7 أيام فوق هرمز..لماذا رفض ترامب عرض طهران وإلى أين تتجه المواجهة؟
# علي ضاحي–خاص takarir.net
يشهد المشهد الإقليمي والدولي تصعيداً متسارعاً على خط واشنطن–طهران، بعدما انتقل مضيق هرمز من كونه ممراً استراتيجياً للطاقة إلى ورقة تفاوضية مركزية في واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط.
وفي خضم التحركات الدبلوماسية التي رافقت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، طرحت طهران مبادرة تقوم على إعادة فتح المضيق وإنهاء الأعمال القتالية خلال سبعة أيام، مقابل خطوات أميركية مسبقة في المجالين العسكري والاقتصادي.
لكن المفارقة أن «مبادرة الأيام السبعة» لم تولد في نيويورك. فقد نقلت إيران عرضها إلى الولايات المتحدة عبر وسطاء في 16 أيلول، أي قبل انعقاد القمة الأممية، وقال مسؤول إيراني كبير إن طهران مستعدة لإعادة فتح المضيق خلال أسبوع إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية. ثم جاءت نيويورك لتكشف تفاصيل المبادرة وتضعها أمام الاختبار الأميركي المباشر.
سبعة أيام
جوهر الخطة الإيرانية يمكن اختصاره في معادلة واحدة: إجراءات أميركية أولاً، وقف للقتال، ثم إعادة فتح هرمز والعودة إلى طاولة التفاوض النووي.
وبحسب ما كشفه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فإن العدّ التنازلي يبدأ بعد موافقة واشنطن، على أن تستغرق الإجراءات الأولية أربعة أو خمسة أيام، ثم يُعاد فتح المضيق في اليوم السادس، وفي اليوم السابع تبدأ المفاوضات حول اتفاق نهائي في الملفات المتفق عليها، وفي مقدمتها البرنامج النووي.
وتشمل المطالب الإيرانية الأساسية رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإعفاء من العقوبات التي تعرقل صادرات النفط، والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، بالتزامن مع وقف الأعمال القتالية على الجبهات الإقليمية، بما فيها لبنان، على أن يتوج المسار بإعادة الملاحة الطبيعية في هرمز ثم استئناف المفاوضات الأميركية–الإيرانية.
وبذلك لم تكن طهران تعرض فتح هرمز «مجاناً»، كما لم تكن تقترح اتفاقاً نهائياً خلال أسبوع، بل كانت تقدم خريطة طريق زمنية قصيرة للوصول إلى صفقة أوسع.
وهنا يجب التمييز بين «النقاط السبع» المتداولة إعلامياً وبين وثيقة رسمية منشورة بهذا الاسم؛ فالتفاصيل المتاحة جاءت من تصريحات عراقجي، وتسريبات الوسطاء، وتقارير صحافية عن الاتصالات غير المباشرة.
ورقة هرمز
لماذا وضعت إيران المضيق في قلب المبادرة؟
لأن هرمز تحوّل خلال الحرب إلى أهم أوراق الضغط المتاحة لطهران. فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية لم يعد بالنسبة إلى الطرفين مجرد قضية ملاحة، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والتفاوض.
إيران تقول عملياً إن بإمكانها إعادة الملاحة الطبيعية، لكنها تريد مقابلاً سياسياً واقتصادياً واضحاً. أما الولايات المتحدة فتقول إن حرية الملاحة يجب ألا تتحول إلى ورقة تستطيع طهران استخدامها للحصول على تنازلات.
وهكذا أصبح الخلاف الحقيقي ليس فقط حول فتح المضيق، بل حول من يملك حق تحديد شروط فتحه ومن يقدم التنازل الأول.
لماذا رفض ترامب؟
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم، أنه رفض المقترح الإيراني، وقال إن طهران تريد فتح المضيق بصورة عاجلة لأنها تعاني خسائر اقتصادية كبيرة، فيما اعتبر أن الولايات المتحدة تحقق مكاسب في المواجهة.
ومن خلال الموقف الأميركي والتقارير المنشورة، يمكن فهم الرفض عبر عدة اعتبارات مترابطة.
أولاً، ترى واشنطن أن الضغط الاقتصادي والعسكري يؤثر في طهران، وبالتالي لا تريد تقديم تنازلات كبيرة قبل الحصول على مقابل واضح.
ثانياً، لا تريد الإدارة الأميركية أن تصبح إعادة فتح هرمز ثمناً تشتري به إيران رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة.
ثالثاً، تريد واشنطن أن يكون الملف النووي جزءاً من صلب أي تسوية، لا موضوعاً مؤجلاً إلى ما بعد فتح المضيق.
ورابعاً، فإن قبول الصيغة الإيرانية كما هي قد يعطي طهران مكسباً تفاوضياً مهماً، لأنها ستظهر باعتبارها الطرف الذي يملك مفتاح الانتقال من الحرب إلى الملاحة الطبيعية.
ولهذا فإن ترامب لم يرفض، وفق المعطيات المتاحة، مبدأ التفاوض بقدر ما رفض ترتيب التفاوض الذي اقترحته طهران.
الرفض لا يعني نهاية الحوار
وفي الوقت الذي أعلن فيه ترامب رفضه للمقترح الإيراني، قالت واشنطن إن الاتصالات عبر الوسطاء مستمرة وإن المحادثات توصف بأنها «إيجابية وبنّاءة». وهذا يعني أن الباب الدبلوماسي لم يُغلق، حتى لو سقطت صيغة الأيام السبعة بشكلها الحالي.
