اما عن الخسائر الإس.رائيلية، فالمعطيات المنشورة عن معارك علي الطاهر تشير إلى مقتل خمسة جنود وضباط إس.رائيليين وإصابة نحو 21 آخرين خلال المواجهات، وهي خسائر ارتبطت بالقتال حول التلة والمنشأة ومحاولات الوصول إليها والسيطرة عليها.

كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن مشاركة تشكيلات من الفرقة 36 ووحدات متعددة، بينها ألوية غولاني وإيغوز والهندسة ووحدات كوماندوس، في العملية التي وُصفت بأنها من العمليات المعقدة والصعبة.

وهنا تكمن أهمية الأرقام: نحن لا نتحدث عن قوة عسكرية هامشية واجهت موقعاً ثابتاً، بل عن واحدة من أهم تشكيلات الجيش الإس.رائيلي، مدعومة بقدرات استخبارية وهندسية ونارية كبيرة، احتاجت إلى أسابيع من القتال للوصول إلى البنية الموجودة تحت علي الطاهر.

خمسة وسبعون يوماً

المغزى العسكري لا يكمن فقط في سقوط المنشأة، بل في المدة التي صمدت خلالها المعركة.

إذا صح توصيف المنشأة بأنها تكتيكية وعملياتية، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: كيف استطاعت منشأة من هذا النوع أن تستنزف قوة إس.رائيلية نخبوية طوال هذه الفترة، وأن تبقي المعركة مفتوحة إلى هذا الحد، رغم التفوق الإس.رائيلي الهائل في الطيران والاستطلاع والمدفعية والقوات البرية؟

هنا لا تعود علي الطاهر مجرد قصة نفق تم تفجيره.

تصبح القصة اختباراً لقدرة البنية الدفاعية للم.قاومة على إجبار جيش متفوق تقنياً على دفع وقت وقوات وخسائر للوصول إلى هدف محدود جغرافياً.

والأهم أن الاحتلال نفسه يقر بأن العملية لم تكن سريعة. فقد تحدثت مصادر إس.رائيلية عن أشهر من العمليات، وعن قتال متواصل فوق الأرض وتحتها، وعن استخدام تشكيلات متعددة من الجيش للوصول إلى الهدف.

حرب 2024

هذه القراءة تضع علي الطاهر أيضاً في سياق حرب 2024، حين لم يتمكن الجيش الإس.رائيلي من تحقيق كل أهدافه البرية في عدد من البلدات والمرتفعات الجنوبية بالسرعة التي كان يراهن عليها.

المشكلة في المقارنة أن ظروف الحرب الحالية مختلفة، كما أن قواعد الاشتباك والانتشار والقيود المفروضة بعد اتفاق وقف النار تغيرت. لكن الثابت أن البنية الدفاعية للم.قاومة جنوب الليطاني كانت عاملاً أساسياً في رفع كلفة التوغل الإسرائيلي.

ومن هنا تصبح المقارنة ضرورية لفهم ما حدث لاحقاً.

فكلما تقلصت قدرة الم.قاومة على الاحتفاظ ببنيتها العسكرية جنوب الليطاني، واتسعت مساحة الحركة أمام الجيش الإس.رائيلي، أصبح الوصول إلى مواقع كان الاقتحام إليها أكثر تعقيداً في السابق أقل كلفة نسبياً.

القرار السياسي

وهنا تنتقل القضية من الميدان العسكري إلى المسؤولية السياسية. اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 تضمّن وقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإس.رائيلية من الأراضي اللبنانية، مع ترتيبات تتصل بحصرية السلاح جنوب الليطاني ودور الجيش اللبناني. ومع تطور الأحداث، دخلت ترتيبات وشروط جديدة على المشهد السياسي والأمني اللبناني، وصولاً إلى الورقة الأميركية ومسار تنفيذ حصرية السلاح.

ومن الخطأ اختزال النتيجة الميدانية الحالية بالقول إن المقاومة وحدها مسؤولة عن التقدم الإسرائيلي.

فالسياسة التي قيدت قدرة المقاومة على الاحتفاظ ببنيتها العسكرية جنوب الليطاني أنتجت، بالتوازي، بيئة عملياتية أكثر ملاءمة للجيش الإسرائيلي، خصوصاً مع بقاء الاحتلال في أجزاء من الجنوب ورفضه الانسحاب الكامل قبل تحقيق شروطه السياسية والأمنية.

وبالتالي فإن تحميل المقاومة وحدها مسؤولية التوسع الإسرائيلي يقلب تسلسل الأحداث. المطلوب هو مساءلة الخيارات السياسية والأمنية التي أضعفت القدرة على منع التوغل، لا تحويل نتائج هذه الخيارات إلى ذريعة إضافية ضد المقاومة.

