لوحة السهروردي المهداة الى علي ضاحي
لوحة السهروردي المهداة الى علي ضاحي

ورشة السهروردي تكرم علي ضاحي بلوحة دلمونية وروحية: عهد للسير القويم في خط أهل البيت

ورشة السهروردي تكرم علي ضاحي بلوحة دلمونية وروحية: عهد للسير القويم في خط أهل البيت

خاص takarir.net

ليست هذه اللوحة الدلمونية عملًا تشكيليًا معزولًا عن معناه، بل خريطة روحية وفكرية تُعيد تأويل زيارة مسجد السهلة بلغة الرمز والدلالة. إنّها نصّ بصري يُقرأ كما تُقرأ الأدعية، ويُتأمَّل كما تُتأمَّل العهود، ولهذا جاءت هديةً وتقديرًا من ورشة السهروردي الفلسفية، ومن مؤسّسها ومديرها الفيلسوف والمفكّر الكويتي محمد عبدالله السعيد أبو علي، إلى الصحافي والكاتب والشاعر علي ضاحي، بوصفها لقاءً بين فكرٍ يُنتج المعنى، وكلمةٍ تحمل مسؤوليته.
مسجد السهلة، القائم في أطراف الكوفة، ليس مسجدًا تاريخيًا فحسب، بل أحد أهمّ المقامات الروحية في الوعي الإسلامي، يُنسب إليه ارتباطٌ بسكنى الأنبياء والأولياء، ويُروى أنّه موضع عبادة النبي إدريس، ومقام الخَضِر، ومن الأماكن التي يُنتظر أن تكون مقرًّا لصاحب الزمان في زمن ظهوره. لهذا، ارتبط المسجد بفكرة العهد والانتظار، لا بوصفهما حالة زمنية، بل التزامًا أخلاقيًا وسلوكيًا دائمًا.
في أعلى اللوحة، يتجلّى عنوان «الصراط المستقيم» لا كمفهومٍ تجريدي، بل كطريقٍ حيّ ومسارٍ أخلاقي وروحي يبدأ بالاختيار وينتهي بالعهد. الصراط هنا ليس خطًا جامدًا، بل دربٌ مشروط بالمعرفة والسلوك والوفاء.
على يمين اللوحة، تحضر الحِكمة رمزًا لمقام النبي إدريس في مسجد السهلة، حيث يرتقي العقل من حدود المعرفة إلى أفق البصيرة. الحكمة هنا ليست ترفًا ذهنيًا، بل شرط الرؤية الأولى، وبوابة الدخول إلى المعنى.
وعلى يسارها، تتجلّى العدالة بوصفها مقام الخَضِر، العدالة التي لا تُختزل في النصوص ولا تُقاس بالمظاهر، بل تُختبر في الميزان الإلهي الخفي، حيث يُحاسَب الفعل بنيّته، ويُقاس السلوك بصدقه.
وفي قلب اللوحة، يقف الإنسان شاهدًا ومُختارًا، كأن العمل يقول إن الصراط لا يُسلك بالرموز وحدها، بل بالذات التي تقف بين الحكمة والعدالة، مطالبةً بالاتزان لا بالانحياز، وبالمسؤولية لا بالشعارات.
ويمتد الصراط عبر مسار زين العابدين والإمام الصادق، بوصفه طريق السلوك والعبادة والفقه الواعي، حتى يبلغ غايته القصوى: موضع قراءة العهد مع صاحب الزمان. عند هذه النقطة، تتحوّل اللوحة إلى دعاءٍ صامت، وإلى انتظارٍ فاعل لا يقوم على التمنّي، بل على الاستعداد والالتزام.
لهذا، فإن هذه اللوحة ليست زينة جدارية، بل عهدٌ مرسوم، ورسالة تقدير فكرية وإنسانية، تُهدى من عقلٍ فلسفيّ إلى قلمٍ صحافيّ، ومن تجربةٍ روحية إلى كلمةٍ مسؤولة، ودعوة مفتوحة لقراءة «ضياء الصالحين» لا باللسان وحده، بل بالسير في الدرب… خطوةً خطوة.

شرح رموز اللوحة
تحمل اللوحة في بنيتها الرمزية إحالاتٍ عميقة إلى حضارات المنطقة الأولى، حيث تتقاطع الذاكرة الرافدينية مع المعنى الروحي الإسلامي في نسيجٍ واحد.
الجَرّة في اللوحة ليست عنصرًا زخرفيًا، بل ترمز إلى إنكي، إله الحكمة في حضارة وادي الرافدين، وهو إلهٌ ارتبط بالحكمة والمعرفة، كما ارتبط بـ الكتابة والنسيج، أي بصناعة المعنى وربط الأفكار، لا بتكديسها. ومن هذا المنظور، يظهر إنكي كتجلٍّ حضاريّ من تجلّيات النبي إدريس، بوصفه نبيّ الحكمة الأولى، والمعرفة المؤسِّسة في تاريخ المنطقة.
أما الخَتم الدلموني الذي يتوسّطه الغزال والورود، فهو رمزٌ شمسيّ واضح، يحيل إلى إله الشمس في الحضارة نفسها، بوصفه إله العدالة، حيث النور كاشف، والميزان لا يختفي في الظل. الشمس هنا ليست جرمًا فلكيًا، بل عينًا كونية للحق.
وفي هذا السياق الرمزي، يظهر إله الشمس/العدالة كتجلٍّ حضاريّ آخر من تجلّيات الخَضِر، بوصفه حامل العدالة الإلهية العابرة للزمن، تلك العدالة التي لا تُدرك دائمًا بالعقل الظاهري، بل تُفهم في مسارها وغاياتها.
بهذا، لا تستحضر اللوحة رموزًا من الماضي لذاتها، بل تعيد وصل الحكمة والعدالة بسلسلة واحدة من التجلّيات:
من إدريس إلى إنكي، ومن الخضر إلى شمس العدالة، ليبقى الصراط المستقيم هو الخيط الناظم بين الحضارات، والأنبياء، والإنسان.

شاهد أيضاً

علي ضاحي وزينب قصير في مكتبة لافندر

علي ضاحي زار مكتبة «لافندر» على تقاطع مثلث دير قانون النهر: عندما تصبح الثقافة فعل صمود

علي ضاحي زار مكتبة «لافندر» على تقاطع مثلث دير قانون النهر: عندما تصبح الثقافة فعل …