مجتبى يرسم سقف معادلة الردع ويُوسّع الجغرافيا: لا حرب على إيران بلا أثمان إقليمية!
* علي ضاحي – خاص takarir.net
لا يمكن قراءة الاجتماع الذي عقده المرشد الإيراني مجتبى خامنئي مع كبار قادة المؤسسة العسكرية في 31 تشرين الأول 2026 باعتباره لقاءً بروتوكولياً أو استعراضاً تقليدياً للجاهزية. فالتوقيت، ومستوى الحضور، وطبيعة التقارير العسكرية والتوجيهات الصادرة عنه، تعكس جميعها محاولة إيرانية لإعادة تثبيت معادلة الردع في مواجهة التهديدات الأميركية المتواصلة باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.
وضم الاجتماع رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء علي عبد اللهي، والقائد العام للجيش اللواء أمير حاتمي، والقائد العام للحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي. ويكتسب هذا التشكيل أهمية خاصة لأنه جمع القيادات العسكرية العليا للجيش النظامي والحرس الثوري ورئاسة الأركان، بما يشير إلى أن التوجيهات تستهدف مجمل المنظومة الدفاعية والقتالية الإيرانية، وليس مؤسسة عسكرية بعينها.
وبحسب المعطيات المنشورة عن الاجتماع، قدم القادة تقارير حول مستوى الجاهزية العسكرية والاستعداد العملياتي في السواحل الإيرانية على الخليج، ومضيق هرمز، وبحر عُمان، إضافة إلى الحدود الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية. كما عرضوا تطوراً متعدد الأضعاف في إنتاج أنواع مختلفة من الأسلحة والذخائر المخصصة للاستطلاع والدعم والعمليات القتالية.
وهذه التفاصيل تكشف أن الحسابات الإيرانية لا تقتصر على احتمال تبادل الضربات الصاروخية مع إس.رائيل، بل تشمل المجال البحري والممرات الاستراتيجية والحدود البرية، وهي عناصر تجعل أي مواجهة محتملة مرتبطة بالأمن الإقليمي والدولي.
الردع الاستباقي
وتكمن أهمية الاجتماع في ضرورة وضعه ضمن سياق التهديدات الأميركية المتكررة بشن هجوم جديد على إيران، بالتوازي مع استمرار الضغوط السياسية والعسكرية ومحاولات فرض شروط تفاوضية على طهران.
وتبدو خطوة مجتبى خامنئي تحركاً ردعياً استباقياً، هدفه منع واشنطن وتل أبيب من الاعتقاد بإمكانية استهداف إيران عبر ضربة محدودة يمكن احتواء نتائجها لاحقاً. فطهران تريد نقل رسالة واضحة مفادها أن أي اعتداء جديد لن يضمن للجهة المهاجمة التحكم في طبيعة الرد أو مدته أو نطاقه الجغرافي.
وبالتالي، فإن رفع مستوى الجاهزية العسكرية وتحديث بنك الأهداف لا يعنيان أن قرار الحرب اتُّخذ، بل يعكسان محاولة لرفع كلفتها المحتملة قبل وقوعها، وإعادة إدخال المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة ضمن حسابات أي قرار عسكري ضد إيران.
وتراهن القيادة الإيرانية على أن إظهار القدرة على الرد متعدد المسارات قد يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة حساباتها، خصوصاً أن أي مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتطال المصالح العسكرية والاقتصادية والأمنية في المنطقة.
بنك أهداف بلا قيود جغرافية
العبارة الأكثر دلالة في توجيهات خامنئي كانت التشديد على أن الرد على أي تهديد يجب أن يكون فورياً وفاعلاً ومن دون قيود جغرافية، بالتزامن مع الدعوة إلى تحديث بنك الأهداف ليشمل مختلف الأصول الأميركية والإسرائيلية المادية وغير المادية.
