خامنئي ليس مادورو…وطهران ليست كاراكاس!
علي ضاحي خاص takarir.net
منذ صعود دونالد ترامب إلى واجهة السياسة الأميركية، بدا واضحًا ميله إلى تبسيط العالم بلغة الصفقات والضربات الخاطفة. هكذا جرى التعامل مع فنزويلا: رئيس “غير مرغوب فيه”، عقوبات خانقة، ثم خطاب علني عن اعتقال نيكولاس مادورو أو إزاحته، كأن الدولة قابلة للطيّ والإخضاع السريع. لكن هذا المنطق، حين يُسقَط على إيران، يتحوّل إلى وهم سياسي خطير.
الفارق يبدأ من الرجل، ولا ينتهي عند الدولة.
السيد علي الخامنئي، مرشد الثورة الإسلامية في إيران، ليس رئيسًا منتخبًا في نظام رئاسي تقليدي، بل رأس هرم سياسي–ديني تشكّل بعد ثورة 1979 على أساس القطيعة مع الهيمنة الغربية. تولّى موقعه عام 1989، بعد تجربة شخصية في قلب الصراع: سجين سياسي في عهد الشاه، رئيس للجمهورية خلال حرب ضروس مع العراق، ثم مرشداً أعلى في مرحلة إعادة بناء الدولة تحت الحصار. موقعه ليس رمزيًا، بل مؤسساتي، يستند إلى شبكة معقدة من المجالس الدستورية، والمؤسسات الدينية، والأمنية، والعسكرية، تجعل شخصه متداخلًا مع بنية الدولة لا منفصلًا عنها.
نيكولاس مادورو، في المقابل، هو وريث سياسي لتجربة هوغو تشافيز، بلا كاريزما المؤسس ولا شرعية الثورة. وصل إلى الحكم عبر صندوق الاقتراع، لكنه قاد دولة ريعية منهكة، تعتمد شبه كلي على النفط، مع مؤسسات ضعيفة، واقتصاد هش، ومجتمع شديد الاستقطاب. شرعيته مرتبطة بالسلطة التنفيذية، لا بفكرة دولة عميقة أو مشروع حضاري طويل النفس.
لهذا، حين لوّحت واشنطن بفكرة “اعتقال مادورو”، لم يكن الأمر خيالًا صرفًا. فنزويلا دولة بلا عمق استراتيجي، بلا نفوذ إقليمي فعلي، وبلا قدرة ردع حقيقية. رئيسها يمكن عزله سياسيًا، خنقه اقتصاديًا، وربما استهدافه أمنيًا، من دون أن تنفجر المنطقة.
أما في إيران، فالمعادلة معكوسة تمامًا.
المرشد الأعلى ليس “زعيمًا يمكن اقتياده مكبّلًا”، بل رأس منظومة سيادية محصّنة، أي مساس بها يعني تلقائيًا فتح مواجهة إقليمية واسعة، تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. خامنئي لا يتحرك كفرد، بل كعنوان لدولة تمتلك جيشًا نظاميًا، وحرسًا ثوريًا، وقدرات صاروخية، ونفوذًا إقليميًا متشعبًا. اعتقاله، نظريًا، ليس عملية أمنية، بل إعلان حرب شاملة.
ترامب، الذي تعامل مع السياسة كبرنامج متلفز ، قد يتخيّل فنزويلا كهدف سهل، لكنه لا يستطيع – لا ذهنيًا ولا عمليًا – أن يتخيّل السيناريو نفسه في طهران. ليس لأن خامنئي “أقوى شخصيًا”، بل لأن إيران دولة صُمِّمت لتجعل استهداف رأسها كلفة لا تُحتمل.
الفارق هنا ليس أخلاقيًا ولا أيديولوجيًا، بل واقعي بحت. مادورو يقود دولة مأزومة تبحث عن نجاة. خامنئي يقود دولة صراعية بَنَت شرعيتها على فكرة الصمود والمواجهة. الأولى يمكن خنقها، الثانية يمكن إنهاكها، لكن لا يمكن اقتيادها إلى الزنزانة.
من يخلط بين الحالتين، يخلط بين دولة ريعية هشّة ودولة سيادية عنيدة. ومن يظن أن إيران يمكن أن تُدار بعقلية “كاراكاس”، لم يفهم بعد لماذا فشلت كل محاولات كسرها خلال أربعة عقود.
إيران ليست فنزويلا، وخامنئي ليس مادورو، ولهذا بالضبط، فإن كل الرهانات على مشهد اعتقال أو انهيار سريع، ليست سوى أوهام سياسية تُنتج عناوين إعلامية… لا وقائع على الأرض.
موقع تقارير موقع تقارير
