ترامب وبيسنت
ترامب وبيسنت

من “جبل الفأس” إلى الدولار..ترامب يُصعّد عسكرياً وبيسنت “يخنق” إيران مالياً!

من “جبل الفأس” إلى الدولار..ترامب يصعّد عسكرياً وبيسنت “يخنق” إيران مالياً!

# علي ضاحي – خاص takarir.net

مع عودة دونالد ترامب إلى التلويح بإمكان ضرب «جبل الفأس» في إيران قريباً، تدخل الحرب الأميركية ـ الإيرانية مرحلة جديدة تتجاوز الاستهداف العسكري المباشر للمنشآت والبنى الإيرانية، لتكشف عن استراتيجية أميركية أوسع تقوم على الضغط على مصادر القوة الإيرانية من العمق العسكري والمنشآت المحصنة إلى النفط الذي يمول الاقتصاد، والممرات البحرية التي تسمح بتصديره، والشبكات المالية التي تحول عائداته إلى موارد قابلة للاستخدام. فالتهديد بضرب «جبل الفأس»، بما يحمله الموقع من دلالة مرتبطة بالمنشآت النووية المحصنة والقدرة الإيرانية على إعادة بناء ما تعرض للضرب، لا يأتي بمعزل عن مسار اقتصادي ومالي تقوده وزارة الخزانة الأميركية، بل يبدو جزءاً من محاولة متكاملة لمنع طهران من استعادة عناصر القوة التي تسمح لها بمواصلة الحرب أو إعادة بناء قدراتها بعدها.

“ذراع بيسنت”

ويكتسب تحرك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أهمية خاصة في هذا السياق، إذ إن واشنطن لم تعد تكتفي بفرض العقوبات التقليدية على المؤسسات الإيرانية، وإنما انتقلت إلى ملاحقة الشبكات التي تسمح للنفط الإيراني بالوصول إلى الأسواق ثم تحويل عائداته إلى أموال تستطيع طهران استخدامها في تمويل اقتصادها واستيراداتها وشبكاتها العسكرية. وفي هذا الإطار، جاءت العقوبات الأميركية الأخيرة على «غولدن غلوبال» التركي وكيانات مرتبطة به، بعدما اتهمتها وزارة الخزانة بالمساعدة في تسهيل نقل عائدات النفط الإيراني من الصين إلى تركيا وتحويلها إلى سيولة وذهب، في خطوة تكشف أن المعركة الأميركية لم تعد تستهدف البرميل الإيراني عند نقطة خروجه فحسب، وإنما تمتد إلى المسار المالي الذي يبدأ بعد بيعه وينتهي بوصول العائدات إلى النظام الإيراني.

حرب السلسلة

وهنا تحديداً تتضح طبيعة الاستراتيجية الأميركية الجديدة، إذ تحاول واشنطن ضرب سلسلة القوة الإيرانية في حلقاتها المتصلة، من إنتاج النفط ونقله عبر البحر إلى بيعه في الصين، ثم تحويل عائداته عبر المؤسسات المالية والوصول بها إلى الدولار والعملات والذهب، بما يسمح لإيران بتمويل وارداتها ودعم سعر عملتها والحفاظ على قدرتها الاقتصادية. ولذلك فإن العقوبات التي يقودها بيسنت لا يمكن فصلها عن الحصار البحري والضغط العسكري، لأن الهدف النهائي يبدو واحداً: تقليص قدرة إيران على تحويل مواردها الطبيعية إلى قدرة مالية وعسكرية قابلة لإعادة الإنتاج.

معركة هرمز

وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز الذي تحوّل خلال الحرب إلى ساحة صراع على تعريف السيطرة أكثر من كونه مجرد ممر بحري. فواشنطن تقول إن عملياتها أعادت جزءاً من حركة الملاحة والطاقة عبر المضيق، وإن سفناً تجارية بدأت تعبر تحت حماية أميركية، بينما تظهر بيانات حركة السفن أن مستويات العبور لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب؛ إذ تشير أحدث البيانات إلى أن أربعة سفن للسلع عبرت المضيق في أحد الأيام الأخيرة، مقابل متوسط بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في حين كانت حركة السفن التجارية قبل الحرب تقترب من 125 سفينة يومياً. وتكشف هذه الفجوة بين الرواية السياسية والواقع الملاحي أن إعلان «عودة هرمز» لا يعني بالضرورة عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، كما أن السؤال الأهم لم يعد فقط ما إذا كان هرمز مفتوحاً، بل لمن هو مفتوح وتحت أي شروط.