هذه الصياغة تحمل تحولاً مهماً في الخطاب الردعي الإيراني، لأنها تتجاوز مفهوم الرد التقليدي الذي يقتصر على استهداف مصادر الهجوم أو المواقع العسكرية داخل نطاق جغرافي محدد.
فإدراج الأصول غير المادية يوسع مفهوم الأهداف المحتملة ليشمل، بحسب طبيعتها، البنى المعلوماتية والاتصالات والأنظمة المرتبطة بالعمليات العسكرية والاستخباراتية، إلى جانب المنشآت والأصول العسكرية التقليدية.
لكن ينبغي التمييز بين توسيع بنك الأهداف وبين اتخاذ قرار عملياتي باستهداف مواقع محددة. كما أن الحديث عن غياب القيود الجغرافية لا يعني تلقائياً أن الأراضي التي تستضيف قواعد أو مصالح أميركية أصبحت جميعها أهدافاً مؤكدة، إذ تبقى الحسابات السياسية والعلاقات الإيرانية مع دول الجوار عاملاً مؤثراً في أي قرار.
الحرس الثوري في قلب المعادلة
ويحمل حضور قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي أهمية تتجاوز المشاركة الرسمية، نظراً إلى موقع الحرس في منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات غير التقليدية، فضلاً عن دوره في إدارة العلاقات العسكرية مع القوى الحليفة لإيران في المنطقة.
واجتماع وحيدي مع قائد الجيش ورئيس الأركان أمام المرشد يعكس توجهاً لتوحيد الرسالة العسكرية وتنسيق مستويات الجاهزية والردع بين مختلف المؤسسات.
كما أن توجيهات خامنئي المتعلقة بتعزيز البنية الاستخباراتية العسكرية، وتطوير العقيدة والتكتيكات الدفاعية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والناشئة، تشير إلى أن إيران لا تريد الاكتفاء بتكرار أنماط المواجهة السابقة، بل تسعى إلى تطوير أدواتها في الاستطلاع والإنذار المبكر والقدرات الصاروخية والمسيّرة.
والسؤال هنا يتعلق بطبيعة المواجهة المحتملة: هل ستعتمد طهران على نمط الضربات الصاروخية والمسيّرة الواسعة، أم ستعمل على توزيع أدوات الرد بين مسارات متزامنة، بما يفرض تحديات متعددة على منظومات الدفاع الجوي والبحري والاستخباراتي لدى خصومها؟ لا يقدم الاجتماع إجابة عملياتية حاسمة، لكنه يظهر اهتماماً واضحاً بتوسيع الخيارات المتاحة.
مضيق هرمز وبحر عُمان
إن إدراج الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان ضمن التقارير المقدمة إلى خامنئي ليس تفصيلاً جغرافياً عابراً. فهذه المنطقة تمثل أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب واسع فيها ستكون له تداعيات تتجاوز أطراف المواجهة المباشرة.
تدرك طهران أن موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أمن الملاحة يمنحانها أوراق ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة. وفي المقابل، تدرك واشنطن أن أي تصعيد يهدد حركة السفن وإمدادات الطاقة قد يفتح جبهة اقتصادية دولية، ويضع دول الخليج والأسواق العالمية أمام تداعيات أمنية وتجارية معقدة.
لكن استخدام هذه الورقة ليس بلا كلفة على إيران نفسها، ولذلك ينبغي التمييز بين إظهار القدرة على التأثير في أمن الممرات البحرية وبين اتخاذ قرار فعلي بإغلاقها أو تعطيلها.
“وحدة الساحات”
من النقاط اللافتة في الاجتماع تأكيد خامنئي أهمية “وحدة الساحات” بوصفها متغيراً استراتيجياً في تشكيل النظام الأمني والسياسي الجديد في غرب آسيا، مع الإشارة إلى دور جبهة المقاومة في دول المنطقة.