كما أن عراقجي قال إن طهران أعدت إطاراً عملياً للاتفاق وإن القرار بات في الملعب الأميركي، مؤكداً استعدادها للتحرك إذا أبدت واشنطن جدية في التوصل إلى اتفاق وإعادة فتح المضيق.
بعبارة أخرى، الرفض الأميركي قد يكون رفضاً للصفقة بصيغتها الحالية، لا رفضاً لفكرة الصفقة نفسها.
سباق الوقت
المشكلة أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. وطهران تراهن على أن استمرار اضطراب الملاحة والطاقة سيزيد الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، بينما تراهن واشنطن على أن استمرار الضغط سيزيد الكلفة على الاقتصاد الإيراني ويدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات أوسع.
وهنا يصبح مضيق هرمز أشبه بساعة تفاوض ضخمة: كل يوم يمر من دون اتفاق يرفع كلفة المواجهة، لكنه في الوقت نفسه يمنح كل طرف فرصة لاختبار قدرة الآخر على التحمل.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، خصوصاً أن أزمة الطاقة أصبحت جزءاً من الكلفة السياسية للحرب، بينما يقول ترامب إن إيران كانت تؤجل التسوية إلى ما بعد الانتخابات.
خمسة مسارات
المشهد الحالي يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، ولا توجد في المعطيات الحالية مؤشرات كافية للجزم بأن أحدها سيحسم المسار.
صفقة معدلة
قد يعود الوسطاء بصيغة جديدة لا تربط كل المطالب ببعضها دفعة واحدة، فتفتح إيران أجزاء أكبر من الملاحة مقابل إجراءات أميركية محدودة في الحصار والنفط، بالتزامن مع بدء التفاوض النووي.
فتح تدريجي
وقد يجري الاتفاق على ترتيبات مرحلية للملاحة، تسمح بعودة حركة السفن تدريجياً من دون إعلان تسوية شاملة. وهذا يمنح واشنطن مكسب حرية الملاحة، ويمنح طهران إمكانية القول إن الفتح جاء نتيجة تفاوض متبادل.
استنزاف طويل
السيناريو الثالث هو استمرار الحرب في منطقة رمادية: لا اتفاق شامل ولا عودة إلى حرب مفتوحة واسعة، وإنما ضغط اقتصادي وعسكري واتصالات غير مباشرة وعمليات متفرقة.
عودة التصعيد
أما إذا فشلت الوساطة واستمر الخلاف حول شروط هرمز والبرنامج النووي، فقد تتسع العمليات العسكرية. وقد ذكرت رويترز نقلاً عن «وول ستريت جورنال» أن ترامب أبلغ مساعديه بتوقعه احتمال استئناف حملة القصف بعد انتخابات تشرين الثاني، لكن هذا يبقى سيناريو منقولاً عن مسؤولين أميركيين وليس قراراً عسكرياً نهائياً معلناً.
التسوية الكبرى
السيناريو الأوسع هو تحويل هرمز إلى مدخل لتفاهم أميركي–إيراني شامل، يربط الملاحة بالعقوبات والنفط والأموال المجمدة والبرنامج النووي والضمانات الأمنية ووقف العمليات العسكرية في المنطقة.
وفي هذه الحالة تصبح أزمة المضيق نقطة بداية لتسوية أكبر، لا مجرد مشكلة ممر مائي.
لبنان في المعادلة
الأكثر دلالة في المبادرة الإيرانية هو عدم فصل هرمز عن بقية ساحات المواجهة. فإدراج لبنان ضمن وقف الأعمال القتالية المقترح يعني أن طهران تنظر إلى الحرب باعتبارها شبكة إقليمية مترابطة، بينما تميل واشنطن إلى التعامل مع الملفات وفق أولوياتها، وفي مقدمتها حرية الملاحة والبرنامج النووي والضغوط الاقتصادية.
وهذا يجعل أي تسوية شاملة أكثر تعقيداً، لأن الاتفاق حول هرمز وحده لن يكون كافياً إذا بقيت ساحات أخرى مفتوحة على التصعيد.
بين الهاوية والطاولة
في المحصلة، لم تكن «خطة الأيام السبعة» مجرد عرض لفتح مضيق هرمز، بل محاولة إيرانية لتحويل الأزمة البحرية إلى مسار تفاوضي زمني ومحدد: إجراءات أميركية، هدنة إقليمية، إعادة فتح المضيق، ثم العودة إلى المفاوضات النووية.
ترامب رفض الصيغة، لأنه لا يريد أن تبدأ واشنطن بتقديم التنازلات قبل أن تحصل على ضمانات ومكاسب تعتبرها أساسية. لكن استمرار الاتصالات عبر الوسطاء يؤكد في المقابل أن مسار التفاوض لم يمت.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية: طهران تريد أن يكون فتح هرمز ثمناً للتسوية، بينما تريد واشنطن أن يكون فتح هرمز مدخلاً إلى التسوية.
وبين المعادلتين ستتحدد المرحلة المقبلة.
فإذا نجح الوسطاء في تغيير ترتيب الخطوات، قد يتحول «اليوم السابع» إلى بداية تفاهم أميركي–إيراني واسع. وإذا فشلوا، فقد يتحول الرقم نفسه إلى مجرد محطة زمنية في مواجهة أطول، يكون فيها هرمز ساحة ضغط، والنفط أداة اقتصادية، والملف النووي عنواناً للتفاوض، ولبنان وسائر ساحات المنطقة جزءاً من الحسابات المتبادلة.
وفي النهاية، لا يدور الصراع فقط حول من يفتح هرمز، بل حول من يملك القدرة على فتحه، ومن يحدد ثمن ذلك، ومن يقدم التنازل الأول.
# خبير بالشأن الإيراني
موقع تقارير موقع تقارير