صورة الانتصار

أما نتنياهو، فيبدو أنه كان يحتاج إلى صورة سياسية أكبر من مجرد تفجير أنفاق.

ولهذا جاء البيان المشترك مع كاتس لتقديم العملية باعتبارها إنجازاً عسكرياً نوعياً، ولربط تفجير علي الطاهر بتكريس «المنطقة الأمنية» الإسرائيلية في جنوب لبنان. وقد أكدت إسرائيل بعد التفجير أنها استكملت، بحسب توصيفها، تنظيم المنطقة الأمنية.

لكن الصورة السياسية التي تريد إسرائيل تسويقها لا تعني بالضرورة أن الصور الميدانية تقول الشيء نفسه.

فالسيطرة في النهاية حصلت، وهذا يجب ألا يُنكر، لكن طبيعة المعركة وكلفتها ومدتها هي أيضاً جزء من النتيجة.

وإذا كان الجيش الإسرائيلي يملك كل عناصر التفوق، ثم احتاج إلى أسابيع طويلة، وإلى وحدات نخبوية، وإلى عمليات هندسية واستخبارية واسعة، وتكبد قتلى وجرحى للوصول إلى منشأة واحدة، فإن تحويل النتيجة إلى «انتصار حاسم» يتجاهل نصف الصورة.

المعنى الأوسع

الأهم أن علي الطاهر لا ينبغي أن يُقرأ منفصلاً عن التحولات التي تجري جنوب الليطاني.

فالمنطقة التي تحاول إسرائيل تثبيت سيطرتها فيها ليست مجرد مساحة عسكرية. إنها عمق جغرافي يتيح لها الاقتراب من النبطية والتحكم بمرتفعات استراتيجية والإشراف على مساحات واسعة من الجنوب.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا فجّر الاحتلال في علي الطاهر، بل ماذا يريد أن يبني فوق أنقاض ما فجّره؟

إذا كان الهدف هو منع إعادة بناء المنشأة، فهذا شيء. أما إذا كان التفجير مقدمة لتوسيع المنطقة الأمنية، وفرض واقع عسكري دائم، والتقدم تدريجياً نحو عمق الجنوب، فالمعركة تصبح مختلفة تماماً.

وعندها لا يعود علي الطاهر نهاية عملية عسكرية، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع على الجغرافيا اللبنانية.

تفكيك الرواية

لذلك، لا ينبغي التعامل مع الصور الإسرائيلية بوصفها دليلاً تلقائياً على انتصار حاسم.

الصور يجب أن تُقرأ وتُفكك.

هي تظهر منشأة تحت الأرض، وتظهر ممرات وغرفاً وبنية عملياتية. وهي لا تقدم دليلاً تلقائياً على استسلام المقاتلين. وهي تأتي بعد معركة طويلة شاركت فيها تشكيلات نخبوية من الجيش الإس.رائيلي، فيما تشير المعطيات المنشورة إلى سقوط خمسة جنود وضباط وإصابة نحو 21 آخرين خلال القتال في محيط علي الطاهر.

وفي المقابل، لا ينبغي إنكار الحقيقة العسكرية الأساسية: إس.رائيل نجحت في السيطرة على الموقع وتدمير بنيته التحتية، وهذه خسارة ميدانية للمق.اومة يجب قراءتها بواقعية.

لكن الاعتراف بالخسارة لا يعني قبول الرواية الإس.رائيلية كاملة.

علي الطاهر سقط ميدانياً، لكن رواية «الانتصار السهل» لا تصمد أمام مدة المعركة وكلفتها وطبيعة القوات التي خاضتها.

وإذا كانت هذه المنشأة، وفق القراءة التي تطرحها المق.اومة، تكتيكية وعملياتية، وقد احتاج الجيش الإس.رائيلي إلى كل هذا الوقت والقوة للوصول إليها، فإن السؤال عن طبيعة المعركة المقبلة يصبح أكثر إلحاحاً، خصوصاً إذا بقيت إس.رائيل مصرة على توسيع منطقتها الأمنية وفرض وقائع جديدة داخل لبنان.

فالمشكلة لم تعد في صورة النفق الذي فجّره الاحتلال، بل في الصورة الأكبر التي يحاول نتنياهو رسمها فوق جنوب لبنان.

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

البرهان ودقلو

السودان: “حرب الجنرالات والـCIA والموساد”!

السودان: “حرب الجنرالات والـCIA والموساد”! علي ضاحي خاص takarir.net لم تعد الحرب في السودان مجرد …