ضرب الهوية الوطنية للدول: التفتيت كسياسة أميركية موثَّقة
علي ضاحي خاص takarir.net
لم يعد تفكك العالم العربي لغزًا ولا نتيجة أخطاء محلية معزولة. ما تكشفه وثائق رسمية أميركية وتصريحات علنية لمسؤولين كبار وتقارير مراكز أبحاث نافذة، يؤكد أن إضعاف الدولة الوطنية وتفكيك الهوية الجامعة كان خيارًا استراتيجيًا مُعلَنًا، جرى تطبيقه بأدوات عسكرية وسياسية واقتصادية وإعلامية، من العراق إلى ليبيا، ومن سوريا إلى لبنان.
وفي لبنان، لم تُستخدم الجيوش بل الأدوات الاقتصادية والسياسية والإعلامية: عقوبات، شروط مساعدات، ودعم سرديات متناقضة. النتيجة كانت إضعاف ثقة المواطن بدولته وتعزيز الانقسام، في استنزاف هادئ للهوية الوطنية.
والاخطر اليوم في لبنان ما يتنطح به بعض السياسيين والناشطين والطائفيين عندما ينشدون العدوان الصهيوني والوصاية الاميركية ويطالبون بالفدرلة والغاء الطاءفة الشيعية ودورها السياسي والعسكري والامني وحتى الاجتماعي!
«الفوضى الخلّاقة»
في ذروة عدوان تموز 2006، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك كوندوليزا رايس أن ما يجري هو «آلام ولادة شرق أوسط جديد». العبارة لم تكن مجازًا بريئًا، بل توصيفًا لنهج يقوم على تفجير التناقضات الداخلية وإبقاء الدول في مخاض دائم. «الولادة» لم تُنتج دولًا أقوى، بل كيانات هشّة تبحث عن الأمان بدل السيادة.
العراق: كسر العمود الفقري للدولة
غزو 2003 لم يكتفِ بإسقاط النظام، بل اتخذ قرارًا موثّقًا بحلّ الجيش وتفكيك الإدارة. هذا القرار، كما أقرت تقارير أميركية لاحقة، فتح الباب أمام الانقسام الطائفي والمسلّح، وثبّت الدستور الجديد معادلة الهويات المتناحرة بدل الهوية الوطنية. النتيجة: دولة رخوة ومجتمع يبحث عن الحماية خارج الإطار الوطني.
سوريا: إدارة الحرب
في سوريا، لم يكن الهدف حسم الصراع، بل إدارته. دعم انتقائي، غضّ نظر عن تمدد جماعات متطرفة، وتدخلات محسوبة أبقت البلاد في حالة «لا نصر ولا هزيمة». هذا النموذج دمّر فكرة الدولة الجامعة، وفتح الباب أمام كانتونات أمر واقع، لتصبح الهوية الوطنية أولى الضحايا.
ليبيا: إسقاط الدولة
تحت شعار «حماية المدنيين»، قاد حلف الناتو تدخلًا أنهى النظام ولم يبنِ الدولة. لا جيش موحّد ولا مؤسسات ضابطة. هكذا فُرّغت الهوية نفسها، وغابت الدولة كليًا، لتتحول ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة.
اليمن: حرب مُدارة بلا أفق
في اليمن، كان الخيار الأميركي إدارة الصراع لا حلّه. ضغط هنا ودعم هناك، مع ترك البلاد تنزلق إلى كارثة إنسانية. تفكك اجتماعي ومناطقي ومذهبي، ودولة عاجزة عن لملمة هويتها.
السودان: التفكيك بالاستنزاف
الضغوط والعقوبات وإدارة الأزمات بدل معالجتها أدت إلى تآكل التماسك الوطني. انفصال الجنوب لم يكن نهاية المسار بل بدايته، ومع كل أزمة تراجعت الدولة خطوة إضافية.
مراكز الأبحاث: التنظير للتفتيت
تقارير مؤسسات بحثية أميركية نافذة دعت صراحة إلى دعم قوى محلية بدل الدول، والاستثمار في الانقسامات، والتعامل مع المنطقة كـ«فسيفساء» لا كدول قومية. التنظير سبق التنفيذ، والنتائج ما زالت تتراكم.
الاقتصاد كسلاح
العقوبات وربط المساعدات بشروط سياسية استهدفت الطبقة الوسطى، ما قوّض ثقة المواطن بدولته. حين تعجز الدولة عن تأمين الكرامة، تتآكل الهوية تلقائيًا.
ضرب الهوية قبل إسقاط الدولة
من بغداد إلى بيروت، النمط واحد: إضعاف المؤسسات الجامعة، تعزيز الهويات الفرعية، إدارة الفوضى، وضرب الاقتصاد. الهدف لم يكن ديمقراطية مزعومة، بل منع قيام دول عربية قوية بقرار مستقل.
وما تكشفه الوثائق والتصريحات ليس سوء تقدير، بل سياسة تفكيك طويلة الأمد. المواجهة تبدأ بالاعتراف، وبإعادة بناء الدولة العادلة والهوية الجامعة. فالدولة التي لا تحمي هويتها، تُترك مكشوفة أمام أي مشروع تفتيت، مهما تبدّلت عناوينه.
موقع تقارير موقع تقارير