نفط محاصر

وهذه النقطة هي جوهر التحول الاستراتيجي؛ فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق هرمز أمام العالم كي تضغط على إيران، بل يمكنها أن تعمل على إبقاء تدفقات النفط الخليجي قائمة، مع منع إيران من استعادة قدرتها السابقة على استخدام المضيق لتصدير نفطها، وهو ما يفسر التناقض الظاهري بين الحديث الأميركي عن إعادة فتح الممر وبين استمرار تراجع صادرات النفط الإيرانية. فقد انخفضت تحميلات الخام الإيراني بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة، من مستويات كانت تقارب مليوني برميل يومياً في آذار إلى نحو 220 ألفاً إلى 255 ألف برميل يومياً في آب، فيما أدت القيود على الملاحة إلى تعطيل وصول شحنات جديدة إلى الصين، التي بقيت السوق الرئيسية للنفط الإيراني.

عقدة الصين

وتبدو الصين في قلب هذه المعادلة، باعتبارها المشتري الأهم للنفط الإيراني، وهو ما يجعل الضغط الأميركي على مسارات النفط الإيراني ضغطاً غير مباشر على بكين أيضاً. ومع تشديد القيود على وصول الشحنات الإيرانية، تتحول الصين من مجرد مشترٍ للنفط إلى إحدى ساحات الاشتباك الاقتصادي بين واشنطن وطهران، فيما تحاول إيران الحفاظ على قنواتها التجارية والمالية من خلال الوسطاء والناقلات والشبكات غير المباشرة والتسويات بالعملات والذهب والمقايضة. وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على إغلاق هذه المسارات تدريجياً، بحيث يصبح بيع النفط أقل أهمية من القدرة على تحويل عائداته إلى أموال قابلة للاستخدام.

خنق الدولار

ومن هنا تصبح العقوبات المالية مكملة للحصار البحري، لأن تعطيل حركة النفط لا يحقق هدفه الكامل إذا تمكنت طهران من بيع جزء من إنتاجها عبر قنوات بديلة ثم تحويل العائدات إلى سيولة أو ذهب أو عملات صعبة. ولذلك فإن استهداف المصارف والوسطاء وشركات الشحن يهدف عملياً إلى ضرب الحلقة التي تصل النفط بالمال، وهو ما يجعل تحرك بيسنت ذا أهمية تتجاوز العقوبات التقليدية، خصوصاً مع توجيه رسالة واضحة إلى المؤسسات المالية العالمية بأن التعامل مع الشبكات الإيرانية قد يعني التعرض للعقوبات والحرمان من النظام المالي الأميركي.

أزمة أميركية

لكن الاستراتيجية الأميركية تواجه في المقابل مشكلة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الضغط على النفط الإيراني وعلى حركة الطاقة العالمية لا يبقى محصوراً في إيران، بل ينعكس على السوق الأميركية نفسها. فقد ارتفع متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة إلى نحو 5.85 دولارات للغالون، وهو مستوى قياسي، فيما وصل البنزين إلى نحو 4.15 دولارات للغالون، الأمر الذي يفرض ضغوطاً مباشرة على المستهلك الأميركي وعلى قطاعات النقل والزراعة وسلاسل الإمداد، ويمنح أسعار الطاقة بعداً سياسياً داخلياً أكثر حساسية مع اقتراب الانتخابات النصفية. ومن هنا تظهر المعضلة التي تواجه ترامب: كيف يمكن للإدارة الأميركية أن تحاصر صادرات النفط الإيرانية وتستخدم الطاقة كسلاح اقتصادي من دون أن تتحول تداعيات هذا السلاح إلى عبء سياسي واقتصادي على الأميركيين؟

ورقة فنزويلا

ولهذا يأتي الرهان الأميركي على مصادر بديلة، وفي مقدمتها النفط الفنزويلي، في محاولة لزيادة المعروض وتعويض جزء من النقص وتهدئة الأسعار، إلا أن هذه الورقة لا تبدو حلاً سريعاً لأزمة تشكلت بفعل حرب واضطرابات في واحد من أهم الممرات النفطية في العالم، إذ إن زيادة الإنتاج الفنزويلي تحتاج إلى استثمارات وبنية تحتية ووقت، كما أن نوعية النفط ومسارات نقله وقدرات التكرير تجعل تأثيره في السوق الأميركية أقل فورية مما توحي به التصريحات السياسية. وهكذا تتحرك واشنطن على أكثر من مسار في الوقت نفسه: تضغط على إيران، وتحاول حماية تدفقات الطاقة الخليجية، وتبحث عن بدائل للنفط، فيما تسعى إلى منع ارتفاع الأسعار من التحول إلى مشكلة داخلية أميركية.

