إذا كانت الجنسية تُمنح وتُستعاد ويُعفى عن المحكومين…فلماذا تُحرم اللبنانية من إعطائها لأبنائها؟
علي ضاحي – خاص takarir.net
في لبنان، يبدو أن الجنسية يمكن أن تُمنح بمرسوم، وتُستعاد بقانون، وتُفتح ملفاتها أمام اللجان والإدارات، وأن تُنتج الدولة مخارج لملفات سياسية وقانونية شديدة الحساسية. لكن عندما تصل المسألة إلى المرأة اللبنانية وحقها في نقل جنسيتها إلى أبنائها، يصبح الأمر فجأة أكثر تعقيداً من كل الملفات الأخرى.
فأي دولة هذه التي تستطيع أن تجد المخارج حين تتوافر الإرادة السياسية، ثم تعجز منذ عقود عن مساواة الأم اللبنانية بالأب اللبناني؟
في عام 1994، صدر مرسوم التجنيس الرقم 5247 ومنح الجنسية اللبنانية لعشرات آلاف الأشخاص، وبينهم فلسطينيون وفق معطيات ودراسات متعددة، ما فتح لاحقاً نقاشاً واسعاً حول المعايير والآلية وحجم التجنيس وتداعياته الديموغرافية.
ثم جاء قانون استعادة الجنسية ليضع آليات وشروطاً لإعادة الجنسية إلى من تتوافر فيهم المعايير القانونية، وتشكّلت لجان ومؤسسات للنظر في الملفات وإصدار القرارات.
واليوم، مع قانون العفو الرقم 70، الذي يفتح أبواباً للعفو العام وتخفيض العقوبات في ملفات واسعة، مع استثناء جرائم محددة بينها القتل العمد والإرهاب المرتكب بحق العسكريين والأمنيين، تتأكد حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: عندما تتوافر الإرادة، تستطيع الدولة أن تشرّع حتى في أكثر الملفات حساسية.
فلماذا تتوقف الإرادة عندما تكون صاحبة الحق امرأة لبنانية تريد نقل جنسيتها إلى أولادها؟
وتزداد المفارقة وضوحاً في ظل المسار السياسي الذي ينتهجه لبنان في ملفات السيادة والأمن. فإذا كان لبنان يدخل في مسار تفاوضي مع إسرائيل ويبحث في تنفيذ «صيغة الإطار»، فيما وصف رئيس الجمهورية جوزاف عون هذه الصيغة بأنها «أفضل الممكن»، وشعبه يذبح ويذهب الى مفاوضات استسلام، ثم تقول للبنانية إن تعديل قانون الجنسية أكثر تعقيداً من أن يُنجز؟
لا يمكن أن تكون الدولة قوية في التفاوض وضعيفة أمام حق المرأة.
ولا يمكن أن تكون قادرة على منح الجنسية في مراسيم استثنائية، وعلى تشريع استعادتها، وعلى معالجة ملفات العفو والتسويات، ثم تطلب من اللبنانية أن تنتظر جيلاً آخر كي تحصل على حق يفترض أن يكون بديهياً.
القضية ليست منّة. وليست مكافأة سياسية. وليست مشروع توطين. إنها، في جوهرها، مسألة مساواة بين المواطن والمواطنة.
فالرجل اللبناني يستطيع نقل جنسيته إلى أبنائه، بينما تُحرم اللبنانية من الحق نفسه عندما يكون والد أولادها أجنبياً. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كان هاجس التوطين هو المبرر، فلماذا تتحول كل لبنانية إلى موضع شبهة ديموغرافية؟ ولماذا تُحمّل المرأة وحدها كلفة مخاوف الدولة من اختلال التوازن الطائفي؟
التوطين لا يجوز أن يتحول إلى عقوبة جماعية للمرأة اللبنانية وأولادها.
إذا كانت الدولة تخشى التوطين، فلتضع شروطاً وضوابط ومعايير واضحة تحمي المصلحة اللبنانية. أما أن تمنع المبدأ عن الجميع بسبب مخاوف مرتبطة ببعض الحالات، فهذا لا يحل المشكلة الديموغرافية، بل يكرّس تمييزاً قانونياً واضحاً بين الرجل والمرأة.
وهنا تكتسب خطوة نقابة المحامين في بيروت أهمية خاصة.
فقرار 31 آب 2026 بتشكيل «لجنة دراسة قانون الجنسية»، برئاسة المحامية ندى عبد المنعم بكار، لا ينبغي أن يكون لجنة جديدة تضاف إلى عشرات الدراسات والاقتراحات السابقة، ثم تنتهي إلى الأدراج. المطلوب أن تتحول هذه اللجنة إلى مدخل لصياغة اقتراح قانون واضح يعالج أصل المشكلة: المساواة في حق نقل الجنسية إلى الأبناء.
فالدستور يكرّس مبدأ المساواة بين اللبنانيين، ويترك تنظيم الجنسية للقانون. ولا يوجد في النص الدستوري ما يمنع المشرّع من تعديل قانون الجنسية بما يحقق المساواة بين الأب والأم.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على رئيس الجمهورية جوزاف عون، والحكومة، ومجلس النواب، كما تقع على اللجنة القانونية في نقابة المحامين: هل يريد لبنان فعلاً معالجة المشكلة، أم يريد فقط إعادة تدويرها؟
من يستطيع أن يناقش العفو، ويشرّع استعادة الجنسية، ويمنح الجنسية في حالات مختلفة، ويدخل في مسارات تفاوضية تمس مستقبل لبنان وسيادته، لا يستطيع أن يقول للمرأة اللبنانية: لا نستطيع أن نعطيك حقاً في أبنائك.
موقع تقارير موقع تقارير

