حين تتكلم بهية الحريري بلغة الإقصاء “الجعجعية”…من يحمي كرامة الجنوبيين؟
علي ضاحي خاص takarir.net
تنسجم التصريحات العلنية المستغربة والمشجوبة والمؤسفة التي أطلقتها بهية الحريري حول النازحين الجنوبيين مع خطاب فئوي وطائفي و”جعجعي” بغيض سئم منه اللبنانيون والجنوبيون طول الاشهر الماضية من عمر عدوان اسرائيلي اجرامي مستمر.
ويقيس هذا الخطاب الإنسان بظروفه، ويختزل مأساة النزوح في عبارات مستفزة، فيما الحقيقة أن هؤلاء لم يغادروا بيوتهم بإرادتهم، بل اقتلعهم العدوان من أرضهم وقراهم.
وعندما يُختزل النازح بعبارات من قبيل “كأنه أوتيل”، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام ليست دعوة إلى تنظيم ملف المدارس، بل خطاب يحمّل الضحية مسؤولية مأساتها، ويقدمها وكأنها عبء على المدينة التي احتضنتها. وهذا خطاب مرفوض وطنياً وأخلاقياً.
الأخطر أن هذا النوع من الخطاب يتقاطع، في نظر كثيرين، مع اللغة التي استخدمتها في مراحل مختلفة قوى سياسية ذات خطاب فئوي، سعت إلى تصوير النازحين وكأنهم مشكلة بحد ذاتهم، بدلاً من اعتبارهم ضحايا حرب وعدوان. وبدلاً من توحيد اللبنانيين في مواجهة آثار الحرب، فإنه يفتح الباب أمام الانقسام والتوتر بين أبناء الوطن الواحد.
صيدا ليست مدينة منفصلة عن الجنوب، بل هي بوابة الجنوب وقلبه النابض، كما أن الجنوب والجنوبيين هم القلب النابض لصيدا. فمن أسواقها عاش أبناء الجنوب، وفي جامعاتها ومدارسها ومستشفياتها تعلموا وتعالجوا، ومنها انطلقت قوافل الدعم إلى القرى الحدودية، كما احتضنت أهلها في أصعب الظروف. إنها علاقة تاريخية لا يستطيع أي خطاب أن يمحوها.
صيدا قلب الجنوب والجنوب قلبها
ومن يعرف صيدا، ومن عاش تفاصيل علاقتها بالجنوب، يدرك أن هذه المدينة لم تكن يوماً بمعزل عمّا يصيب أهل الجنوب من ألم أو ما يعنيهم من قضية. صيدا هي بوابة الجنوب وقلبه النابض، وما من محطة نزوح أو عودة، من عام 1978 إلى اجتياح 1982 وصولاً إلى حرب تموز 2006 والحرب الأخيرة، إلا وكانت صيدا فيها المتنفس الأول والملجأ الأقرب. مدارسها الرسمية والخاصة، وجمعياتها الأهلية، ومؤسسة الحريري نفسها، فتحت أبوابها لآلاف العائلات النازحة، لا مرة ولا مرتين، بل في كل محنة مرّ بها الجنوب.
وإذا كانت صيدا بوابة الجنوب، فإن الجنوب والجنوبيين هم قلب صيدا النابض أيضاً. لا يمكن فصل نسيج هذه المدينة عن امتدادها الجنوبي، ولا فصل مصيرها عن مصير القرى والبلدات التي تشدّها إليها روابط القربى والمصلحة والمصير المشترك منذ عقود. من يحاول أن يوهم الناس بغير ذلك، فهو إما جاهل بتاريخ هذه العلاقة، أو متعمّد ضربها لغايات لا علاقة لها بمصلحة النازحين ولا بمصلحة الجنوب.
ومن المؤسف أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخصية تنتمي إلى بيت سياسي ارتبط اسمه تاريخياً بالاعتدال والانفتاح. فإرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري قام على جمع اللبنانيين لا على التفريق بينهم، وعلى احتضان المناطق لا على تصنيف أهلها وفق ظروفهم.
إن المطلوب اليوم ليس تحويل النازحين إلى مادة للخطاب السياسي، بل الضغط على الدولة لإعادة إعمار القرى المدمرة، وتأمين عودة الأهالي إلى منازلهم بكرامة وأمان. فالجنوبي لا يريد البقاء في مدرسة ولا في مركز إيواء، بل يريد العودة إلى أرضه التي هُجّر منها قسراً.
كرامة الجنوبيين ليست موضع مساومة، وصيدا ستبقى بوابة الجنوب، والجنوب سيبقى عمق صيدا وقلبها النابض. أما الخطابات التي توحي بالإقصاء أو تزرع الحساسيات بين أبناء الوطن، فلن تغير حقيقة أن اللبنانيين أقوى بوحدتهم من أي خطاب يفرق بينهم.
توضيح للحريري؟
ولاحقاً تم التداول ان المقطع كان جزءاً من مداخلة لبهية الحريري خلال لقاء في صيدا، وتناول قضية المدارس الرسمية التي استُخدمت كمراكز إيواء للنازحين. وقد فُهم من المقطع أنها دعت إلى إخلاء المدارس المتبقية من النازحين لتأهيلها قبل بدء العام الدراسي، مع تأمين أماكن بديلة ومناسبة لإقامتهم. وبعد الجدل، قالت مصادر مقربة منها إن الفيديو جرى اجتزاؤه من سياقه، وإن هدفها كان الجمع بين حق الطلاب في التعليم وحق النازحين في سكن لائق، وليس الانتقاص من حقوق النازحين أو الدعوة إلى إخراجهم دون بدائل.
موقع تقارير موقع تقارير