ضغط الريال

أما إيران، فتواجه في المقابل ضغطاً متزايداً على اقتصادها وسعر عملتها، بعدما تجاوز الريال حاجز مليوني ريال للدولار، فيما أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي استعداد البنك لضخ ما يصل إلى ملياري دولار من الاحتياطيات الأجنبية لمحاولة دعم العملة، في إشارة إلى أن المعركة الاقتصادية بدأت تنتقل من قطاع النفط إلى قدرة الدولة على تأمين العملة الصعبة والحفاظ على استقرار السوق الداخلية. ومع تراجع صادرات النفط وارتفاع كلفة الحرب والعقوبات، تصبح قدرة طهران على الحفاظ على تدفق الواردات واستقرار الريال جزءاً أساسياً من معركة الصمود.

ضغط متراكم

ومن هنا تبدو عودة تهديد ترامب بضرب «جبل الفأس» جزءاً من صورة أكبر بكثير من استهداف موقع عسكري أو نووي محدد؛ فواشنطن تحاول الضغط على إيران من مستويات متزامنة، عسكرياً عبر استهداف العمق والمنشآت المحصنة، وبحرياً عبر التحكم في بيئة الملاحة في هرمز، واقتصادياً عبر خفض صادرات النفط، ومالياً عبر ملاحقة المصارف والوسطاء الذين يحولون عائدات النفط إلى موارد قابلة للاستخدام، وسياسياً عبر الضغط على الصين باعتبارها المشتري الأكبر للخام الإيراني.

حرب القدرة

وبهذا المعنى، يمكن اختصار جوهر المعركة في سلسلة مترابطة تبدأ من النفط ولا تنتهي عنده: النفط الإيراني يحتاج إلى الخروج عبر هرمز، ويحتاج إلى مشترٍ مثل الصين، ثم يحتاج إلى شبكة مصرفية لتحويل عائداته، وإلى عملة صعبة لتمويل الواردات والحفاظ على الاقتصاد والريال. وإذا تمكنت واشنطن من تعطيل هذه السلسلة في أكثر من نقطة في الوقت نفسه، فإن المشكلة الإيرانية لن تكون فقط في بيع النفط، وإنما في القدرة على تحويل هذا النفط إلى قدرة مالية تعيد إنتاج القوة العسكرية والاقتصادية.

ولهذا فإن «جبل الفأس» وهرمز وبيسنت والعقوبات على المصارف وارتفاع أسعار الوقود الأميركية والنفط الفنزويلي ليست ملفات منفصلة كما تبدو للوهلة الأولى، بل أجزاء من معركة واحدة على قدرة إيران على الاستمرار وإعادة البناء. ترامب يلوّح بالضربة العسكرية في العمق، وبيسنت يضيّق الخناق على المال، والأسطول الأميركي يحاول فرض معادلة جديدة في البحر، فيما تتحرك واشنطن لمنع الصين من توفير منفذ مريح للنفط الإيراني، بينما تدفع كلفة هذه الاستراتيجية نفسها إلى ارتفاع أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر في الحرب: كلما نجحت واشنطن في تضييق الخناق على إيران، ارتفعت احتمالات ارتفاع كلفة الطاقة عالمياً، وكلما ارتفعت كلفة الطاقة، ازدادت الحاجة الأميركية إلى بدائل سريعة، وكلما طال أمد الحرب، أصبح السؤال ليس فقط حول قدرة إيران على الصمود، وإنما حول قدرة الولايات المتحدة نفسها على تحمل كلفة استراتيجية بهذا الحجم.

وعليه، فإن المعركة لم تعد فقط حول من يسيطر على هرمز أو من يملك القدرة على ضرب منشأة محصنة، بل حول من يستطيع التحكم في الدورة الكاملة التي تحول الموارد إلى قوة. ومن «جبل الفأس» إلى هرمز، ومن هرمز إلى الصين، ومن الصين إلى المصارف، ومن المصارف إلى الدولار، تحاول واشنطن قطع الطريق الذي يسمح لإيران بتحويل النفط إلى مال والمال إلى قدرة على مواصلة الحرب وإعادة بناء ما تدمر.

إنها حرب تمتد من أعماق الجبل إلى أعماق النظام المالي العالمي، والسؤال الحاسم فيها ليس من يطلق الصاروخ الأخير، بل من يستطيع أولاً أن يخنق قدرة خصمه على إعادة إنتاج قوته.

# خبير بالشأن الإيراني

الصحافي علي ضاحي

ناشر ورئيس تحرير موقع تقارير

شاهد أيضاً

تملك ايران صواريخ متعددة في ترسانتها الصاروخية

بعد التدمير المزعوم لترسانتها العسكرية..مخزون ايران الصاروخي يتجاوز الـ8 الاف!

بعد التدمير المزعوم لترسانتها العسكرية..مخزون ايران الصاروخي يتجاوز الـ8 الاف! # علي ضاحي – خاص …