وتعيد هذه المقاربة وضع شبكة الحلفاء الإقليميين ضمن الحسابات الإيرانية لأي مواجهة جديدة، بحيث لا تبقى المعادلة محصورة في المواجهة المباشرة بين إيران وإس.رائيل أو بين إيران والولايات المتحدة.
بالنسبة إلى إسرائيل، يعني ذلك ضرورة احتساب احتمالات تعدد الجبهات، بما فيها الجبهة الشمالية والتهديدات الصاروخية والمسيّرة. أما الولايات المتحدة، فتواجه تحدي حماية قواعدها وأفرادها ومصالحها البحرية والإقليمية.
مع ذلك، فإن وحدة الساحات باعتبارها تصوراً استراتيجياً لا تعني بالضرورة وجود قرار موحد أو تلقائي بتحريك جميع الجبهات، فلكل ساحة ظروفها واعتباراتها السياسية والعسكرية الخاصة.
من يحدد شروط المواجهة؟
يأتي الاجتماع في وقت تتداخل فيه التهديدات العسكرية مع محاولات إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً بين واشنطن وطهران. فالإدارة الأميركية لا تزال تحتفظ بالخيار العسكري ضمن أدوات الضغط، فيما تحاول إيران منع تحول هذا التهديد إلى قرار تنفيذي، من خلال رفع مستوى الجاهزية وإظهار قدرتها على الرد.
وهنا تبرز أهمية الرسالة التي حملتها توجيهات خامنئي، ولا سيما تأكيده أن القوات المسلحة والشعب الإيراني هما من سيحددان توقيت وشروط انتهاء أي حرب جديدة. فهذه الصياغة تعكس رفضاً إيرانياً لفكرة أن الطرف الذي يبدأ الهجوم يستطيع وحده تحديد سقف المواجهة ونهايتها.
وتحاول طهران من خلال ذلك تحسين موقعها التفاوضي، عبر الجمع بين الاستعداد العسكري والتمسك بإمكانية الحل السياسي. فالردع، في الحسابات الإيرانية، ليس بديلاً عن الدبلوماسية بالضرورة، بل أداة لمنع فرض شروطها تحت التهديد العسكري.
في المقابل، تحمل هذه المعادلة مخاطر سوء الحسابات، خصوصاً إذا قرأ أحد الأطراف التحركات العسكرية المقابلة باعتبارها استعداداً للهجوم وليس إجراءً ردعياً، ما قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
معادلة جديدة لمنع الحرب
وتكشف خطوة مجتبى خامنئي عن ثلاثة اتجاهات متوازية: إعادة بناء الجاهزية العسكرية، وتوسيع نطاق الرد المحتمل، وإدخال المصالح الأميركية والإس.رائيلية والجبهات الإقليمية في حسابات أي مواجهة جديدة.
لكن الرسالة المركزية للاجتماع ليست أن الحرب أصبحت حتمية، بل أن إيران تريد منعها عبر تغيير حسابات خصومها ورفع كلفتها المحتملة. فطهران تحاول إفهام واشنطن وتل أبيب أن التهديدات المتواصلة لن تبقى وسيلة ضغط من دون أثمان، وأن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ قد يفتح مواجهة تتجاوز حدود الضربة الأولى.
في المحصلة، لا يعلن مجتبى خامنئي الحرب، بل يرفع سقف الردع لمنعها. إنها محاولة لتثبيت معادلة مفادها أن أمن إيران لا يمكن فصله عن أمن المنطقة، وأن أي هجوم جديد لن يكون بالضرورة عملية محدودة يمكن التحكم بنتائجها. والسؤال الاستراتيجي الذي ستكشفه المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت واشنطن ستتعامل مع هذه الرسالة باعتبارها تحذيراً يفرض إعادة حساباتها، أم أن استمرار التهديدات المتبادلة سيدفع المنطقة نحو جولة مواجهة جديدة يصعب تحديد حدودها ونهايتها.
* خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير

