علي الطاهر..نتنياهو “يتحرش” بإيران و”يختبر” حدود ردها!
# علي ضاحي – خاص takarir.net
لم تعد معركة علي الطاهر مجرد عملية إسرائيلية لتدمير منشأة تحت الأرض في جنوب لبنان، ولا مجرد محاولة لتثبيت منطقة أمنية جديدة على حساب السيادة اللبنانية، بل تحولت إلى اختبار مباشر لحدود الردع الإيراني في لبنان، وإلى رسالة شديدة الخطورة من بنيامين نتنياهو إلى طهران، وإلى واشنطن في الوقت نفسه، مفادها أن إسرائيل تريد إعادة رسم قواعد الاشتباك على الأرض اللبنانية، ولو أدى ذلك إلى الاقتراب من الخطوط الحمر التي سبق لإيران أن رسمتها بوضوح.
والأرجح أن الرد الإيراني، إذا قرر نتنياهو الانتقال من الاستفزاز المحسوب إلى كسر هذه الخطوط، لن يكون محدوداً ولا رمزياً، بل سيكون كبيراً وضخماً ومقصوداً في حجمه وتوقيته وأهدافه. فالهدف الإيراني في هذه الحالة لن يكون الانتقام لعلي الطاهر فقط، بل منع إس.رائيل من بناء معادلة جديدة تسمح لها بتوسيع المنطقة الأمنية، وفرض وقائع ميدانية تمتد من جنوب لبنان إلى ما وراء الليطاني، وصولاً إلى النبطية وربما في اتجاه صور، أو تحويل الاغتيالات والضاحية والبقاع إلى ساحات مفتوحة للضربات الإس.رائيلية.
أرض لبنانية
المفارقة الأساسية أن علي الطاهر ليس أرضاً إيرانية، كما أن الجنوب اللبناني والنبطية والبقاع والضاحية ليست ارضاً ايرانية . إنها أرض لبنانية ذات سيادة، وأي احتلال إسرائيلي لها أو توسيع للمنطقة الأمنية داخلها يبقى عدواناً على لبنان قبل أن يكون رسالة إلى إيران.
لكن نتنياهو يتعمد نقل المعركة إلى هذه النقطة تحديداً. إس.رائيل لم تكتفِ بضرب الموقع، بل أعلنت تثبيت وجودها فيه، وتحدثت عن استكمال منطقة أمنية، فيما أكدت في 10 أيلول تدمير منشأة تحت الأرض في علي الطاهر. ووفق الرواية الإس.رائيلية، امتدت الشبكة أكثر من كيلومترين واحتوت مراكز قيادة ومستودعات أسلحة وصواريخ ومسيّرات ومتفجرات.
والمعادلة التي تريد إسرائيل تثبيتها من خلالها: أن تستطيع تل أبيب احتلال مواقع استراتيجية داخل لبنان، وتوسيع المنطقة الأمنية متى شاءت، واغتيال من تريد، وضرب الضاحية والبقاع، ثم مطالبة طهران بالبقاء خارج المشهد.
وهذه المعادلة تحديداً هي التي يبدو أن إيران لا تريد السماح بقيامها.
أولوية إيرانية
تعاملت طهران مع وقف النار في لبنان باعتباره جزءاً من أي تسوية إقليمية أوسع، كما أن التحذير الإيراني المتعلق بعلي الطاهر كان أكثر وضوحاً من مجرد إدانة سياسية. فقد أبلغت إيران، وفق تقارير صحافية، واشنطن بأن هجوماً إس.رائيلياً واسعاً على التلة سيستدعي رداً إيرانياً واسعاً.
وهنا تكمن أهمية علي الطاهر: إيران لم تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره جغرافيا خارج منظومة ردعها.
وهذا يعني أن التحذير من علي الطاهر لم يكن دفاعاً عن تلة بعينها بقدر ما كان تحذيراً من محاولة إس.رائيلية لتغيير قواعد الاشتباك في لبنان. فحين يصبح الاحتلال الإس.رائيلي متقدماً جنوباً، ويصبح تثبيت المنطقة الأمنية مشروعاً دائماً، يصبح الصمت الإيراني، من وجهة نظر طهران، تنازلاً عن جزء من منظومة الردع التي بنتها خلال سنوات.
رسالة نتنياهو
لكن ثمة طبقة أخرى في المشهد لا تقل أهمية: رسالة نتنياهو إلى ترامب.
فنتنياهو لا يتحرك في فراغ، بل في بيئة أميركية باتت فيها الحرب على إيران مرتبطة بصورة مباشرة بالسياسة الداخلية. ترامب قال في 9 أيلول إن حرب إيران ستنتهي «مباشرة بعد» انتخابات التجديد النصفي، المقررة في 3 تشرين الثاني، وربط ذلك باعتقاده أن طهران لن تتمكن من الاستمرار في المواجهة حتى ذلك التاريخ. وفي الوقت نفسه، تجاوز سعر خام برنت 100 دولار، وأصبحت كلفة الحرب والطاقة مشكلة انتخابية متزايدة للإدارة الجمهورية.
وهنا يظهر التخبط الأميركي.
ترامب يريد انتصاراً يمكن تقديمه للناخب الأميركي قبل الانتخابات أو فوراً بعدها، لكنه يواجه حرباً دخلت شهرها السابع، وأسعار نفط مرتفعة، وضغطاً على كلفة المعيشة، فيما تبدو إيران غير مستعدة للانهيار وفق الرهان الأميركي. وفي المقابل، يحتاج نتنياهو إلى استمرار الضغط العسكري كي لا تتحول الحرب إلى تسوية لا تحقق الأهداف الإسرائيلية التي دخل من أجلها الصراع.
ولهذا يمكن قراءة تحرك نتنياهو في لبنان باعتباره جزءاً من محاولة توسيع جبهة الضغط على إيران، مع إبقاء ترامب داخل الحرب ومنع تحويلها إلى مسار تفاوضي سريع.
فنتنياهو يعرف أن ترامب بدأ يتحدث بلغة الانتخابات، بينما إس.رائيل تريد أن تتحدث بلغة «الانتصار». وفي هذه المسافة تحديداً تتحرك عملية علي الطاهر.
انتخابان
هناك استحقاقان انتخابيان متداخلان في الحسابات الإس.رائيلية والأميركية: الانتخابات الإس.رائيلية في 27 تشرين الأول، وانتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني. وتشير تقارير عن الاستراتيجية الأميركية لما بعد الحرب إلى أن واشنطن نفسها تنظر إلى هذين الاستحقاقين باعتبارهما عاملين أساسيين في صياغة المرحلة التالية للحرب.
وهذا يجعل الأسابيع المقبلة شديدة الحساسية.
نتنياهو يريد أن يدخل الانتخابات الإس.رائيلية وهو يحمل صورة القائد الذي «فرض الأمن» على الحدود الشمالية وفرض وقائع على إيران وح.زب الله. وترامب يريد، في المقابل، أن يدخل الانتخابات النصفية وهو قادر على القول إن الحرب انتهت أو إن الولايات المتحدة حققت أهدافها، بعدما أصبحت الحرب نفسها مرتبطة بالوقود والتضخم والاقتصاد الأميركي.
لكن المشكلة أن أهداف نتنياهو قد تتطلب حرباً أطول، بينما الحساب الانتخابي الأميركي قد يتطلب إنهاءها.
وهنا يصبح الجنوب اللبناني ورقة خطرة.
كسر الخطوط
إذا قرر نتنياهو استغلال هذه النافذة الزمنية لتوسيع المنطقة الأمنية من علي الطاهر إلى عمق أكبر، أو نقل العمليات إلى الضاحية والبقاع، أو تنفيذ اغتيالات نوعية، أو الدفع بالمنطقة الأمنية باتجاه الأولي وصور، أو الاقتراب من النبطية بوصفها مركز الثقل المدني والعسكري في الجنوب، فإنه لن يكون أمام مجرد تصعيد إس.رائيلي–لبناني.
سيكون أمام اختبار مباشر للردع الإيراني.
وهذا هو السبب الذي يجعل الرد الإيراني الكبير هو السيناريو الأكثر ترجيحاً إذا تجاوزت إس.رائيل الخطوط الحمر. فالرد في هذه الحالة لن يكون عقاباً على عملية منفردة، بل محاولة لإيقاف المسار قبل أن يتحول إلى واقع دائم.
إيران لن تسمح، وفق هذا المنظور، بأن تصبح الضاحية هدفاً مفتوحاً، أو أن يتحول البقاع إلى منطقة ضربات واغتيالات، أو أن تتقدم المنطقة الأمنية الإس.رائيلية نحو الأولي وصور، أو أن تصبح النبطية مهددة بعملية احتلال أو سيطرة عسكرية مباشرة.
رد ضخم
ولهذا فإن الخطأ الإس.رائيلي سيكون في التعامل مع الصبر الإيراني باعتباره عجزاً، أو مع ضبط الرد باعتباره قبولاً بالأمر الواقع.
إذا تجاوز نتنياهو علي الطاهر إلى محاولة كسر منظومة الجغرافيا اللبنانية، فإن الرد الإيراني المرجح سيكون أكبر من علي الطاهر نفسه، لأن الرسالة عندها ستكون مرتبطة بمنع تغيير قواعد اللعبة لا بالرد على هدف واحد.
وقد أظهرت طهران في الأيام الأخيرة أنها ترفع مستوى خطابها تجاه أي هجمات جديدة، مع حديث مسؤولين إيرانيين عن أن الردود المقبلة ستكون أسرع وأشد إيلاماً.
وهنا تحديداً قد يتحول الجنوب اللبناني إلى نقطة التقاء بين ثلاثة حسابات: إس.رائيل التي تريد توسيع الردع، إيران التي تريد منع كسره، وترامب الذي يريد إنهاء الحرب في توقيت يخدم حساباته الانتخابية.
اختبار نتنياهو
من هذه الزاوية، فإن علي الطاهر ليس مجرد تلة استراتيجية، بل رسالة نتنياهو إلى طهران وواشنطن معاً.
إلى إيران يقول إن إس.رائيل مستعدة للاقترب من خطوطها الحمر في لبنان. وإلى ترامب يقول إن الحرب لم تنتهِ بعد، وإن الضغط على إيران يمكن أن يستمر من ساحات متعددة. وإلى الداخل الإس.رائيلي يقول إن حكومته ما زالت قادرة على تحقيق «انتصارات» ميدانية قبل الانتخابات.
لكن نتنياهو قد يكون هنا أمام خطأ استراتيجي كبير.
فإذا كان ترامب يحسب كلفة الحرب على الانتخابات النصفية، وإذا كانت إيران تحسب كلفة التنازل عن خطوط الردع، فإن توسيع الحرب في لبنان قد ينتج عكس ما يريده نتنياهو: بدلاً من دفع إيران إلى التراجع، قد يدفعها إلى رد ضخم يفرض على واشنطن نفسها إعادة حساباتها.
وعندها لا يعود السؤال متعلقاً بعلي الطاهر وحده، بل بمستقبل كامل للمعادلة اللبنانية.
فالضاحية ليست إيران، والبقاع ليس إيران، والنبطية ليست إيران، والجنوب ليس إيران. لكن إس.رائيل نفسها تحاول تحويل هذه الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة اختبار للردع الإيراني. وإذا قرر نتنياهو كسر الخطوط الحمر، فإن الرد الإيراني الكبير قد يأتي تحديداً لمنع قيام هذه المعادلة.
علي الطاهر، بهذا المعنى، هو نقطة الاختبار. أما المعركة الحقيقية فهي على حدود الحرب نفسها: هل يستطيع نتنياهو جرّ إيران إلى مواجهة أوسع قبل أن يصل ترامب إلى انتخابات تشرين الثاني، أم أن طهران سترد بالقدر الذي يمنع إس.رائيل من تحويل لبنان إلى جبهة مفتوحة في حربها الطويلة مع إيران؟
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
